نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
غادي آيزنكوت: منافس بنيامين نتنياهو الشرس على مقعد رئاسة الوزراء
نون بوست
معركة السيطرة على “برك سليمان”.. إسرائيل تهدد بابتلاع تاريخ بيت لحم
نون بوست
عودة الفلول إلى الشاشات.. ماذا تريد السلطة من رموز مبارك؟
نون بوست
كيف ساعد ضابط CIA الإمارات على الفوز برقائق الذكاء الاصطناعي؟
نون بوست
داخل مناطق الحوثيين.. كيف أُعيد توزيع النفوذ بين الشيخ والمشرف؟
نون بوست
إسرائيل تكشف مشروعها الاستيطاني.. هل انتهى وهم “عملية السلام”؟
نون بوست
من المظلة الأمريكية إلى الخيار الباكستاني.. الخليج يعيد رسم خريطة أمنه
نون بوست
“تجميد الاتفاق المائي مقدمة لاهتزازات أكبر”.. حوار مع الباحث وليد حباس
نون بوست
باب المندب بعد هرمز.. السلاح الإيراني التالي
نون بوست
“وسيم ومقاتل عظيم”.. زعيم العراق الجديد يتودد إلى واشنطن
نون بوست
صيانة في غمرة الجراحة.. كيف تُبعث الأجهزة الطبية في مستشفيات غزة؟
نون بوست
العالم ينفض يديه من أمريكا.. معاداة واشنطن تتخذ شكلًا مختلفًا
نون بوست نون بوست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
غادي آيزنكوت: منافس بنيامين نتنياهو الشرس على مقعد رئاسة الوزراء
نون بوست
معركة السيطرة على “برك سليمان”.. إسرائيل تهدد بابتلاع تاريخ بيت لحم
نون بوست
عودة الفلول إلى الشاشات.. ماذا تريد السلطة من رموز مبارك؟
نون بوست
كيف ساعد ضابط CIA الإمارات على الفوز برقائق الذكاء الاصطناعي؟
نون بوست
داخل مناطق الحوثيين.. كيف أُعيد توزيع النفوذ بين الشيخ والمشرف؟
نون بوست
إسرائيل تكشف مشروعها الاستيطاني.. هل انتهى وهم “عملية السلام”؟
نون بوست
من المظلة الأمريكية إلى الخيار الباكستاني.. الخليج يعيد رسم خريطة أمنه
نون بوست
“تجميد الاتفاق المائي مقدمة لاهتزازات أكبر”.. حوار مع الباحث وليد حباس
نون بوست
باب المندب بعد هرمز.. السلاح الإيراني التالي
نون بوست
“وسيم ومقاتل عظيم”.. زعيم العراق الجديد يتودد إلى واشنطن
نون بوست
صيانة في غمرة الجراحة.. كيف تُبعث الأجهزة الطبية في مستشفيات غزة؟
نون بوست
العالم ينفض يديه من أمريكا.. معاداة واشنطن تتخذ شكلًا مختلفًا
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

صدمة هرمز.. الاختناق الذي غيّر الخليج

مصطفى علي
مصطفى علي نشر في ٢٠ يوليو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

Also available in English

في الأحوال العادية، يعبر مضيق هرمز خمس النفط العالمي، أي ما يقارب عشرين مليون برميل يوميا، وما يقرب من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا وبرا، وقرابة 20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال، لكن الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير/شباط 2026 دفعت المضيق إلى واحدة من أعقد أزمات الطاقة في التاريخ الحديث.

عند النظر في أزمات الطاقة السابقة، نستنتج عمق الأزمة التي سببها إغلاق مضيق هرمز، فخلال أزمتي 1973 و1990، أعيق ما يزيد قليلا على 6% من الإمدادات العالمية، بينما أعاق إغلاق هرمز ما يقارب 20% من إمدادات الطاقة العالمية حاليا.

تنظر الكثير من الشركات بتشاؤم إلى المستقبل، منها شركة أدنوك الإماراتية، التي رأت أن التدفقات الكاملة عبر هرمز، قد لا تعود قبل عام 2027. وتعد الإمارات واحدة من أكثر الدول تضررا من الحرب في الشرق الأوسط، فلقد طالت رأسها الكثير من الضربات الإيرانية الثأرية، وتأثر اقتصادها نتيجة لإغلاق المضيق، ولم يكن هذا حالها وحيدة، فالكثير من دول الخليج قد تضرر، ولم ينحصر الضرر عند نفطه وغازه فقط.

تنتج دول الخليج 45% من الكبريت عالميا، وحصصا وازنة من اليوريا والألمنيوم والهيليوم، ما جعل الإغلاق قاتلا بالنسبة لسلاسل الأسمدة وأشباه الموصلات وصناعة النحاس، وكان له أثره على موجة ارتفاع في الأسعار ذكرت بأزمة الحرب الروسية الأوكرانية في مطلع عام 2022.

ومؤخرا، رصدت عدة تقارير أنه بسبب الأزمة، قد زادت اعتمادية بلدان مثل السعودية والإمارات على المنافذ البديلة، بينما ظلت كلفة التأمين واللوجيستيات مرتفعة على نحو يوحي بأن العودة إلى التدفقات الطبيعية لن تكون فورية.

ما تشير إليه هذه التقارير، يمكننا استنتاجه بشكل غير مباشر، أنه في لحظة تاريخية مباغتة، وجدت دول الخليج نفسها أمام الحاجة إلى ممرات بديلة، وموانئ خارج الخليج، وخطوط أنابيب آمنة، والجاهزية لارتفاع كلفة التأمين البحري، والتحوط من الاعتماد على الضمانة الأمريكية وحدها، الذي كشفت شهور الحرب هوانه، وكل تلك الدروس، تتخطى فكرة أن تكون ترفا استراتيجيا، إلى كونها ضرورة وجودية في اليوم التالي بعد الحرب.

في هذه المعمقة،، نحاول أن نتعرض لتلك الدروس، لنكشف ما الذي تعلمته الدول الخليجية منها، وإلى أي مآل قد تقودها استنتاجاتها من عصارة تلك الدروس.

