ترجمة وتحرير: نون بوست
يصور بنيامين نتنياهو نفسه على أنه زعيم يتمتع بقدرة فريدة على حماية أمن إسرائيل والتعامل بفعالية مع دونالد ترامب، لكن يبدو أن الرئيس الأمريكي ينظر إلى مؤهلات رئيس الوزراء من منظور مختلف تمامًا.
ويظهر ذلك من تصريح ترامب يوم الثلاثاء، بعد يومين من توقيع اتفاق سلام مع إيران؛ حيث أظهر تجاهلًا صارخًا للمصالح الأمنية لحليف أمريكا المفترض، قائلًا: “لولاي لما كانت إسرائيل موجودة. كانت إسرائيل ستُمحى منذ زمن بعيد لو لم أتدخل”.
كان ذلك تصريحًا استثنائيًا، ليس فقط لأن ترامب كان بالكاد في الثانية من عمره عندما تأسست إسرائيل عام 1948، بل لأنه أيضًا شكّل أوضح إشارة حتى الآن إلى أن تحالفًا دام عقودًا وكان يُعتبر في وقت من الأوقات محصّنًا، لم يعد من الممكن اعتباره مسلّمًا به.
وشهدت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أزمات من قبل، مثلما حدث عندما أبرم باراك أوباما اتفاقًا نوويًا مع إيران عام 2015، ووصفه نتنياهو حينها بأنه “خطأ تاريخي”. لكن التشاحن الحالي أمر جديد، خصوصًا أنه يأتي من رئيس ينتمي إلى اليمين الأمريكي الذي طالما اعتبر دعم إسرائيل أمرًا مقدسًا.
ويزداد الأمر دلالة حين يأتي هذا التشاحن في ختام حرب خاضها البلدان معًا جنبًا إلى جنب. والأهم أن الأقوى بين الحليفين أبرم لاحقًا سلامًا منفصلًا مع العدو من دون التشاور مع رفيقه المفترض في السلاح، وذلك الاتفاق الذي عقدته أمريكا مع إيران – دون علم نتنياهو – انتهك سلسلة من الخطوط الحمراء الإسرائيلية دفعة واحدة، تاركًا إسرائيل معرضة للخطر على نحو شديد.
إن تجاهل ترامب الطائش لأبسط التزامات الحليف – ألا يتخلى عن صديقه – يثير سؤالًا ملحًا: هل انهارت “العلاقة الخاصة” الأهم على الإطلاق؟
أزمة وجودية
ظاهريًا، بدت تصريحات ترامب هذا الأسبوع نابعة من قلقه من أن الهجوم الإسرائيلي على حزب الله، الجماعة المدعومة من إيران في لبنان، قد يعرض “مذكرة التفاهم” المكونة من 14 نقطة التي أبرمها مع طهران للخطر.
قال: “لقد قُتل عدد كبير جدًا من الناس. ليس عليكم أن تهدموا بناية سكنية في كل مرة تبحثون فيها عن شخص ما، لأن هناك الكثير من الناس في تلك البنايات، وليسوا جميعًا من حزب الله”. وأضاف: “كان ينبغي أن يتمكنوا من إنجاز المهمة بشكل أسرع، إنها تستمر إلى ما لا نهاية. وعندما يحدث ذلك، يُلقي بظلال سلبية على الصفقة الكبرى، وهي الصفقة مع إيران”.
وأعلن مسؤول أمريكي يوم الجمعة عن وقف فوري لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، ما يمهد نظريًا الطريق أمام أمريكا للهروب من حرب مكلفة مع إيران وإنقاذ الاقتصاد العالمي عبر إعادة فتح مضيق هرمز.
غير أن انفجار غضب الرئيس في الواقع يتجاوز كثيرًا الجدل حول مدى حكمة العمل العسكري في لبنان؛ فقد حدثت خلافات بين البلدين حول هذا الموضوع من قبل.
ما يجعل الأمر مختلفًا هذه المرة ليس فقط أفعال ترامب، بل أيضًا التيار السائد في الرأي العام الأمريكي الذي أصبح أكثر انتقادًا لإسرائيل، بما في ذلك بين الجمهوريين وحتى المسيحيين الإنجيليين. وفي الوقت نفسه، أصبح اليمين الأمريكي أكثر تشككًا في جميع التحالفات الخارجية، دون استثناء لأي دولة، بما في ذلك إسرائيل.

