نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
من مقاومة الاستعمار إلى خدمة الإمبراطورية.. كيف حُرّفت عقيدة مونرو؟
نون بوست
مواليد أقل وأجنّة مشوهة.. الوجه الممتد لإبادة غزة
نون بوست
التمدد الإمبريالي للإمارات في أفريقيا
نون بوست
الملك الذي تفوق بذكائه على بيدرو سانشيز
نون بوست
رأس جميلة وما بعدها.. هل تتمدد المشروعات الخليجية في جنوب سيناء؟
وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد يستقبل نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في أبو ظبي، 6 أبريل 2025 (AFP)
مسيّرات وتنصت ودفاع جوي.. ماذا طلبت الإمارات سرًا من “إسرائيل”؟
نون بوست
كيف تراقب الصين الأجانب؟
نون بوست
الترسانة الزرقاء.. كيف صنعت تركيا قوتها البحرية؟
نون بوست
زيارة تتجاوز البروتوكول.. ما الذي حمله بارزاني إلى دمشق؟
نون بوست
“الناخبون فاض بهم الكيل”: تأثير اللوبي الإسرائيلي يثير موجة غضب في أمريكا
وقع انفجار مرفأ بيروت قرابة الساعة السادسة وسبع دقائق مساء بعد اشتعال كميات ضخمة من نيترات الأمونيوم
تسلسل زمني: من التحقيق إلى المحاكمة.. أين وصلت قضية انفجار مرفأ بيروت؟
نون بوست
قلق إسرائيلي بسبب تآكل الروابط مع جيل الشباب من اليهود الأمريكيين 
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
من مقاومة الاستعمار إلى خدمة الإمبراطورية.. كيف حُرّفت عقيدة مونرو؟
نون بوست
مواليد أقل وأجنّة مشوهة.. الوجه الممتد لإبادة غزة
نون بوست
التمدد الإمبريالي للإمارات في أفريقيا
نون بوست
الملك الذي تفوق بذكائه على بيدرو سانشيز
نون بوست
رأس جميلة وما بعدها.. هل تتمدد المشروعات الخليجية في جنوب سيناء؟
وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد يستقبل نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في أبو ظبي، 6 أبريل 2025 (AFP)
مسيّرات وتنصت ودفاع جوي.. ماذا طلبت الإمارات سرًا من “إسرائيل”؟
نون بوست
كيف تراقب الصين الأجانب؟
نون بوست
الترسانة الزرقاء.. كيف صنعت تركيا قوتها البحرية؟
نون بوست
زيارة تتجاوز البروتوكول.. ما الذي حمله بارزاني إلى دمشق؟
نون بوست
“الناخبون فاض بهم الكيل”: تأثير اللوبي الإسرائيلي يثير موجة غضب في أمريكا
وقع انفجار مرفأ بيروت قرابة الساعة السادسة وسبع دقائق مساء بعد اشتعال كميات ضخمة من نيترات الأمونيوم
تسلسل زمني: من التحقيق إلى المحاكمة.. أين وصلت قضية انفجار مرفأ بيروت؟
نون بوست
قلق إسرائيلي بسبب تآكل الروابط مع جيل الشباب من اليهود الأمريكيين 
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

أميركا تراهن باقتصادها على الذكاء الاصطناعي.. ماذا لو انفجرت الفقاعة؟

غراهام أليسون
غراهام أليسون نشر في ٥ أغسطس ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

ترجمة وتحرير نون بوست

تراهن الولايات المتحدة بكامل ثقلها على الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي ضد الصين.

ويكفي النظر إلى الاقتصاد الأميركي، الذي يتحول تدريجياً إلى رهان ضخم قائم على  هذه الرافعة المالية، وهو رهان معقود على وعود هذه التكنولوجيا الجديدة؛ فالذكاء الاصطناعي بات المحرك الرئيسي للاستثمارات، وارتفاعات سوق الأسهم، والنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. وكما أشارت صحيفة وول ستريت جورنال مؤخراً، فإن الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تقود الجزء الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي.