خطوط الأنابيب البديلة.. والغفلة

في الأساس، كانت هناك مشاريع تستهدف البنية التحتية صنعت خصيصا للالتفاف على مضيق هرمز، فمثلا، كان “خط التابلاين” العابر للجزيرة العربية الذي بادرت إليه الولايات المتحدة عام 1947 لتأمين منفذ نحو المتوسط، أحدها، ولكن أبرز تجلياتها تمثل في خط شرق-غرب السعودي (بترولاين)، بامتداده الذي يصل إلى 1200 كم من منطقة بقيق شرقا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وقد شيد في ثمانينيات القرن الماضي التي شهدت “حرب الناقلات” بين إيران والعراق.

كانت حرب الناقلات التي أغرق فيها أو أصيب نحو 500 سفينة بين عامي 1984 و1988، جرس إنذار لدول الخليج واتكاليتها على مضيق هرمز، لذلك كان اللجوء إلى بديل على قائمة الأولويات منذ ذاك الوقت، إذ صمم (بترولاين) لكي يتسع لخمسة ملايين برميل يوميا، وقد رفعت السعة فيما بعد إلى سبعة ملايين.

حينما أغلقت إيران المضيق، حولت أرامكو الخط إلى طاقته القصوى في مارس 2026، لتقفز شحنات ينبع إلى نحو 2.2 مليون برميل يوميا، في أول تسعة أيام من ذاك الشهر، مقابل 1.1 مليون في فبراير الذي سبقه، بزيادة قدرتها بيانات التتبع البحري بنحو 330% عن مستويات ما قبل الحرب.

ليس بعيدا عن خط (بترولاين)، شغلت الإمارات خط أبوظبي للنفط الخام (حبشان-الفجيرة)، الممتد نحو 360 كم إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان خارج المضيق، والذي أنشئ عام 2012 بتكلفة 4.2 مليار دولار، بطاقة تشغيل بين 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميا، وقد بلغت نسبة تشغيله في مطلع الأزمة نحو 71%، بفائض يقارب 440 ألف برميل يوميا.

لم تكن تلك الطاقات التشغيلية مقاربة، ناهيك عن كونها مجتمعة، لم تعوض سوى جزء محدود من سلاسة الحركة العادية في مضيق هرمز، حيث تقدر وكالة الطاقة الدولية طاقتها الفائضة المتاحة بين 3.5 و5.5 مليون برميل يوميا، وهو يعادل فقط ثلث تدفق هرمز فحسب، أي ما يترك فجوة بنيوية تقارب 65% بلا بديل فعال، وقد كان ذلك الدرس الأول.

لا تكمن خطورتها في أثرها التدميري المباشر فحسب، بل في قدرتها الفائقة على هندسة الخوف في ممر مائي حيوي كمضيق هرمز.. ماذا تعرف عن الألغام الإيرانية في هرمز؟ وكيف يمتد أثرها لفترة ما بعد الحرب؟

📍التفاصيل في تقريرنا التالي👇https://t.co/F4f30cm1Xh pic.twitter.com/72Wwo6B9Yy

— نون بوست (@NoonPost) June 30, 2026

يضاف إلى ذلك، وجود قيود فنية أخرى كثيرا ما تغفل في سياق الحديث، فتخصيص بترولاين لكامل صادرات النفط الخام، يعني التخلي عن دوره في نقل سوائل الغاز والمنتجات الأخرى، وتظل خطوط الأنابيب مصممة للنفط الخام لا للمقطرات مثل: الديزل ووقود الطائرات، وهي أزمة كادت تعصف بأوروبا، التي كانت تستورد من الشرق الأوسط نحو 30% من الديزل ونصف وقود الطائرات مطلع عام 2026

ولم تكن تلك الملاذات والطرق الخلفية للالتفاف على هرمز، بعيدة عن مدى الصواريخ الإيرانية، ففي التاسع من أبريل/نيسان، ضربت مسيرة إيرانية محطة ضخ على خط بترولاين، لتخفض تدفقه بنحو 700 ألف برميل يوميا، قبل أن يعاد إلى كامل طاقته في الثاني عشر من نفس الشهر. وأعقب تلك الضربة هجوم من جماعات أنصار الله الحوثي بمسيرة في منتصف مايو/أيار، أوقف تشغيله مؤقتا مرة أخرى.

تلك الضربات ومثيلاتها، أظهرت مدى هشاشة خطوط الأنابيب حيث لم تنجح الأنظمة الدفاعية في تأمينها ضد الضربات الإيرانية. لقد كانت ببساطة حلولا تنقصها الكفاءة، وسمتها الهشاشة، لتتحول من ملاذات بديلة، إلى رهانات مكشوفة للصواريخ الإيرانية.

لقد كان مديري الأزمات في دول الخليج في غفلة من هذا، إلى أن كشف عنهم الغطاء، ما جعل الباحثة الاقتصادية هولي إيليات تعلق قائلة: “طالما بدا احتمال الإغلاق الكامل لمضيق هرمز بعيدا، ظل بناء بنية بديلة ضخمة يبدو إنفاقا لا يبرره الخطر. لكن الأزمة، أثبتت أن تلك الفرضيات كانت قابلة للكسر، وأن ما بدا مبالغة في التحوط، كان في الحقيقة أدنى بكثير من قيمة التأمين الواجب”.

تكدس على أرصفة الموانئ

تحتاج خطوط الأنابيب إلى موانئ، وقد أبرزت الأزمة قيمة الموانئ التي تقع خارج نطاق مضيق هرمز، وفي مقدمتها بالطبع، “ميناء ينبع” على البحر الأحمر، والفجيرة على عمان، بوصفها منافذ تصدير، كانت أقل عرضة للابتزاز الجيوسياسي، والقلاقل.

لكن الخطة الإيرانية كانت تتجاوز إغلاق المضيق، إلى نقل الضربات إلى “مخارج الطوارئ” للاقتصاد الخليجي المأزوم. لقد انتقل عنق الزجاجة من الأنبوب إلى الميناء إذن، وهنا يكمن الدرس الثاني.