لذلك فإن وقف إطلاق النار في لبنان – حتى لو صمد – لن يخفي هذه الشقوق في ما طالما اعتبره دبلوماسيو واشنطن العلاقة الخاصة الوحيدة لأمريكا.
ويقول تشاك فريليك، الذي شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي في عهد رئيس الوزراء الأسبق أريئيل شارون: “إذا كان هناك أمر واحد يقلقني حقًا وأعتبره أزمة وجودية، فهو العلاقة مع الولايات المتحدة، لأننا بحاجة إليها في كل شيء”.
ويضيف: “كنت أعتقد أن العلاقة تتجه نحو أزمة قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول بوقت طويل، ثم جاء السابع من أكتوبر/ تشرين الأول فأوقف ذلك قليلًا، ثم أدى إلى تفاقمه [بسبب حرب غزة]. ثم جاء ترامب، ومنحنا متنفسًا آخر، لكن الآن يحدث هذا”.
ولعل أقوى العوامل التي تقوض هذه العلاقة هي آراء ملايين الأمريكيين العاديين؛ حيث تُظهر الأدلة أن الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل قد انهار بشكل حاد، إذ يميل الديمقراطيون خصوصًا إلى التعبير عن غضبهم إزاء حرب غزة التي أشعلها هجوم حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فيما يشكك الجمهوريون اليمينيون في مدى توافق هذا التحالف مع شعار “أمريكا أولًا”.
وأظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” للأبحاث في مارس/ آذار أن 60 بالمئة من الأمريكيين لديهم الآن نظرة سلبية تجاه إسرائيل، ارتفاعًا من 37 بالمئة فقط في عام 2022.
وكما هو الحال في كثير من القضايا في أمريكا، ينقسم الرأي بحدة على أساس حزبي: 80 بالمئة من الديمقراطيين لديهم رأي سلبي تجاه إسرائيل، بينما ما زال غالبية الناخبين الجمهوريين مؤيدين لها.
غير أن الاستطلاع نفسه أظهر انهيار شعبية إسرائيل لدى الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا بقدر انهيارها بين عامة الجمهور، حيث أعرب 57 بالمئة منهم عن رأي سلبي تجاهها.
وتطرح تلك الأرقام تساؤلات حول حكمة ما يُسمى بـ”عقيدة نتنياهو”، التي اعتبرت أن أولوية إسرائيل يجب أن تكون الحفاظ على دعم الجمهوريين والمسيحيين الإنجيليين، بالنظر إلى أن اليهود الأمريكيين لا يشكلون سوى 2 بالمئة من السكان.
ويخلص أفيشاي بن ساسون-غورديس، الخبير في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، إلى أن رهان نتنياهو على كيفية إدارة الرأي العام الأمريكي “لم ينجح”. ويضيف: “أو على الأقل، إذا كان قد نجح، فقد انتهى هذا النجاح الآن إلى حد كبير”.
“استسلام كارثي”
وساهمت حرب غزة في تسارع هذا الاتجاه، لكن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك ضد إيران، الذي عارضه ثلثا الشعب الأمريكي، وسّع هذه الفجوة أكثر.
إن الحملة التي كان يُفترض أن تُسقط الجمهورية الإسلامية وتقضي نهائيًا على التهديد الذي تشكله صواريخها وبرنامجها النووي ورعايتها للإرهاب، تركت النظام في السلطة، وربما جعلته أقوى مما كان.
وبعد فشل واضح في تحقيق أهداف الحرب، تبادلت أمريكا وإسرائيل اللوم في الكواليس؛ فقد سرّب مسؤولون أمريكيون معلومة تفيد بأن نتنياهو التقى ترامب قبيل بدء الحملة، وبحسب روايتهم وعد بأن النظام سينهار سريعًا. أما المسؤولون الإسرائيليون فقد ألقوا باللوم على ترامب لفشله المزعوم في تسليح ودعم هجوم للأقلية الكردية، وكان يمكن أن يهدد قبضة القيادة على السلطة.