ويستحوذ الإنفاق على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على نصف إجمالي استثمارات الشركات في البلاد. كما شكلت شركات الذكاء الاصطناعي أكثر من 40 بالمئة من القيمة السوقية للأسهم الأميركية قبل إدراج شركة “سبيس إكس” في البورصة خلال يونيو/حزيران الماضي. وإذا مضت شركتا “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” قدماً في الطرح العام الأولي المتوقع لهما في وقت لاحق من هذا الصيف، بقيمة تتجاوز تريليون دولار لكل منهما، فإن شركات الذكاء الاصطناعي ستستحوذ على أكثر من نصف القيمة الإجمالية لسوق الأسهم الأميركية. بل إن 85 بالمئة من مكاسب مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” خلال عام 2026 جاءت من شركات الذكاء الاصطناعي.

ويتسارع أيضًا نمو ما يمكن وصفه بالمجمع الصناعي للأمن القومي والذكاء الاصطناعي؛ فالحكومة الأمريكية أصبحت عميلاً رئيسياً لكبرى شركات الذكاء الاصطناعي، ما يعمّق تشابك علاقاتها مع وزارة الدفاع، ووكالة الاستخبارات المركزية، ووكالة الأمن القومي، وغيرها من المؤسسات الأمنية. وفي مشهد غير مألوف، يسعى تحالف يضم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والسيناتور المستقل الاشتراكي بيرني ساندرز، والرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” سام ألتمان، إلى إيجاد سبل تجعل الحكومة الأميركية مساهماً رئيسياً في هذه الشركات.

وفي أواخر يوليو/تموز، أشار ديفيد ساكس، الذي غادر مؤخراً منصبه بصفته مسؤول الذكاء الاصطناعي في إدارة ترامب، إلى أن شركتي “أوبن إيه آيؤ” و”أنثروبيكؤ، اللتين تمثلان رهان الولايات المتحدة في هذا المجال، تتبنيان حالياً ما وصفه بـ”إستراتيجية الاستحواذ التنظيمي”، من خلال الضغط لإقناع الحكومة الأميركية بإقرار قوانين ولوائح من شأنها إضعاف المنافسين، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

وتقف وراء هذا السباق المحموم نحو أكثر المجالات بريقاً في العصر الحالي ثلاثة عوامل رئيسية:

أولاً، تسعى شركات الذكاء الاصطناعي إلى الظفر بما تعتقد أنه أكبر كنز مالي في التاريخ. فللمرة الأولى، لم تعد الشركات والمستثمرون يتحدثون عن مليارات الدولارات، بل عن تريليونات. ويقف قادة هذه الشركات على أعتاب ثروات ونفوذ وشهرة غير مسبوقة. ويكفي التذكير بقمة مجموعة السبع التي عقدت في فرنسا خلال يونيو/حزيران، حيث جلس الرؤساء التنفيذيون لشركات الذكاء الاصطناعي إلى الطاولة نفسها مع قادة أكبر الاقتصادات المتقدمة في العالم لمناقشة مستقبل هذه التكنولوجيا. والسؤال المطروح: هل هناك ما قد يترددون في قوله أو فعله لضمان الفوز؟

ثانياً، يدرك وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، إلى أنه بجانب صناع السياسات الاقتصادية، وحجم المخاطر الهيكلية الناجمة عن العجز المالي السنوي غير المستدام للولايات المتحدة، الذي يقترب حالياً من 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن تضخم الدين العام، الذي تجاوزت مدفوعات فوائده السنوية الآن حجم الإنفاق على ميزانية الدفاع. ومن هذا المنطلق، فإنه يُنظر إلى “معجزة الذكاء الاصطناعي”، القادرة على إحداث قفزات غير مسبوقة في الإنتاجية والنمو، باعتبارها أفضل فرصة لتجنب كارثة اقتصادية.

أما ثالثاً، فقد تبنّى مجتمع إستراتيجيي الأمن القومي قناعة مفادها أن الذكاء الاصطناعي قضية وجودية، وأن الطرف الذي يفوز بهذا السباق سيكون قادراً على قيادة العالم. ويستند هذا التصور إلى فرضية يروج لها عمالقة التكنولوجيا، مفادها أن الدولة التي تنجح أولاً في تطوير “الذكاء الاصطناعي العام” فائق الذكاء ستحصل على تفوق حاسم لا يمكن اللحاق به، إذ إن نظاماً يفوق في ذكائه جميع الحاصلين على جائزة نوبل في العالم سيبدأ عندئذٍ في تطوير نفسه ذاتياً. وتلخص وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس هذه الرؤية بقولها: “إنه سباق لا بد أن نفوز به بكل تأكيد”.

