لا يمكن قراءة الزيارة الاستثنائية التي أجراها رئيس إقليم كردستان العراق، نيجرفان بارزاني، إلى دمشق الاثنين الثالث من أغسطس/آب الجاري، والتقى خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب، من زاوية بروتوكولية تقليدية؛ لا بالنظر إلى جدول أعمالها وما تضمنه من ملفات حساسة، ولا إلى السياق الإقليمي العام بما يفرضه من تحديات وتحولات جيوسياسية متسارعة، ولا حتى إلى توقيتها وما يحمله من دلالات سياسية ولوجستية لافتة.
ولم تكن الزيارة مفاجئة كما قد يظن البعض، بل جاءت تتويجًا لنحو عامين من الترتيبات والاتصالات، تخللتهما لقاءات بين مسؤولين من الجانبين، ومباحثات ونقاشات معمقة هدفت إلى معالجة عدد من الملفات وتهيئة الأرضية السياسية، قبل أن يلتقي بارزاني والشرع وجهًا لوجه في قصر الشعب بدمشق، علمًا بأن هذا اللقاء ليس الأول من نوعه، حيث التقيا سويًا في 17 أبريل/نيسان الماضي، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، لكنه اللقاء الأول في العاصمة السورية.
وفي ضوء الأجواء المحيطة بها، تبدو الزيارة أقرب إلى مهمة وساطة سياسية يضطلع بها بارزاني لتحريك عدد من الملفات العالقة، وفي مقدمتها الملف الكردي، بالتوازي مع كتابة السطر الأول في صفحة جديدة من العلاقات بين أربيل ودمشق.. فماذا حمل رئيس إقليم كردستان إلى دمشق؟ وما الأهداف التي تقف خلف الزيارة؟ وما الرسائل التي يمكن أن تبعث بها إلى الداخل السوري، وإلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية؟
استقبلتُ اليوم في دمشق أخي العزيز السيد نيجيرفان بارزاني @IKRPresident، رئيس إقليم كردستان العراق، في لقاءٍ تناولنا خلاله العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون بما يخدم الاستقرار ومصالح شعبينا.
إنّنا نثمّن ما قدّمه الإقليم في السنوات الماضية من رعاية واستضافة لأبناء شعبنا، ونتطلع… pic.twitter.com/X3VwU9QZUU
— أحمد الشرع (@AH_AlSharaa) August 3, 2026
سياق مهم.. دلالة التوقيت
رغم أن التمهيد لهذه الزيارة بدأ قبل نحو عامين، فإن إجراؤها في هذا التوقيت لم يكن عشوائيًا؛ إذ جاءت مدفوعة بجملة من التطورات التي فرضت على مختلف الأطراف إعادة النظر في مساراتها وحساباتها، وفي مقدمتها الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وهي الحرب التي يُتوقع أن تُعيد تشكيل الخريطة الإقليمية على المستوى الجيوسياسي، وأن ترسم من جديد معادلات النفوذ وموازين القوى في المنطقة، فضلًا عن إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وفق مقاربة مغايرة تمامًا لما كان قائمًا من قبل، الأمر الذي يعد جرس إنذار يستوجب التعاطي معه وارتداداته بشكل سريع.
وإلى جانب ذلك، تتقاطع مصالح دمشق وأربيل في ما يتعلق بملف الميليشيات المسلحة الموالية لطهران في الساحة العراقية، وهو الملف الذي تحول خلال الفترة الأخيرة إلى مصدر قلق متزايد للطرفين، لا سيما بعد النشاط الملحوظ لهذه الجماعات وانخراطها المباشر في الحرب الدائرة، ومن ثم، بات بحث هذا الملف ومناقشة سبل التعامل معه أمرًا ملحًا لا يحتمل التأجيل، قبل أن تتسع دائرة التصعيد وتتدحرج كرة النار إلى مستويات أكثر خطورة مما هي عليه الآن.
زيارة الضرورة.. إنقاذ اتفاق الدمج
إلى جانب التحولات الجيوسياسية الإقليمية التي أفرزتها التوترات الأخيرة، سواء على خلفية حرب غزة أو التصعيد مع إيران، يبرز التعثر الذي يواجهه اتفاق الدمج الموقّع في يناير/كانون الثاني الماضي، ليلقي بظلاله الثقيلة على المشهد، ولا سيما في ظل الخلافات المتعلقة بصيغة دمج قوات «قسد» ومستقبل الوحدات العسكرية الكردية.
ومن هنا، يمكن القول إن الزيارة تستهدف في المقام الأول إنقاذ هذا الاتفاق، والعمل على تفكيك عقده الصلبة، ومناقشة السبل الكفيلة بإعادة تفعيله بعد أشهر من الجمود، وسط تصاعد المخاوف من عودة التوتر والتصعيد في وقت يواجه فيه الداخل السوري أزمات متلاحقة ومعقدة.