وحين اتضح أن الجمهورية الإسلامية ستنجو من الهجوم، وردّت بإغلاق مضيق هرمز، تحولت أولويات أمريكا إلى تجنّب انهيار اقتصادي عالمي وحماية حلفائها في الخليج من وابل الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.
لذلك كان المبرر الرئيسي لترامب في إبرام صفقة سريعة وجزئية لإنهاء الحرب هو ضمان إعادة فتح المضيق، ما يسمح بانخفاض أسعار النفط.
بالمقابل وبالنسبة لإسرائيل، فلطالما كان التحكم في الممر المائي مسألة ثانوية مقارنة بقدرات إيران الصاروخية والنووية، ولذلك لم يذكر نتنياهو المضيق إطلاقًا حين علّق على اتفاق السلام.
ويُشير ساسون-غورديس: “لم يذكر مضيق هرمز حتى، ولم يسأله أي من الصحفيين الذين طرحوا عليه الأسئلة عنه، رغم أن الحرب كلها كانت تدور مضيق هرمز في تلك المرحلة بالنسبة لمعظم دول العالم”.
ورغم أن نتنياهو قد يكون معتادًا على تجاهل أمريكا لما يعتبره مصالح إسرائيل الأمنية – كما يعتقد أن أوباما فعل مع اتفاق 2015 النووي – إلا أنه لم يسبق أبداً أن وقع رئيس أمريكي اتفاقًا ينتهك هذا العدد الكبير من الخطوط الحمراء الإسرائيلية دفعة واحدة.
إن مذكرة التفاهم التي أبرمها ترامب مع إيران تحمي حزب الله عبر المطالبة بوقف الحملة الإسرائيلية في لبنان، وترفع العقوبات الأمريكية عن صناعة النفط الإيرانية، وترفع الحصار عن موانئها. وهذان الإجراءان الأخيران، الفوريان وغير المشروطين، سيضعان مليارات الدولارات في أيدي قادة إيران.

والأسوأ أنه لا يوجد ما يمنعهم من تخصيص تلك الأموال لإعادة بناء ترسانة صواريخهم الباليستية وإعادة تسليح وكلائهم في أنحاء الشرق الأوسط.
وباعتبارها الشريك الأكبر في التحالف، كانت مصالح أمريكا دائمًا ستسبق مصالح إسرائيل عند حدوث أي خلاف. ومع ذلك، فإن شروط اتفاق ترامب مع إيران صدمت الرأي العام والسياسيين الإسرائيليين كالصاعقة؛ فقد سمح الرئيس الأمريكي للجمهورية الإسلامية بتأمين مستقبلها الاقتصادي والمالي: لقد منح قادتها خطة النجاة.
وندّد ديفيد هوروفيتز، رئيس تحرير صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، بما وصفه بـ”الاستسلام الكارثي”، واعتبر ترامب “منفصلًا عن الواقع”.
وذهب آخرون أبعد من ذلك؛ فقد قال نير دفوري من القناة 12 الإسرائيلية إن الاتفاق يماثل “السابع من أكتوبر/ تشرين الأول دبلوماسيًا”. أما شمعون ريكلين، المذيع التلفزيوني اليميني وحليف نتنياهو، فوصفه بأنه “استسلام كامل”.
أما رئيس الوزراء، فقد حرص على الإدلاء بأقل قدر ممكن من التصريحات بشأن الاتفاق، مشيرًا ربما بسخرية إلى وجود “تحديات إضافية تنتظرنا”.
ولم تحظَ إسرائيل بأي تفهم من حليفها، بل على العكس، حذر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس يوم الخميس من أن أمريكا هي الصديق الوحيد المتبقي لإسرائيل، مضيفًا أنها لا تستطيع التخلص من مشاكلها بالقتل.

وقال فانس: “أي شخص في إسرائيل يعتقد أن مشكلته الكبرى تتمثل في رئيس الولايات المتحدة، يحتاج إلى أن يستيقظ ويواجه حقيقة الوضع الذي تعيشه تلك البلاد. لو كنت عضواً في مجلس الوزراء الإسرائيلي، فربما لم أكن لأهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم بأسره”.