بالنسبة لميناء ينبع، رغم قدرة الأنبوب على ضخ 7 ملايين برميل إليه، لم تتجاوز طاقته التحميلية نحو 4 إلى 4.5 مليون يوميا، في الظروف العادية، بينما تنخفض فعليا في ظروف الحرب إلى ما يقارب 3 ملايين. وكان الأمن، هو آخر ما يتسم به مسار البحر الأحمر، بل يكاد ينعدم تماما، إذ تظل الشحنات المتجهة جنوبا في حالة اضطرار إلى عبور باب المندب، وخفره من جماعة أنصار الله الحوثي، الذين إن شاءوا هجموا، وإن شاءوا تركوا.

والفجيرة على الناحية الأخرى، تحولت إلى هدف للمسيرات الإيرانية التي استهدفت عمليات التحميل عند مرفئها النفطي، حيث ضربت ناقلة تابعة لأدنوك في مطلع مايو.

افرغت تلك الموانئ البديلة من قيمتها حين لم تقترن بدفاع جوي محكم. ميناء الفجيرة مثلا، لم تكن ميزته الوحيدة موقعه خارج نطاق مضيق هرمز فحسب، بل من كونه أحد أكبر مراكز العالم لتزويد السفن بالوقود، ومجمعا ضخما لخزانات النفط الاستراتيجية، ما يجعله صمام أمان للإمدادات حين يختنق الخليج.

ورغم ذلك، كان الفائض التصديري المتاح عبره محدودا على الدوام، فخط حبشان لم يكن يشتغل إلا بنحو ثلاثة أرباع طاقته قبل الأزمة، ما عنى، أن هامش التوسع الفعلي لم يتعدى بضع مئات الآلاف من البراميل يوميا، وهو رقم يتضاءل إلى حد التقزم، إذا قورن أمام حجم ما كان يعبر هرمز.

تتسم الإمارات كذلك بتفوقها في اقتصاد الحاويات، وفي خلال الحرب، برزت بوصفها الأكثر انكشافا أمام الظروف الكارثية، حيث تكدست السفن عند ميناء جبل علي، تاسع أكبر موانئ العالم والمركز الرئيسي في المنطقة، بينما تراكمت البضائع في موانئ المنشأ الآسيوية بلا مسار واضح.

ومعظم الناقلات تحولت إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو الذي يعني إضافة نحو 3500 إلى 4000 ميل بحري إلى أربعة عشر يوما لمسار كل رحلة عن مسارها الطبيعي، مع نقص حاد في الحاويات الفارغة، التي تكدست في الخليج بلا عودة.

الدرس الذي تجسد هنا، كان أن الميناء الخارجي أصلٌ ثمين، لكن قيمته مرهونة بسعة أنبوبه ومخزونه ومنظومة الدفاع عنه، وليس فقط بموقعه الجغرافي وحده. وهو ما دفع دول الخليج لاستحداث شبكات برية جديدة من أجل تخفيف الاتكالية على الموانئ.

لكن هناك دولة تمثل استثناء في الحالة الخليجية، حيث تقف عمان في موقع استثنائي داخل تلك المعادلة، وموانئها الكبرى، كصحار والدقم والفحل، التي تطل على بحر العرب وخليج عمان خارج محيط مضيق هرمز، التي تمنحها ميزة تصدير بنيوية حرم منها جيرانها، ووضعها في خانة الرابحين النادرين داخل الخليج بإيرادات حققت زيادة 13% خلال الحرب.

في أبريل/نيسان، أعلنت الخطوط الحديدية السعودية عن إطلاق خمسة ممرات لوجستية جديدة للشحن، توسع من إمكانية الوصول إلى موانئ البحر الأحمر، بينما أطلق مسار بحري-بري يربط الدمام مع ميناء خورفكان الإماراتي على خليج عمان، بتشغيل مشترك بين شركة “موانئ” السعودية وشركة “جولف تينر”، إضافة إلى خط ملاحي مكوكي إلى البحرين.

كذلك، قامت شركات الشحن العملاقة باستحداث جسور برية، حيث أعلنت “إم إس سي” مسارات تخدم جزئيا بالشاحنات عبر الصحراء السعودية، كما أبلغت شركة “ميرسك” عملاءها بجسور برية جديدة لتأمين الإمداد من وإلى السعودية والبحرين وقطر.

لقد جسدت تلك الخطوات سمة جديدة ربما تكثف دول الخليج خاصة السعودية والإمارات، من الاعتماد عليها مستقبلا، فبدلا من التفكير في ميناء بديل، كانت هناك محاولات لاستحداث منظومة منافذ متصلة برا وبحرا، وهي التي يصفها تقرير نشر في الشرق بلومبرغ السعودية قائلا أنها على الرغم من وجودها، فلا تزال أحجام الصادرات عبرها أقل بنحو 30 إلى 40%، ولا يسعفها لتعويض الخسائر سوى ارتفاع الأسعار.

أزمة في اللوجستيات.. وأسعار مرتفعة

في أحد مقالاته، يشير الباحث بهرز بختياري إلى مفارقة ما، حين يقول: “ربما كان أبلغ دروس الأزمة أن الخطر المالي يسبق الخطر العسكري، وينجو بعده. فقد أغلق المضيق عمليا من قِبل شركات التأمين قبل أن يغلق بحريا، إذ قفزت أقساط تأمين مخاطر الحرب من 0.25% من قيمة الناقلة قبل النزاع، إلى ما بين 3و8%، بما قد يعني كلفة تأمين تبلغ ثمانية ملايين دولار لعبور ناقلة واحدة”.

وقد تظل أقساط التامين أعلى بنحو عشرين ضعفا حتى بعد إعادة فتح المضيق كما يشير أحد التقارير. وفي بداية الأزمة، كان بعض الشركات قد ألغت غطاء الحماية والتعويض عن عبور الخليج اعتبارا من الخامس من مارس/آذار، فبات من يجازف بالعبور يفعل ذلك، بلا أي تغطية. لقد وصل التأمين البحري وكلفة النقل إلى الذروة، وكان ذلك درسا آخر على دول الخليج أن تتعامل معه، قبل أن تتعلم منه.