وفي مواجهة هذا السيل الجارف من الادعاءات والادعاءات المضادة بشأن تكنولوجيا تخطف الأضواء، تبرز أربعة أسئلة تستحق التوقف عندها:

أولاً، هل يُعد المسار الذي اختارته الولايات المتحدة مساراً حكيماً؟ وبصيغة أخرى، هل يمكن لمستثمر يتحمل مسؤولية ائتمانية تجاه أموال الآخرين أن يضع هذا الحجم من الرهان في قطاع واحد فقط؟

ثانياً، ما الذي قد يسير على نحو خاطئ؟ وهل يمكن أن تكون القفزات اللافتة في حجم الاستثمارات وأسعار الأسهم مجرد فقاعة جديدة، شبيهة بالهندسة المالية التي صنعت فقاعة العقارات قبل انفجارها خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، أو بفقاعة شركات الإنترنت التي انفجرت عام 2000؟

ثالثاً، لماذا تتبنى الصين، القوة العظمى الوحيدة الأخرى في مجال الذكاء الاصطناعي، إستراتيجية مختلفة جذرياً في هذا السباق؟

وأخيراً، إذا تأخرت “معجزة” الذكاء الاصطناعي، أو لم تتحقق أصلاً، فما التداعيات المرجحة لذلك، ليس على الاقتصاد الأميركي فحسب، بل أيضاً على الأمن القومي للولايات المتحدة؟

نون بوست
الرئيس التنفيذي لشركة تسلا إيلون ماسك يتفقد هاتفه بجوار الرئيس التنفيذي لشركة أبل تيم كوك، والرئيس التنفيذي لشركة بلاكستون ستيفن أ. شوارزمان، والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جينسن هوانغ، بينما يقف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والسفير لدى الصين ديفيد بيردو قبل مراسم استقبال للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته للصين في 14 مايو/ أيار

ومهما بدت أسهم مثل “سبيس إكس” التابعة لإيلون ماسك، أو قطاع مثل الذكاء الاصطناعي، جذابة للمستثمرين، فإن شركات الاستثمار الناجحة تدرك أن من غير الحكمة وضع معظم البيض في سلة واحدة. وكما قال مؤسس شركة “بريدجووتر” راي داليو، فإن ضخ الاستثمارات في “قطاع جديد واحد يتسم بتقلبات ومخاطر مرتفعة” يعكس نهجاً “غير ناضج استثمارياً”.

ومع ذلك، تدفق أكثر من 80 بالمئة من إجمالي تمويل رأس المال المغامر عالمياً خلال النصف الأول من عام 2026 إلى الشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي. كما أعلنت شركات “غوغل” و”مايكروسوفت” و”ميتا” و”أما زون” عن خطط لإنفاق تراكمي يتجاوز تريليون دولار على الذكاء الاصطناعي خلال عامي 2025 و2026، مع اعتمادها على أسواق الدين لتمويل هذه الطموحات. وفي سباقها المحموم لتعزيز القدرة الحاسوبية، أو ما يُعرف بـ”الحوسبة”، تتزايد أيضاً المعاملات الدائرية، إذ تبرم شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة عقوداً مع مصنّعي الرقائق الإلكترونية، الذين يعيدون استثمار عائدات هذه العقود في الشركات نفسها، ما يسهم في تضخيم أسعار أسهمها بصورة أكبر.

لكن كيف يمكن أن تنقلب هذه المعادلة؟ إذا سألت أحد مساعدي الذكاء الاصطناعي، فسيقدم لك قائمة طويلة بالسيناريوهات المحتملة. وفي آخر مقال نشره قبل وفاته عام 2023، حذّر هنري كيسنجر وكاتب المقال من احتمال وقوع “تشيرنوبل للذكاء الاصطناعي” أو “11 سبتمبر/أيلول للذكاء الاصطناعي”، عبر استخدام نظام ذكاء اصطناعي متطور من قبل جهة خبيثة لتطوير سلاح بيولوجي أو وسيلة مماثلة قادرة على قتل مئات الآلاف من الأشخاص، أو إرباك الأسواق المالية، أو شل شبكات الكهرباء.