غير أن الصدمة في إسرائيل تبدو أعمق بكثير، لأنه خلال ولايته الأولى، منح ترامب نتنياهو كل ما كان في قائمة أمنياته تقريباً، بدءًا من إلغاء الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما، مرورًا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وصولًا إلى رعاية “اتفاقيات إبراهيم” للسلام مع أربع دول عربية.
ومع ذلك، فإن ظهور هذا الصدع في عهد نتنياهو لم يكن ليمثل مفاجأة تامة؛ فمن نواحٍ عدة مهمة، ربما يكون هو المهندس الرئيسي لهذا الصدع.
مفتعل الأزمات مع الإدارات
ظاهريًّا، يُعد نتنياهو رئيس الوزراء الأكثر “تأثرًا بالثقافة الأمريكية” في تاريخ إسرائيل، حيث قضى جزءًا كبيرًا من شبابه في فيلادلفيا التي التحق فيها بالمدرسة الثانوية، وفي بوسطن حيث درس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
وفي عام 1976؛ بعد تخرجه، بقي في أمريكا للعمل في “مجموعة بوسطن الاستشارية”. وبدأ مسيرته المهنية العامة بالعمل كنائب لسفير إسرائيل في واشنطن، ولاحقًا كممثل دائم لبلاده في الأمم المتحدة بنيويورك.
كل هذا منح نتنياهو إتقانًا للغة الإنجليزية باللكنة الأمريكية، وفهمًا عميقًا – على الأقل في تقديره الخاص – للشؤون الداخلية والخارجية للقوة العظمى.
ومع ذلك، منذ البداية، كان تقارب نتنياهو مع الولايات المتحدة مصحوبًا بقدرة ملحوظة على إثارة غضب محاوريه الأمريكيين. ورغم اتهامه في كثير من الأحيان بالانحياز إلى الجمهوريين، فإن الحقيقة هي أن ميله إلى الإساءة كان محايدًا تمامًا، فقد استعدى نتنياهو الإدارات من كلا الاتجاهين السياسيين.
في عام 1990؛ وبصفته نائباً لوزير الخارجية الإسرائيلي، استنكر بفظاظة ما أسماه “الأكاذيب والتشويهات” المزعومة التي وقفت وراء الجهود المتجددة للرئيس الجمهوري جورج بوش الأب، للتوسط من أجل السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وقد رد جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، على ذلك بمنع نتنياهو شخصيًّا من دخول مبنى وزارة الخارجية.
ومنذ تلك اللحظة، نظر الرؤساء الأمريكيون، واحدًا تلو الآخر، إلى نتنياهو باعتباره عقبة متعنتة أمام أي تسوية للصراع العربي الإسرائيلي؛ حتى أن أوباما، الذي جعل السعي لتحقيق السلام مع الفلسطينيين أولوية في ولايته الأولى، لجأ ذات مرة إلى تهديد نتنياهو في المكتب البيضاوي، حيث قال للزعيم الإسرائيلي في مايو/ أيار 2009: “كما تعلم، غالباً ما يقلل الناس من شأني. لكنني جئت من شيكاغو، حيث كان عليّ التعامل مع خصوم أقوياء”.

ثم مرر أوباما إصبعه على رقبته، في إشارة دقيقة لما سيفعله بنظيره إذا بدر منه أي تحدٍ، وكتب نتنياهو في مذكراته: “كانت الرسالة واضحة لا لبس فيها. كان القصد منها ترهيبي. إن حقيقة توجيه الرئيس الأمريكي لمثل هذه الرسالة المهينة في أول لقاء رسمي بيننا كانت أمرًا مزعجًا للغاية، فقد كان يُعامِل رئيس وزراء إسرائيل وكأنه بلطجي صغير في الحي”.
وبالرغم من ذلك، وخلال كل نقطة من نقاط التوتر هذه، ظل التعاون العسكري والاستخباراتي والدبلوماسي، الذي يشكل العمود الفقري للتحالف، متماسكاً بل وازداد قوة.
ومع ذلك، عندما تولى ترامب الرئاسة في عام 2017، شعر نتنياهو بارتياح عميق، وبالنظر إلى الوراء، ربما مثلت تلك الولاية الأولى ذروة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. بل إن ترامب اعترف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان المحتلة، وهو ما امتنعت عنه كل الإدارات السابقة منذ الاستيلاء على تلك الأراضي من سوريا في عام 1967.