هناك أمور أخرى تتحكم بسعر أقساط التأمين، فإزالة الألغام البحرية هي شرط مسبق لخفض قيمة الأقساط، وقد تستغرق حتى ستة أشهر من زمن إعادة فتح المضيق، ما يعني بقاء الكلفة المالية للعبور مرتفعة، حتى بعد أن تخلو السماء من الصواريخ والمسيرات، كما يشير بهروز بختياري المذكور آنفا.

بالنسبة لأسعار الاستئجار، كانت هناك أزمة أخرى، فمن أجل استئجار الناقلات العملاقة في ذروة الاضطراب، بلغ السعر نحو 800 ألف دولار في اليوم الواحد، واستجابت كبرى شركات النقل ببنية جديدة، فناقلات الحاويات الأربع الكبرى، ميرسك Maersk وإم إس سي MSC وسي إم إيه سي جي إم CMA CGM وهاباج لويد Hapag-Lloyd، قامت بتحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح وأعادت هيكلة عقودها وجداولها لبقية عام 2026، ما ترك نحو مليوني حاوية في غير مواضعها عبر الشبكة العالمية.

تمثل الدرس اللوجستي هنا أن الازدحام لا يزول بمجرد فتح المضيق، إنما ينتقل، حيث يتزاحم آلاف السفن المحررة على أرصفة وروافع في موانئ كجبل علي وكولومبو وسنغافورة، تعمل أصلا فوق طاقتها، بعد استيعابها لحركة محولة، ما يؤجل عودة الأمور إلى طبيعتها أشهرا إضافية.

تحول الهيليوم من غاز هامشي إلى نقطة اختناق استراتيجية.. فهل تصمد قلاع التكنولوجيا أمام جفاف إمدادات الهيليوم القطرية؟
اقرأ المزيد في المادة التالية 👇👇
https://t.co/PSg0d1V62S pic.twitter.com/pgJ5FSPwDI

— نون بوست (@NoonPost) April 2, 2026

كان تعطل حركة الحاويات قد تسبب أيضا في تهديد صناعات خليجية قائمة على التصدير، من الألمنيوم للأسمدة للبتروكيماويات، وتسبب في إرباك سلاسل الإمداد الغذائي، في دول، تستورد جل غذائها بحرا، بما أعاد للأذهان موجة الغلاء لعام 2022 كما ذكرنا في البداية، ليتبين أن اللوجستيات، ليست مسألة ناقلات ونفط فحسب، بل شريان قد يمس الأمن الغذائي والصناعي معا، مما يتسبب في أزمة تهدد الأمن القومي للبلاد، لذلك كانت الحاجة لتنويع منافذ الاستيراد، لا تقل إلحاحا عن تنويع منافذ التصدير.

من ناحية أخرى، كان الحرس الثوري يلوح بحركات سببت قلقا لدول الخليج، حينما قدر رسم مرور بنحو دولار واحد عن كل برميل، أي ما يقارب مليوني دولار لناقلة عملاقة، فتحول المضيق من ممر مجاني إلى مصدر دخل خاضع لإرادة طرف واحد، وابتزازه، كما يذكر تقرير معهد بروكينغز المنشور تحت عنوان: “من نقطة اختناق إلى أزمة: مضيق هرمز وأسواق النفط العالمية”.

ولم يكتف بهذا، إذا أردف بالتلويح بتحصيل الرسوم باليوان الصيني أو العملات المشفرة، وإنشاؤه “هيئة مضيق الخليج الفارسي لتنظيم العبور”، الذي جعل دول الخليج قلقة من أن تتحول تلك السابقة إلى نموذج قابلة للتكرار في ممرات أخرى، لتحول ميزة “المجانية” للعبور ذاتها، إلى امتيازا لم يعد مضمونا ولا مستداما. ووراء تلك الخطوات مجتمعة، وكما يفترض الباحث في معهد راجارنتام السنغافوري هوزير حزقيال، في أحد التقارير، يبدو أن درس دول الخليج من وراء تلك الأزمة كان أن كلفة اللوجستيات، ليست رقما عابرا، بل عبء بنيوي يستقر في العقود والأسعار لسنوات، في اليوم التالي من فتح المضيق.

هلع داخل البيت الخليجي

لم تكن الاستجابة للأزمة واحدة، لأن تبعاتها لم تكن متماثلة بالطبع. فلقد رأينا أن السعودية والإمارات فقط، تمتلكان قدرة على الالتفاف على اختناق هرمز، وإن كانت ذات مشاكل، وسلطنة عمان، كانت دولة ذات ظروف جيوسياسية خاصة، لكن الكويت والبحرين وقطر والعراق تركوا أسرى للمضيق.

كما ينعكس في مقارنة عقدتها صحيفة نيويورك تايمز بين قيمة النفط المصدر بين بداية الحرب والثامن من مايو بالفترة نفسها قبل عام، حيث تبين أن الدول التي أظهرت القدرة على تفادي اختناق هرمز، أي، السعودية عبر أنابيبها إلى البحر الأحمر، وعمان بحكم موقعها، قد سجلت زيادات في الإيرادات، بينما تراجعت إيرادات العراق والكويت وقطر والإمارات، ممن لم يجدوا مخرجا فعالا.

بلغ الأمر بأحد الدول كالكويت، أن أعلنت حالة “القوة القاهرة” وخفضت إنتاجها، حتى أنها لم تصدر أي نفط في شهر أبريل للمرة الأولى منذ غزو العراق لها في التسعينيات. أما قطر، علقت إنتاج الغاز مطلع مارس/آذار، وأعلنت القوة القاهرة كذلك على عقودها الغازية، محذرة من أن استمرار الحرب، قد يجبر منتجين آخرين على وقف صادراتهم بما يسقط اقتصادات العالم. أما البحرين، الأكثر هشاشة، لاعتمادها على النفط والألمنيوم في أكثر من ثلثي إيراداتها، اضطرت إلى تلقي دعم إماراتي عبر اتفاق مبادلة عملة بقيمة 5.4 مليار دولار.