وفي رسالة مفتوحة نُشرت في يونيو/حزيران، حذّر أبرز قادة قطاع الذكاء الاصطناعي، ومن بينهم سام ألتمان، وداريو أمودي من “أنثروبيك”، وديميس هاسابيس من “غوغل ديب مايند”، ومصطفى سليمان من “مايكروسوفت”، وألكسندر وانغ من “ميتا”، من مخاطر تطوير مسببات أمراض قاتلة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، داعين إلى وضع ضمانات وإجراءات وقائية صارمة. وذهب أمودي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن هناك “احتمالاً بنسبة 25 بالمئة لأن يقود الذكاء الاصطناعي إلى كارثة تهدد الجنس البشري”.

غير أن الخطر الأكثر إلحاحاً يتمثل في احتمال انفجار ما يراه عدد متزايد من المحللين فقاعة استثمارية تقليدية. ففي استطلاعها الشهري لمديري الصناديق العالمية لشهر يوليو/تموز، صنف “بنك أوف أميركا” انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي باعتباره الخطر الأكبر الذي يهدد الأسواق المالية. كما حذرت مؤسسات مالية، من بينها “بنك التسويات الدولية”، من أن تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي تجاوزت أرباحها بمستويات لم تُسجل منذ عام 1929.

واستناداً إلى دراسته للتاريخ، حذّر المستثمر مايكل بوري، الذي استُلهمت قصته في فيلم “ذا بيغ شورت”، قائلاً: “نقترب من مستوى نادر من المبالغة، بلغ حداً يجعل العواقب حتمية، مهما حاول المرء الاختباء منها”.

وتعكس التصحيحات الأخيرة في الأسواق مخاوف من أن شركات الحوسبة العملاقة تبني قدرات حاسوبية تفوق احتياجاتها الفعلية. فعلى سبيل المثال، تدرس “ميتا” و”سبيس إكس” وشركات أخرى تأجير فائض قدراتها لشركات أخرى. وخلصت مجلة “فوربس”، استناداً إلى تحليل أجرته شركة “باين آند كومباني”، إلى أن “شركات التكنولوجيا ستحتاج إلى تحقيق إيرادات جديدة بقيمة تريليوني دولار من الذكاء الاصطناعي حتى تتمكن من تغطية تكاليف نشر هذه التكنولوجيا وتحقيق أرباح”.

وفي الأسبوع الماضي، كشفت شركة “ديب سيك” عن نسخة مطورة من نموذجها “في 4″، القادر على إنجاز مهام برمجية معقدة بمستوى يقارب أداء نموذج “كلود أوبوس 4.8” التابع لشركة “أنثروبيك”. لكن موقع “أكسيوس” أشار إلى أن “ديب سيك” يتقاضى نحو 28 سنتاً فقط مقابل كمية المخرجات نفسها التي تبلغ كلفتها 25 دولاراً باستخدام “كلود أوبوس 4.8″، أي بخصم يصل إلى 99 بالمئة. ويأتي ذلك بعد ثلاثة أسابيع فقط من إعلان “أوبن إيه آي” خفض سعر أسرع نماذجها المخصصة للمهام كثيفة الاستخدام بنسبة 80 بالمئة، وهو ما أجج النقاش حول ما إذا كانت منتجات الذكاء الاصطناعي تتحول تدريجياً إلى سلع متاحة للجميع، بما يضعف قدرة المختبرات الرائدة على فرض أسعار مرتفعة.

وفي الوقت نفسه، تواجه هذه الشركات موجة متصاعدة من المعارضة لخططها التوسعية؛ فقد فرضت حاكمة ولاية نيويورك حظراً لمدة عام على إنشاء مراكز بيانات جديدة للذكاء الاصطناعي. كما أظهرت استطلاعات الرأي أن سبعة من كل عشرة أميركيين يعارضون إقامة مراكز بيانات في أحيائهم السكنية، فيما أعرب 80 بالمئة من الأميركيين عن قلقهم من الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه المخاوف احتمال فقدان الوظائف، وتأثير التكنولوجيا سلباً في تعليم الأطفال، وصعوبة التمييز بين الحقيقة والزيف في المحتوى المنشور عبر الإنترنت.