غير أن ترامب سرعان ما سئم من تعنت نتنياهو تجاه الفلسطينيين ومعاملته المزدرية لقادتهم. وقال ترامب في مقابلة مع الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد في عام 2021: “لقد رأيت ما كان يفعله. كان يحرجهم. وكما تعلم، يجب عليك أن تحفظ للناس كرامتهم، لكنه كان يسلبهم كرامتهم. لم يكن بيبي يريد إبرام صفقة [مع الفلسطينيين]”.
وعندما تولى جو بايدن منصبه في عام 2021، بدأت علاقات الرئيس الجديد مع نتنياهو بقدر كافٍ من الدفء، مما يعكس حقيقة أن الزعيمين كانا يعرفان بعضهما البعض منذ عقود.

إلا أن اندلاع حرب غزة سرعان ما أدى إلى تدهور صداقتهما، فبعد شهرين فقط من هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول، كان بايدن يتهم إسرائيل بالفعل بـ “القصف العشوائي”.
وعندما تلاشت جهوده للوساطة من أجل السلام في غزة، ألقى باللوم على نتنياهو، ووصفه في جلسات خاصة بأنه “ابن العاهرة”، و”الرجل السيء”، و”الرجل السيء اللعين”، و”الكاذب اللعين”، وفقاً لرواية الصحفي بوب وودوارد.
وهكذا، تصادم نتنياهو مع جميع الرؤساء الأمريكيين الأربعة الذين عاصرهم خلال فترة رئاسته للوزراء، فضلاً عن عدد لا يحصى من الدبلوماسيين والمسؤولين الأمريكيين طوال تلك المسيرة.
ويقول فريليتش: “من المؤكد أنه يلعب دوراً فريداً في هذا الأمر، لأن جزءاً من [الغضب الأمريكي] هو مجرد نفور شخصي تجاهه”.
الاستثناء الكبير
ولكن حتى لو كان هناك سياسي آخر يشغل منصب رئيس وزراء إسرائيل حالياً، لكان ترامب لا يزال يتعرض لضغوط من بعض أنصار حركة “ماغا” التابعة له من أجل إعطاء أولوية لإنهاء حرب إيران سريعاً على حساب أمن إسرائيل.
وقبل اندلاع هذا الصراع، تساءل كيرت ميلز، محرر مجلة “ذا أمريكان كونسيرفاتيف”: “لماذا تُعتبر مشاكل إسرائيل التي لا تنتهي أعباء على عاتق أمريكا؟”، مضيفاً: “لماذا ينبغي علينا قبول شعار “أمريكا أولاً” – مع استثناء إسرائيل؟”.
أما المعلق المحافظ تاكر كارلسون، الذي كان من أشد المؤيدين لترامب قبل أن يختلف معه، فقد صرح للقناة 13 الإسرائيلية الشهر الماضي بأن إسرائيل “فقدت أخلاقها”.
وأضاف كارلسون: “لا أفهم لماذا تقع على عاتق الولايات المتحدة التزامات بدفع تكاليف أي من هذا، أو إرسال الأسلحة اللازمة له، أو إضفاء سلطتها الأخلاقية على إسرائيل، أو توفير غطائها الدبلوماسي لإسرائيل، أو تسخير قوتها الجوية والبحرية وجيشها لصالح إسرائيل”.
ويقول فريليتش إنه كان يخشى من هذا التحول منذ فترة طويل بالذات في الرأي العام الأمريكي اليميني، فصورة “إسرائيل البطولية في العقود الأولى” استُبدلت تدريجياً في عيون العديد من الأمريكيين بصورة “جالوت إقليمي متسلط”.
ويعرب عن أسفه لعقود من “الغضب الأمريكي المكبوت تجاه التصور بأن إسرائيل هي المستفيد من القدر الهائل من المساعدات والدعم الأمريكي في مجالات عديدة ومختلفة – وليس فقط المساعدات العسكرية – ثم تتخذ موقفاً مناقضاً تماماً للسياسة الأمريكية بشأن القضية الفلسطينية”.