تلك الاستجابات المتنوعة تعكس مشاكل ودروسا، فحالة قطر تعد مسألة لا تعالجها خطوط الأنابيب، فالغاز الطبيعي المسال، بخلاف النفط، لا يملك مسار التفاف بري يذكر، إذ تتركز صادرات قطر في محطة رأس لفان التي تحمل منها الناقلات عبر هرمز حصرا، ما جعل الدوحة أحوج ما يكون إلى فتح المضيق.

وبما أن أوروبا تعتمد على قطر في جزء من صادرات الغاز المسال ليس أبدا بالبسيط، كان إغلاق هرمز أزمة تفوق كونها أزمة قطرية لتصبح أزمة في أنظمة التدفئة في الدول الأوروبية والصناعة الأوروبية على حد سواء، لتذكر تلك الأزمة أن الاعتماد على ممر واحد لا يخنق المنتج وحده، بل زبائنه كذلك في القارات البعيدة.

العراق باعتماده على أكثر من 90% من النفط في إيراداته، شهد توقفا شبه كامل لإنتاج البصرة حين امتلأت الخزانات، ولجأ إلى تصدير النفط الخام بالصهاريج عبر سوريا، التي لا تجمعه علاقة جيدة بنظامها الجديد، في مشهد لخص فداحة غياب البدائل.

وكليا، تأثرت دول الأوبك بتراجع إنتاج قدر بأكثر من 30% منذ بداية، وهو ما يضعف موقع المنظمة في سوق باتت أكثر اضطرابا، والتي رجح الكثيرين أنها في الطور الأخير من احتضارها، خاصة بعدما انسحبت منها الإمارات في نهاية أبريل/نيسان الماضي، لتزيد من التحديات التي تواجه مستقبل المنظمة.

بدا العراق كمن فقد ثروته رغم بقاء حقوله النفطية بعيدة عن الاستهداف.. إليك كيف خنق إغلاق “هرمز” البصرة 👇 pic.twitter.com/hzQhDJJR87

— نون بوست (@NoonPost) March 12, 2026

في العموم، أبرزت الأزمة رابحين خارج الخليج، بقدر ما أنهكت الخاسرين داخله، فبحسب تقرير نيويورك تايمز المذكور آنفا، جنت الولايات المتحدة بوصفها أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، نحو 50 مليار دولار من عائدات الطاقة مع قفزة الأسعار، وحصدت روسيا قرابة 15 عشر مليار دولار، وإيران ذاتها في خضم الحرب، حققت ارتفاعا في الأرباح من عائدات الطاقة، في حين تكبد منتجو الخليج المحاصرون خلف هرمز أفدح الخسائر.

وتتمثل المفارقة هنا، أن ألم المنطقة انقلب مكسبا للمنافسين في سوق الطاقة العالمية، وإن كان هذا ليشكل درسا بشكل ما، فلا بد وأنه، كان عليه أن يمنح حافزا مضاعفا لدول الخليج لتفكيك اعتمادها على ممر واحد، فكل يوم اغلاق لا يستنزف إيراداتها فحسب، بل يعيد باستمرار رسم حصص السوق لمصلحة غيرها، ويمنح النفط الأمريكي والروسي موضع قدما في أسواق آسيوية، لطالما كنت حكرا على الخليج.

الأثر في الجسد الخليجي كان مستشريا كالسرطان، فتلك الأزمة تخطت حدودها الاقتصادية، لتسبب صدعا سياسيا. فالإمارات التي تلقت ضربات أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ ومسيرة -أكثر مما تلقته بقية دول المجلس مجتمعة- مالت إلى المواجهة مع طهران، بينما فضلت السعودية وقطر وعمر والكويت الاحتواء، والهدن تحت الطاولة، كما يشير تقرير لمعهد بروكينغز تحت عنوان: “كيف ستغير حرب إيران الشرق الأوسط؟”.

لقد كان الدرس واضحا في تلك النقطة، أن دول الخليج، لا تستطيع أن تشكل استجابة للظرف السياسي والاقتصادي العاصف ككتلة متجانسة، سواء في أمن الطاقة، أو الأمن العسكري، وأن الاستجابة للأزمات، تسير وفقا لتراتبية القدرات التي تملكها كل دول، وأن التفاوت في المنافذ من اختناق هرمز، يترجم مباشرة إلى تفاوت في النفوذ والقرار.

الخروج من الاختناق الهرمزي.. إحياء مشاريع قديمة

من الفضائل الهامشية للأزمات، أنها تحفز على إيجاد الحلول، وقد دفع إغلاق المضيق إلى نفض الغبار عن مشاريع نقل برية ظلت لعقود حبيسة الأدراج، فلعقود بدت التكلفة رغم جسامتها، أدنى من العتبة التي تبرر ضخامة الاستثمار في بنى بديلة لمضيق هرمز، لأن منظومة الردع والترابط الاقتصادي، جعلت الإغلاق الكامل يبدو أكثر كلفة من أن يقدم عليه أحد.

لكن ما حدث في نهاية فبراير/شباط 2026، أثبت أنه لا مسلمات في جيوسياسة الشرق الأوسط، وقد دفع منتجي الخليج، وقد باتوا أشد حذرا من التهديد الإيراني المتواصل، إلى النظر فعليا إلى مرحلة، “ما بعد هرمز”، كما ترى هولي إيليات التي ذكرناها آنفا.

تقدر شركة أليانز الألمانية ما قيمته أكثر من ألف سفينة محتجزة في الخليج بنحو 125 مليار دولار، لذا، صار جليا أن كلفة عدم التنويع في الممرات البديلة لهرمز، تفوق بمرات كلفة بناء تلك الممرات البديلة. ولذا، يتوقع محللون في معهد بروكينغز، أن تسرع دول الخليج الاستثمار في مسارات تصديرية بديلة عبر شبكات أنابيب جديدة، لتقليص اعتمادها المزدوج على المضيق، وعلى استعداد الجيش الأمريكي لإبقائه مفتوحا، فما الذي يحدث على الأرض، للخروج من الاختناق الهرمزي؟ هناك مشاريع.