وتسعى دمشق إلى نقل الاتفاق من مجرد تفاهم لوقف إطلاق النار إلى ترتيبات عسكرية وسياسية نهائية تحسم هذا الملف بصورة واضحة، فاستمرار وجود قوات «قسد» في شمال شرقي سوريا يمثل مصدر قلق كبير للقيادة السورية الجديدة، التي ترى فيه انتقاصًا من سيادتها، وتهديدًا لأمنها القومي والطاقوي، فضلًا عما يوفره من أوراق ضغط مستقبلية قد تقيد حركة الدولة السورية وتحد من قدرتها على بسط نفوذها الكامل.
ووفق هذه المقاربة، تدرك دمشق و«قسد»، ومن خلفهما أربيل وبغداد، وربما أنقرة أيضًا، أن أي انهيار في التفاهمات القائمة قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التصدعات والتوترات، يتجاوز صداها الداخل السوري إلى ما هو أبعد من الحدود والجغرافيا، وهو سيناريو لن يصب في مصلحة أي من الأطراف المعنية.
كما تفرض التطورات الإقليمية وما أفرزته من تحولات جوهرية في هذا الملف ضرورة الإسراع في التوصل إلى تسويات عاجلة، ولا سيما في ضوء الموقف التركي والضغوط التي تمارسها أنقرة للحيلولة دون استئناف القتال، فضلًا عن تراجع احتمالات استمرار الدعم الأمريكي المفتوح وغير المشروط لـ”قسد”، إضافة إلى ذلك حرص العراق على حماية حدوده والحد من موجات التوتر التي تشهدها بين الحين والآخر، وتدفع هذه العوامل مجتمعة نحو تبني خيار التسوية في الوقت الراهن، باعتباره أقل كلفة ومخاطر من تأجيله إلى مرحلة قد تصبح فيها الأوضاع أكثر تعقيدًا واستعصاءً على الاحتواء.
صفحة جديدة في العلاقات.. ما الدلالات؟
تحمل الزيارة حزمة واسعة من الدلالات المهمة التي يمكن أن تشكل نواة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الطرفين، في مقدمتها أن سوريا الجديدة تبدو أكثر انفتاحًا على مختلف القوى، وأنها لا تمانع في بناء علاقات بناءة قائمة على المصالح المشتركة، ما دامت لا تمس السيادة الوطنية أو تهدد الأمن والاستقرار.
كما أن استقبال رئيس إقليم كردستان بصورة رسمية في قصر الشعب، ولقاءه الرئيس السوري في حضور علم الإقليم، يمنح أربيل وزنًا سياسيًا وثقلًا يتجاوزان حدود وضعها الإداري داخل العراق، فالزيارة تقول، من الناحية العملية، إن أربيل باتت تحظى بمكانة مهمة في المقاربة السورية الجديدة، وأنها أصبحت لاعبًا محوريًا في صياغة الترتيبات المتعلقة بأكراد سوريا، وفي إدارة التوازنات الممتدة بين العراق وسوريا وتركيا.
ويستمد بارزاني هذا الثقل من علاقاته الجيدة مع قيادة «قسد»، إذ سبق أن استقبل قائدها مظلوم عبدي أكثر من مرة، فضلًا عن الدور الذي اضطلعت به أربيل خلال الأشهر الماضية عبر جهود الوساطة بين الأكراد السوريين ودمشق، بالتنسيق أحيانًا مع الولايات المتحدة، وبذلك، ينتقل إقليم كردستان من موقع الطرف الحاضر في المعادلة إلى دور الوسيط الذي يمتلك قدرًا من الثقة والقدرة على تقريب وجهات النظر، وتهيئة الأرضية لتفاهمات أكثر اتساعًا بين دمشق و”قسد”.
At the invitation of President @AH_AlSharaa, I am pleased to have visited Damascus today.
After many years of hardship, Syria now has a historic opportunity to recover, rebuild, and prosper. I expressed my confidence in President Al-Sharaa's vision and my belief that, under his… pic.twitter.com/FgSWoXqDUJ
— Nechirvan Barzani (@IKRPresident) August 3, 2026
تعزيز التعاون.. الطاقة نقطة البداية
تعكس التصريحات الإيجابية الصادرة عن قيادتي الطرفين إصرارًا واضحًا على المضي قدمًا في مسار تعزيز التعاون وتطوير العلاقات الثنائية، وكانت البداية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي قال: «إننا نثمّن ما قدّمه الإقليم خلال السنوات الماضية من رعاية واستضافة لأبناء شعبنا، ونتطلع إلى مواصلة العمل المشترك بروح من التعاون والأخوة، بما يعزز حسن الجوار»، فيما ردّ نيجرفان بارزاني بالتعبير عن ثقته بقدرة سوريا، بقيادة الشرع، على المضي نحو مزيد من الاستقرار والازدهار، وبناء مستقبل أكثر إشراقًا.