ويضيف أنه حتى قبل حرب غزة، بدأ الأمريكيون يتساءلون: “كيف يمكنكم الحصول على مليارات ومليارات الدولارات كمساعدات، بما في ذلك في ظل الحكومات السابقة، والاستفادة من تعاوننا الاستراتيجي في 20 مجالاً مختلفاً، وحق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن الدولي، ثم تذهبون وتواصلون سياسات الضفة الغربية والاستيطان؟”.
وعلى مدى عقود، تحدت إسرائيل أمريكا من خلال توسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة، مستخدمةً أراضٍ كان من المفترض أن تكون جوهر أي دولة فلسطينية مستقبلية، مما جعل الصراع أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
لكن هذا لم يكن كافياً أبداً لزعزعة ركائز التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ربما لأن تلك الركائز قوية وعريقة لدرجة أنه سيكون من الصعب للغاية الإطاحة بها.
وينطبق هذا بشكل خاص على التعاون العسكري والاستخباراتي، حيث تقدم إسرائيل الكثير في هذا الصدد: تغطية استخباراتية لا مثيل لها في منطقة الشرق الأوسط، وربما الجيش الأكثر تقدماً في العالم، وتكنولوجيا استثنائية.
ومع ذلك، لم يعد من الممكن اليوم اعتبار العناصر الأساسية لهذا التحالف أمراً مفروغاً منه؛ فحزمة المساعدات العسكرية الأمريكية الحالية البالغة 38 مليار دولار (29 مليار جنيه إسترليني) – والتي وقعها أوباما في مفارقة ساخرة – تنتهي في عام 2028. وقد صرح نتنياهو في يناير/ كانون الثاني، إدراكاً منه لاستعداد أمريكا الجديد للمساءلة بشأن جميع تحالفاتها، بأنه يريد من إسرائيل الاستغناء عن كل المساعدات العسكرية الأمريكية و”التدرج في خفض” المساعدات لتصل إلى الصفر خلال العقد المقبل.
أما بالنسبة لترامب، فهل سيخوض حرباً إلى جانب إسرائيل مرة أخرى؟ ومن المؤكد أن أي رئيس أمريكي مستقبلي سيفكر مرتين قبل اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران، حتى لو استخدم النظام عائدات النفط التي وفرها اتفاق ترامب لإعادة بناء صواريخه وبرنامجه النووي.

يعتقد العديد من الإسرائيليين – وليس نتنياهو وحده – أن أمريكا لا تفهم ببساطة أنه في الشرق الأوسط، القوة وحدها هي التي تضمن الأمن.
قد لا ينجو نتنياهو نفسه من الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، التي يجب أن تُجرى بحلول أكتوبر/ تشرين الأول. أما ترامب فسيغادر منصبه في يناير/ كانون الثاني 2029، بافتراض أنه سيلتزم بالدستور الأمريكي.
ولكن حتى بعد رحيل الزعيمين، سيتركان خلفهما هوة أيديولوجية آخذة في الاتساع بين بلديهما.
ويعتقد العديد من الإسرائيليين – وليس نتنياهو وحده – أن أمريكا لا تدرك ببساطة أنه في الشرق الأوسط، القوة وحدها هي التي تضمن أمنك.
وفي الوقت نفسه، يرغب العديد من الأمريكيين – وليس ترامب وحده – في رؤية إسرائيل تولي الدبلوماسية قدراً من الأهمية يضاهي ما توليه لتدمير المجمعات السكنية في بيروت.
واليوم، وبغض النظر عن المستقبل السياسي لزعيميهما الحاليين، يبدو أن البلدين يسيران في مسارين مختلفين.
إن أكثر التحالفات ديمومة لا تقوم فقط على تقارب المصالح، بل على رؤية مشتركة للعالم. فعلى مدى عقود؛ رأت أمريكا وإسرائيل نفسيهما في مواجهة الأعداء ذاتهم، والدفاع عن القيم ذاتها، والتصدي لنفس التهديدات.
ومن المفترض أن يقترب الحلفاء الذين يخوضون الحروب معاً من بعضهم البعض بفعل التجربة القاسية للقتال ضد عدو مشترك. لقد قُدّمت الحرب المشتركة التي شنتها أمريكا وإسرائيل ضد إيران، في البداية، كرمز لهذا التقارب، لكن ربما يستنتج المؤرخون أنها أصبحت الاستثناء الكبير.
المصدر: تليغراف