في مقدمة تلك المشاريع، تردد كثيرا مؤخرا اسم خط كركوك-بانياس، الذي بدأ في العمل عام 1952 بطاقة تسع نحو 300 ألف برميل يوميا ثم توقف إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. وفي أغسطس/آب 2025، كانت مباحثات بين بغداد ودمشق قد دارت لإحيائه، مع تقديرات تشير إلى كلفة تتجاوز 4.5 مليار دولار، ومدة تقارب 36 شهرا لإعادة التأهيل، مع طموح إلى خط مزدوج بطاقة تصل إلى 1.5 مليون برميل يوميا. وقد عزز استعادة الحكومة السورية الجديدة السيطرة على حقول النفط في دير الزور والرقة مطلع عام 2026 من قدرتها على إبرام عقود عابرة للحدود.

تستغرق خطة الإحياء سنوات، وكان العراق أحوج ما يكون إلى منفذ لذلك لجأ إلى تصدير النفط الخام بالصهاريج عبر سوريا إلى ميناء بانياس. ففي الأول من أبريل/نيسان، شهد معبر النتف عبور 299 شاحنة، بمعدل أولي بين عشرة وخمسة عشر ألف برميل يوميا، وبلغ عدد الصهاريج العابرة نحو 500 إلى 700 يوميا في منتصف الشهر، بينما لا يستوعب ميناء بانياس سوى نحو 300 صهريج، أي ما يقارب 60 ألف برميل يوميا، لكن ذلك، لم يمنع هيئة تسويق النفط العراقية من توقيع اتفاق تصدير 650 ألف طن شهريا عبر سوريا بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2026.

بالتوازي، أعيد تفعيل خط كركوك-جيهان نحو تركيا، ويتدفق عبره ما يقارب 220 ألف برميل يوميا، بينما تطمح العراق إلى مضاعفة ذلك الرقم ثلاثة مرات، رغم أن معاهدة العراق مع تركيا بخصوص تشغيل خط الأنابيب ذاك، تنتهي في يوليو/تموز 2026.

كذلك، يسعى العراق إلى إعادة تأهيل خط فيشخابور-جيهان، الذي في حالة دخوله الخدمة سيعمل بطاقة تصاعدية بنحو 600 ألف برميل يوميا وصولا إلى طاقته القصوى مليون و600 ألف برميل يوميا. وكذلك، يسعى إلى إحياء خط “إبسا” المعطل مع السعودية منذ 1991، مع تخصيص 1.5 مليار دولار لتطوير بنيته بالشراكة مع شركات صينية.

اختناق هرمز يشعل سباق الممرات البديلة ويعيد رسم طرق التجارة.. هل تتحول تركيا إلى بوابة الطاقة الجديدة؟

اقرأ المزيد في المادة التالية 👇👇https://t.co/oMyPcOi9Pd pic.twitter.com/J4LcgtiATG

— نون بوست (@NoonPost) April 6, 2026

لم يسع العراق وحيدا، فتركيا والسعودية حاولا إحياء خط يمر عبر الأردن وسوريا بمسار يمتد إلى 3000 كم تعود جذوره إلى سكة حديد الحجاز العهد العثماني، وهو مشروع ما زالت جدواه وتكلفته مسار نقاش سيعلن بنهاية عام 2026، ولكن يرى الخبراء أن أهمية إحياء هذا الطريق تكمن في توفير ممرا بريا آمنا للخليج مباشرة إلى أوروبا، مما يحد من الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة لعواصف الشرق الأوسط الجيوسياسية.

لكن ذلك المشروع، يواجه تحدياته الخاصة، فسوريا التي سيعبرها ما زالت في طور إعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب والهول، كما يبدو أن توحيد المواصفات التقنية لشبكات السكة الحديد في أربع دول مختلفة، يمثل تحديا هندسيا وتنظيميا معقدا.

ويعد “مشروع البحار الأربعة” من الأسماء التي تتردد مؤخرا كذلك، وهو مشروع طموح طرح للمرة الأولى عام 2009 من الرئيس التركي عبد الله غول على نظيره الأسد الذي لم يبد أي اهتمام يذكر. يسعى المشروع إلى خلق شبكة من خطوط أنابيب الطاقة وممرات السكك الحديدية التي تربط تركيا وسوريا بالخليج وآسيا الوسطى، وتعتمد تلك الشبكة على خطوط أنابيب قائمة واخرى جديدة، مما يتيح تدفق النفط من الخليج، والغاز الطبيعي من القوقاز وآسيا الوسطى، لتصديره إلى أوروبا عبر الموانئ السورية وخطوط الأنابيب التركية.

ومن المحتمل، أن يتصل بالمشروع التركي “الممر الأوسط” المقترح هو كذلك بديلا عن هرمز، لتسهيل تدفق الطاقة إلى شرق آسيا عبر آسيا الوسطى.

الكثير من تلك المشاريع، مازال يقبع تحت مرحلة التقارير ذات العناوين البراقة التي تتسائل: “هل تعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة العالمية؟”، لكن ما تحمله في طياتها أنها تعبر عن درس بري قد استوعبته المنطقة جيدا في أعقاب إغلاق مضيق هرمز، لكنها في حد ذاتها ليست حلا سحريا.

لطالما استهدف تنظيم الدولة شاحنات نفط عابرة في سوريا، كما أن تلك المنطقة لا تخلو من نزاعات تتجدد بسبب إقليم كردستان والصراع مع تركيا، ومخاطر الميليشيات في العراق، وكل تلك التهديدات تجتمع لتشكل تهديدا وجوديا دائما لجدوى الخطوط البرية. فالممرات البرية قد تخفف بالفعل من الاعتماد على البحر، لكنها لا تلغي معضلة الأمن، ولا يضاهي الممر البري بحجمه، ما تحمله الناقلات في البحر، كما يرى مجموعة من الباحثين في شؤون الطاقة في أحد التقارير التي نشرها موقع إينرجي ناو.

هناك أزمة أخرى، تتمثل في المدى القصير لذاكرة الأزمات. نظريا، تمتلك دول الخليج الأكثر ثراء صناديق سيادية تقدر بتريليونات الدولارات، قادرة على تمويل بنية بديلة دون إرهاق للموازنة العامة، مع موقع جغرافي يسمح بوصل ثلاثة بحار عبر الأنابيب والسكك.