نون بوست
زائر يتجول في “داتا لاند”، الذي يُوصف بأنه “أول متحف في العالم لفنون الذكاء الاصطناعي”، خلال جولة مخصصة لوسائل الإعلام في لوس أنجليس، في 16 يونيو/حزيران

إن اختيار الصين، المنافس الوحيد الذي يمكن اعتباره نداً حقيقياً للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، مساراً مختلفاً إلى هذا الحد، يستحق أن يدفع الأميركيين إلى التوقف والتفكير؛ فبكين تشارك واشنطن قناعتها بأن الذكاء الاصطناعي يمثل قضية بالغة الأهمية للأمن والمصلحة الوطنية. ففي اليوم الذي تمكن فيه نظام الذكاء الاصطناعي التابع لشركة “ديب مايند” عام 2016 من هزيمة بطل العالم في لعبة “غو”، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أن هذه تقنية تستطيع الصين، بل ينبغي لها، أن تحقق فيها الريادة العالمية.

لكن، وعلى خلاف الحمى التي تجتاح وادي السيليكون لتشييد المزيد من القدرات الحاسوبية سعياً وراء تطوير ذكاء اصطناعي عام قادر على تغيير العالم، تبدو بكين أكثر هدوءاً وأقل اندفاعاً. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا؟ فالموارد المالية ليست العقبة بالتأكيد، إذ تمتلك الصين صندوقاً للثروة السيادية تبلغ قيمته 3.6 تريليونات دولار، كما سجلت فائضاً تجارياً بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي. صحيح أن القيود الأميركية حدّت من وصول الصين إلى أحدث أشباه الموصلات والمعدات اللازمة لتصنيعها، إلا أن الشركات الصينية أظهرت براعة لافتة في إيجاد ثغرات للالتفاف على هذه القيود.

ورغم أن ما يدور خلف الكواليس يبقى عصياً على التحقق، فلا توجد مؤشرات على وجود مشروع سري تديره الدولة، على غرار “مشروع مانهاتن”، لتطوير الذكاء الاصطناعي في الصين. وفي حين تضع أحدث خطة خمسية صينية الذكاء الاصطناعي في صدارة أولوياتها، فإن برنامج “إيه آي بلس” يركز بالدرجة الأولى على توسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات المجتمع، بهدف رفع الإنتاجية، وتسريع وتيرة الاكتشافات العلمية، وتحسين كفاءة الحوكمة، والارتقاء بجودة الحياة اليومية.

وفي الواقع، تعكس إستراتيجية الصين للريادة العالمية في الذكاء الاصطناعي نهجها العام في تحقيق الهيمنة على الصناعات المختلفة. وكما حدث في مجالات الألواح الشمسية، والقطارات فائقة السرعة، وتقنيات الجيل الخامس، والإلكترونيات الاستهلاكية، والسيارات الكهربائية، تبدأ الصين عادة بطرح منتج يقترب في جودته من منافسيه، لكنه يُباع بسعر أقل بكثير.

وعلى خلاف نظيراتها الأميركية، لا تنخرط الشركات الصينية الكبرى في سباق الذكاء الاصطناعي، مثل “بايدو” و”علي بابا” و”تينسنت”، في بناء مراكز بيانات عملاقة بوتيرة متسارعة. ففي عام 2025، لم يتجاوز إنفاق هذه الشركات مجتمعة على الذكاء الاصطناعي نحو عُشر ما أنفقته شركات الحوسبة العملاقة الأميركية، ومع ذلك تواصل طرح نماذج تضاهي في أدائها تلك التي تطورها الشركات الأميركية الرائدة في هذا المجال.