ويشكّل الاقتصاد أحد أهم ركائز تعميق التعاون بين الجانبين، فيما يحتل قطاع الطاقة موقعًا متقدمًا في هذا المسار، حيث تصدر هذا الملف أجندة المباحثات، ولا سيما ما يتعلق بمشروعات ربط خطوط نقل النفط والطاقة بين شمال العراق والداخل السوري، وفي مقدمتها خط كركوك–بانياس، الذي يُعد من أبرز الملفات المطروحة للنقاش، كما تبرز مشروعات محتملة أخرى لربط المزيد من خطوط الطاقة عبر الأراضي السورية وصولًا إلى تركيا، بما يسهم في توفير بدائل لمسارات التصدير التقليدية، خاصة في ظل التحديات والمخاطر المتزايدة المرتبطة بمضيق هرمز.
ومن المتوقع أن تمثل هذه الزيارة نقطة انطلاق نحو مزيد من اللقاءات والزيارات المتبادلة بين الطرفين، وربما تمهد لزيارة رئيس الوزراء العراقي إلى دمشق، لبحث عدد من الملفات المشتركة، وفي مقدمتها أمن الحدود، وأمن الطاقة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتنسيق الجهود في مواجهة الجماعات المسلحة الناشطة داخل العراق.
رسائل ثلاثية الاتجاهات
حملت الزيارة، بصورة مباشرة أو ضمنية، عددًا من الرسائل المتعددة الاتجاهات، جاءت أولى هذه الرسائل موجهة إلى «قسد»، ومفادها أن الرهان على استمرار الدعم الإقليمي والدولي بهدف تثبيتها ككيان عسكري وسياسي مستقل ذي نفوذ داخلي، هو رهان غير واقعي، وأن سقف هذا الدعم يتجه، بصورة أو بأخرى، نحو التسوية والاندماج المشروط.
وفي هذا السياق، يمكن أن يؤدي بارزاني دور الضامن الكردي للاتفاق، بما يتيح له طمأنة دمشق إلى جدية «قسد» في تنفيذ التفاهمات، وفي الوقت نفسه طمأنة الأخيرة إلى أن الاندماج لن يعني تجريدها الكامل من مكتسباتها أو استبعاد الأكراد من معادلة الدولة السورية الجديدة.
أما الرسالة الثانية، فهي موجهة إلى دمشق والقيادة السورية الجديدة، ومفادها أن الاندماج لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استسلامًا عسكريًا لـ«قسد»، بل يجب أن يأتي في إطار تسوية سياسية وطنية تضمن للأكراد حقوقهم وتمثيلهم السياسي، وتحول دون اختزال قضيتهم في بُعد أمني فقط، باعتبارها ملفًا سياسيًا ووطنيًا شاملًا.
في حين تتجه الرسالة الثالثة إلى تركيا، وهي أقرب إلى رسالة طمأنة مفادها أن الاتفاق المرتقب يمكن أن يسير على نحو يرضي مختلف الأطراف؛ بحيث ينهي النشاط العسكري المستقل لـ«قسد»، ويحد من مصادر القلق الأمني التركي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحقوق السياسية والثقافية للأكراد داخل الدولة السورية، وهي مقاربة قد تجد فيها أنقرة قدرًا من القبول والاطمئنان.
في المحصلة، تشير هذه الزيارة الاستثنائية إلى أن ملف أكراد سوريا بدأ ينتقل بخطى ملموسة من مرحلة الصراع على موازين القوى إلى مرحلة التفاوض حول شروط الاندماج وشكل الدولة السورية الجديدة، غير أن نجاح بارزاني في مهمته الجديدة، بوصفه وسيطًا يحظى بدرجة من الثقة لدى الطرفين، يتوقف بطبيعة الحال على قدرته على إقناع «قسد» بأن رهانات الاستقلال السياسي والعسكري لم تعد واقعية، وأن الاندماج مع الدولة السورية، مقابل الحفاظ على الحقوق والتمثيل، هو الخيار الأكثر قبولًا على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، يتعين عليه إقناع الحكومة السورية بأن المقاربة الأمنية وحدها لم تعد كافية للتعامل مع الملف الكردي، وأنها لا يمكن أن تؤسس لاستقرار مستدام من دون تسوية سياسية شاملة تعترف بالحقوق وتعيد دمج الأكراد في بنية الدولة، ليبقى السؤال الأهم: هل ينجح بارزاني في تحقيق هذه المعادلة الدقيقة، وتحويل دوره من وسيط بين طرفين متباعدين إلى ضامن لتسوية قابلة للحياة؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام المقبلة.