لكن للتاريخ درسه أيضا، فكما استعرضنا سابقا، بمجرد ما انتهت حرب الناقلات، ظهر أن ذاكرة الأزمات قصيرة، فالسعودية تباطأت في الاستثمار في البدائل، ولم تكمل بنفس الوتيرة في خط بترولاين، لذلك، لا يكفي الرهان على توافر المال والأفكار، بل على استمرار الإرادة السياسية، ما أن تنقشع سحابة الخطر. وهو أمرٌ لن نجد خيرا من السنين لتخبرنا عن تحققه من عدمه، وليس الأشهر القليلة القادمة سواء توقفت الحرب أم لم تتوقف.

الغطاء الأمني الأمريكي.. صرح من خيال فهوى؟

كانت صدمة هرمز، صدمة بالمعنى الحرفي للكلمة، لأنها أثبتت أن منظومة أمن الخليج المؤطرة بالتقنية العسكرية الأمريكية غير كافية للدفاع عن أمن الخليج. والتواجد الأمريكي في القواعد المتناثرة، التي تطوق إيران، أثبت أنه سلاح ذا حدين إذ وفر هدفا للانتقام الإيراني بقدر حمائيته من الضربات الإيرانية، كما أن تلك الحمائية من أساسها،  ليست بهذه القوة المرجوة، وأن سنوات من الظن بكون أمريكا قادرة على الحماية، ربما كانت لا تعدو كونها مجرد تفكير رغبوي، وربما كان هذا أقسى الدروس وأكبرها.

عموما، كانت هناك سوابق، ولكنها دخلت في إطار الأمنيات بأن هناك قواعد اشتباك لن تكسر، فمنذ هجوم بقيق 2019 الذي لم ترد عليه الولايات المتحدة، إلى هجوم إسرائيل على مفاوضي حماس في الدوحة 2025، كان على دول الخليج أن تعي أن الحماية الأمريكية الدائمة، وهمٌ، وهو وهم مكلف.

لذلك، لا يوجد مبرر استراتيجي كافي ليفسر لماذا لم تبنِ دولا بهذا الحجم المهول من الثروات والصناديق السيادية، دفاعات عالية المستوى، وهو التساؤل الذي حير المؤرخ ديفيد روبرتس في مقالته في فورين أفيرز تحت عنوان “نظام جديد للخليج: يجب على المنطقة أن تصنع أمنها، لا أن تشتريه”.

وقد جاء الاتفاق الإطاري، ليضاعف من دور إيران الرقابي على حركة الملاحة في هرمز إلى جانب عمان، وهو ما أثار قلق دول خليجية رأت فيه رهنا لتجارتها البحرية بإرادة طهران، لذلك بدأت في الانعطاف بعيدا عن الولايات المتحدة، وكانت الخطوة الأولى بتنويع مصادر السلاح اعتمادا على تركيا.

وفي العموم، لا تنظر دول الخليج براحة إلى الاتفاق الإطاري، فلقد أثبت هشاشته مرة بعد أخرى، بتجدد ضرب السفن التي تعبر مضيق هرمز، لذلك، وكما الباحث المذكور آنفا، هوزير حزقيال، أن الصلح مع طهران، يبدو في نظر دول الخليج هدنة قابلة للانهيار، أكثر منها تسوية دائمة، وهو ما يعزز، لا يضعف، منطق بناء بدائل لا تتوقف جدواها على حسن نية الجار.

استنزفت الأيام الثلاثة الأولى للحرب وحدها صواريخ باتريوت اعتراضية أكثر مما أطلقته أوكرانيا في أربع سنوات، وامتصت مجتمعة أكثر من 4300 صاروخ ومسيرة استهدفت مطارات ومنشآت نفط، ومراكز مالية في كل عاصمة خليجية تقريبا، وأمام تلك الحرب الغاشمة، خرجت بعد التقارير التي تشير إلى أن شروط الحياد الذي طالما تمسكت به دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات قد تغيرت، إلى درجة أنهما شاركا في عمليات هجومية على أهداف إيرانية.

كان هذا يعني أن هناك حركة متسارعة على جبهة التسليح والشراكات، فقد زار الرئيس الأوكراني المنطقة مرتين، وقع فيها اتفاقات أمن طويلة الأمد مع الرياض والدوحة، ناشرا خبراء لمكافحة المسيرات، بينما قدمت رئيسة وزراء إيطاليا عرضا لترميم بنية الطاقة، ونشرت دفاعات جوية في المنطقة.

كانت السعودية في الأساس قد بدأت في نهايات 2025 مسعى جديدا للتسليح، حيث عقد ولي العهد صفقة سلاح أمريكية كبرى بصفته حليف رئيس من خارج الناتو، وقام باتفاق دفاع استراتيجي مشترك مع باكستان، وإن ظلت ميثاقات الدفاعات المشتركة التزامات لا توجب التدخل الأمريكي أو الباكستاني في حالة الحرب.

معلنا بدء نقاش المقترح مع السعودية والإمارات.. ترامب يهدد بفرض أتاوة تبلغ 20% من الناتج القومي لدول المنطقة مقابل العمل كحارس أمن في مضيق هرمز

📍إليك التفاصيل 👇https://t.co/XZRr2Hn85u pic.twitter.com/zOgKsftWXF

— نون بوست (@NoonPost) June 27, 2026

وفي إطار التنويع، حاولت دول الخليج النظر إلى أمنها بمنظار أوراسي يختلف عن منظار واشنطن المعهود، حيث وسعت دائرة حلفائها لتشمل الصين والهند وأوروبا وتركيا، لكن النقد الذي يوجه لهذا التنويع، وفقا للمحلل السياسي زيدون الكناني، أنه “تنويع محفوف بالحدود، لأن أيا من هذه القوى، لا يملك بعد، ما تملكه الولايات المتحدة من حضور عسكري دائم في المنطقة، ما يجعل الاستقلال الأمني الخليجي، طموح طويل، دون بديل جاهز”.