إضافة إلى ذلك، تحقق مجموعة من الشركات الناشئة الصغيرة نتائج مذهلة. فقد أدى إطلاق نموذج “كيمي كي 3” من شركة “مون شوت” هذا الشهر إلى ما وصفه بعض العاملين في وادي السيليكون بأنه “زلزال مون شوت”، بعدما قلب الاعتقاد السائد بأن الولايات المتحدة تتقدم على الصين بفارق يتراوح بين ستة أشهر و12 شهراً. إذ جاءت نتائج نموذج “كيمي” في اختبارات قياس أداء الذكاء الاصطناعي مماثلة تقريباً لنتائج أكثر النماذج تطوراً لدى شركتي “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي”.

وبدلاً من تقديم مكافآت توقيع تصل إلى مئات الملايين من الدولارات لاستقطاب نجوم الذكاء الاصطناعي “فائقي الذكاء”، أثبتت شركة “ديب سيك” أنه يمكن، بفريق يضم نحو 200 مهندس يتقاضون في المتوسط حوالي 150 ألف دولار سنوياً، تطوير نموذج يقترب أداؤه من أداء النماذج الأميركية المنافسة، بل وتقديمه للمستخدمين حول العالم مجاناً. وتسير “مون شوت” و”زيبو” وغيرهما من “نمور الذكاء الاصطناعي” الصينية على النهج نفسه. وقدّر الرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا” جنسن هوانغ أن نصف المواهب العالمية الفائقة في مجال الذكاء الاصطناعي موجودة في الصين. وكما قال أحد قادة الذكاء الاصطناعي الصينيين، فإن الصين تراهن، في المنافسة بين “خلايا الدماغ” و”وحدات معالجة الرسوميات”، على العامل الأول.

وتحرص المختبرات الأميركية الرائدة على إبقاء أوزان نماذجها وبيانات تدريبها ملكية خاصة، بهدف بيع خدماتها وتحقيق عائدات مالية. أما شركات الذكاء الاصطناعي الصينية فقد اختارت بدلاً من ذلك نهج المصادر المفتوحة، إذ تتيح نماذجها لأي شخص في العالم تقريباً بشكل مجاني.

ويشبه هذا النهج الصيني إستراتيجية شركة “غوغل” في منافستها مع “أبل” لتطوير نظام التشغيل الرائد للهواتف الذكية. ففي حين أن نظام “آي أو إس” الخاص بأبل منتج متميز لا يتوفر إلا لمن يشتري أجهزة “آيفون”، يمكن تثبيت نظام “أندرويد” على العديد من الأجهزة مجاناً، ما يشجع على انتشاره ويتيح تطوير التطبيقات ضمن منظومته. واليوم، يستخدم نظام “أندرويد” في 70 بالمئة من الهواتف الذكية حول العالم، ويوفر عدداً من التطبيقات يفوق ما يقدمه نظام “آي أو إس” بمرتين.

وبالمثل، يختار المستخدمون حول العالم بصورة متزايدة نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية بدلاً من الأميركية. إذ أصبحت النماذج الصينية مسؤولة حالياً عن نحو ثلثي استخدامات الذكاء الاصطناعي عالمياً، وفقاً لقياس حجم المعالجة بوحدة “التوكنات “وعلى قائمة أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي معالجةً للتوكنات، تأتي النماذج الخمسة الأكثر شعبية من الصين. كما أفادت شركات أميركية، مثل “إير بي إن بي”، تستخدم نماذج صينية بدلاً من الأميركية، بأن تكاليف الذكاء الاصطناعي لديها تبلغ نحو عُشر تكلفة البديل الأميركي.

نون بوست
ترامب يتحدث خلال قمة “الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي” التي استُضيفت في واشنطن في 23 يوليو / تموز 2025

في العام المقبل، إذا فشلت معجزة الذكاء الاصطناعي الأمريكية في التحقق، فمن المرجح أن تتجاوز العواقب الاقتصادية تلك التي نجمت عن فقاعة العقارات عام 2008 وفقاعة شركات الإنترنت عام 2000. بل إننا قد نشهد عام 1929 آخر؛ فبعد انهيار عام 2008، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 4.3 بالمئة، وفي فترة الكساد الكبير هبط بنسبة 30 بالمئة تقريباً. أما الانكماش الذي بدأ عام 2000 فقد محا 5 تريليونات دولار من ثروات الأمريكيين مع فقدان مؤشر ناسداك ما يقرب من 80 بالمئة من قيمته، واستغرق الأمر 15 عاماً لاستعادة مستويات ما قبل الركود.