لكن الأزمة من ناحية أخرى كسرت محرمات قديمة، فالسعودية والإمارات، رغم خلافاتهما، تحركتا لربط مدنهما الساحلية في التفاف مباشر على هرمز، وهي الخطوة التي كانت تبدو مستحيلة قبل الحرب، حيث اشتد الخلاف بين البلدين واشتعل في اليمن.

ولكن الدرس المركزي، أن منظومات الدفاع الخليجية الموروثة من تسعينيات القرن الماضي، ثبت أنها لم تصمم لحرب المسيرات، ولا لمعادلة إغلاق هرمز، وسد تلك الفجوة، يتطلب تكاملا في الرادارات، وبروتوكولات الاعتراض، ومراقبة مشتركة للمضيق، وهو تكامل وفقا للمتخصص في القانون الدولي والشؤون الخليجية إريك ألتر: “يصطدم بحساسيات السيادة أكثر مما يصطدم بنقص المال”. فألتر يرى، أن ما يعيق إنشاء مؤسسة دفاعية خليجية يتمثل في التردد، في اعتبار التكامل القانوني كمنح هيئة مشتركة صلاحية التصرف دون موافقة سياسية بالإجماع، مسألة عسكرية، لا مسألة سيادية.

حيث أن الممالك الخليجية الست لا تنظر إلى التهديد بنفس النظرة، ويختلف تقدير كل دولة تجاه التهديد الإيراني، بينما إطار عمل، يتطلب اجتماعا كاملا من دول مجلس التعاون الخليجي، وما حدث فعليا أن الصراع قد سرع من وتيرة الشراكات الثنائية والعملياتية، بين الدول الراغبة، بينما غابت أدوار دول أخرى، ليظل السؤال المطروح هو: هل يمكن إضفاء الطابع المؤسسي على هذه الشراكات، قبل أن يتلاشى الضغط السياسي الذي أدى إلى نشأتها؟

خاتمة.. وسؤال معلق

اليوم الذي سيشهد عودة الحركة في مضيق هرمز بسلامة وسلاسة، سواء بعد أسابيع أو أشهر، لن يكون بالتأكيد كاليوم السابق على توقف حركة الملاحة، فلا بد أن الكثير قد تغير، والدرس الجامع للخليج، أن أمن الطاقة ليس ضمانة تستأجر من قوة خارجية، ولا يمكن لها أن تعتمد على ممر واحد يفترض بقاؤه مفتوحا، بل شبكة من الخيارات المتنوعة: خطوط أنابيب مؤمنة، موانئ خارج دائرة الاختناق الهرمزي، ممرات برية للمشرق وإن كانت هشة، وقدرة دفاعية ذاتية تغني عن انتظار القرارات التي تتخذ في واشنطن، وراء الأطلنطي.

كما أن التحوط كاستراتيجية، ثبت أنه ليس شيئا من باب الترف يمكن أن يؤجل، أو ينفذ ببطء، ولكنه تأمين استراتيجي، تأتي عواقب تجاهله بتكلفة تقاس بمليارات الدولارات، وسيادات مرهونة.

لكن الأزمات ودروسها فقط، لا تصنع التحول، فالتفاوت في القدرات بين دول الخليج، وتباين مقاربتها الجيوسياسية تجاه إيران، بإمكانها أن تعيق أي تكامل دفاعي، وتبطئ من ترجمة ما تعلمته المنطقة، إلى مؤسسات وبنية دائمة، لذلك يبقى السؤال معلقا: هل تملك دول الخليج الإرادة السياسية لتحويل صدمة الاختناق الهرمزي إلى نقطة تحول فعلية في أمن الطاقة والدفاع المشترك، أم تعود، بمجرد عودة المياه إلى صفوها في المضيق، إلى الرهان القديم على أن الشريان لن يغلق مرة أخرى؟

الإجابة وحدها تستغرق سنوات من الفعل، أو اللافعل، وحالة الفعل أو اللافعل تلك، هي ما ستحدد ما إذا كانت تلك الأزمة درسا عابرا، أم لحظة مؤسسة لعقيدة خليجية جديدة في أمن الطاقة، ومرساة لنظام سياسي جديد للمنطقة بأكملها.

الوسوم: أزمات الخليج العربي ، إغلاق مضيق هرمز ، اقتصاد الخليج العربي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب على إيران
الوسوم: اقتصاد الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، العلاقات الأمريكية الخليجية ، تقارير مطولة ، معمقة
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
مصطفى علي
بواسطة مصطفى علي كاتب وباحث مصري
كاتب مصري
المقال السابق نون بوست معركة السيطرة على “برك سليمان”.. إسرائيل تهدد بابتلاع تاريخ بيت لحم
المقال التالي نون بوست غادي آيزنكوت: منافس بنيامين نتنياهو الشرس على مقعد رئاسة الوزراء

اقرأ المزيد

  • غادي آيزنكوت: منافس بنيامين نتنياهو الشرس على مقعد رئاسة الوزراء غادي آيزنكوت: منافس بنيامين نتنياهو الشرس على مقعد رئاسة الوزراء
  • معركة السيطرة على "برك سليمان".. إسرائيل تهدد بابتلاع تاريخ بيت لحم
  • عودة الفلول إلى الشاشات.. ماذا تريد السلطة من رموز مبارك؟
  • كيف ساعد ضابط CIA الإمارات على الفوز برقائق الذكاء الاصطناعي؟
  • داخل مناطق الحوثيين.. كيف أُعيد توزيع النفوذ بين الشيخ والمشرف؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

من المظلة الأمريكية إلى الخيار الباكستاني.. الخليج يعيد رسم خريطة أمنه

من المظلة الأمريكية إلى الخيار الباكستاني.. الخليج يعيد رسم خريطة أمنه

عماد عنان عماد عنان ١٩ يوليو ,٢٠٢٦
باب المندب بعد هرمز.. السلاح الإيراني التالي

باب المندب بعد هرمز.. السلاح الإيراني التالي

محمد مصطفى جامع محمد مصطفى جامع ١٩ يوليو ,٢٠٢٦
قطع شرايين إيران.. ماذا تريد واشنطن؟

قطع شرايين إيران.. ماذا تريد واشنطن؟

عماد عنان عماد عنان ١٨ يوليو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version