وبعيداً عن الاقتصاد، فإن عواقب الأمن القومي المترتبة على انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي الأمريكية تُعد أكثر إزعاجاً عند التفكير فيها إذ إن انهيار الثروات، وهبوط الإيرادات الحكومية، والارتفاع الحاد في الطلب على برامج الدعم الاجتماعي من شأنه أن يقلب جميع الخطط الخاصة باستثمارات الدفاع والأمن القومي رأساً على عقب.

بل إن تأثير هذا الحدث، أي الفشل الفعلي والواضح لرائد التكنولوجيا في العالم في السباق الذي أعلن هو نفسه أنه السباق التكنولوجي الأكثر أهمية عبر التاريخ، على الثقة في الولايات المتحدة في الداخل والخارج سيكون أكثر خطورة. وتذكروا انهيار عام 1929؛ فقد أدى إلى الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، وخلق الظروف التي مكنت الفاشيين من الاستيلاء على السلطة في ألمانيا وإيطاليا، وانتهى الأمر ببدء الحرب العالمية الثانية.

في عام 2008، أدى فشل الأوراق المالية المنسوبة إلى الرهن العقاري التي ابتكرها المهندسون الماليون في وول ستريت إلى حدوث الركود الكبير العالمي، والذي كان على شفا التحول إلى كساد كبير آخر. وكما أوضح هانك بولسون، الذي شغل في ذلك الوقت منصب وزير الخزانة الأمريكي والمسؤول المباشر عن تجنب كساد آخ، فإن الكارثة تم التغلب عليها فقط من خلال حزمة تحفيز منسقة تحركت فيها الحكومة الأمريكية والحكومة الصينية معاً. ولكن كما أشار بولسون أيضاً، فقد أصبحت هذه اللحظة، بالنسبة للرئيس شي وجيل معاصريه، درساً حاسماً إذ كانوا يفترضون في السابق أن من يُطلق عليهم “سادة الكون” في وول ستريت يعرفون ما يفعلونه ويمكن الاعتماد عليهم لإدارة النظام المالي العالمي بحكمة، ولكن بعد رؤية خيبات مجازفاتهم الطائشة، اختار شي وفريقه مساراً مختلفاً.

فكيف ستستجيب الصين للفوضى في الولايات المتحدة والعالم والتي سترافق انهيار الذكاء الاصطناعي؟

المصدر: فورين بوليسي

تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
غراهام أليسون
بواسطة غراهام أليسون
المقال السابق نون بوست من مقاومة الاستعمار إلى خدمة الإمبراطورية.. كيف حُرّفت عقيدة مونرو؟

اقرأ المزيد

  • رأس جميلة وما بعدها.. هل تتمدد المشروعات الخليجية في جنوب سيناء؟ رأس جميلة وما بعدها.. هل تتمدد المشروعات الخليجية في جنوب سيناء؟
  • من الحقول إلى الكهرباء.. كيف تتعامل مصر مع انقطاع إمدادات الغاز؟
  • دولة العبار على الساحل.. كيف انتزعت "إعمار" البحر من المصريين؟
  • أربع خرائط تحت الأرض.. أين تبحث مصر عن النفط والغاز؟
  • إمدادات النفط السعودية الهائلة باتت رهينة منفذ واحد
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

رأس جميلة وما بعدها.. هل تتمدد المشروعات الخليجية في جنوب سيناء؟

رأس جميلة وما بعدها.. هل تتمدد المشروعات الخليجية في جنوب سيناء؟

فريق التحرير فريق التحرير ٥ أغسطس ,٢٠٢٦
من الحقول إلى الكهرباء.. كيف تتعامل مصر مع انقطاع إمدادات الغاز؟

من الحقول إلى الكهرباء.. كيف تتعامل مصر مع انقطاع إمدادات الغاز؟

نون إنسايت نون إنسايت ٣٠ يوليو ,٢٠٢٦
دولة العبار على الساحل.. كيف انتزعت “إعمار” البحر من المصريين؟

دولة العبار على الساحل.. كيف انتزعت “إعمار” البحر من المصريين؟

فريق التحرير فريق التحرير ٢٧ يوليو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version