ترجمة وتحرير: نون بوست
توشك حرب إيران على نهايتها بعد قرابة أربعة أشهر من اندلاعها إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الأحد، أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى اتفاق ينهي الصراع مما يمهد لإعادة فتح مضيق هرمز قريباً، رغم أن تفاصيل الاتفاق لا تزال شحيحة.
وبافتراض، ربما ينطوي على الكثير من التفاؤل، أن الحرب تتجه نحو التهدئة، فكيف سيكون رد فعل بكين؟
ستسارع الصين إلى توطيد علاقاتها مع مراكز القوى الجديدة في إيران. فقبل الحرب، حافظت بكين على قنوات وثيقة مع النخبة السياسية التقليدية في طهران، في حين كانت صلاتها أضعف نسبياً بالحرس الثوري الإيراني، الذي يبدو اليوم القوة المهيمنة والممسكة بمقاليد الأمور في البلاد.
وعلى الرغم من امتلاك الشركات الصينية لبعض الروابط مع الحرس الثوري، ووجود قنوات تنسيق استخباراتي بين البلدين، إلا أن بكين ستسعى جاهدة لإيجاد مُحاوِرٍ موثوقٍ، ربما يكون دبلوماسياً إيرانياً مخضرماً نجح في التكيف مع الوضع الجديد. ولن يكون مفاجئاً إن رأينا قادة بارزين من الحرس الثوري يحلّون ضيوفاً في بكين بعيداً عن الأضواء قبل نهاية العام الجاري.
وإذا رفعت واشنطن عقوباتها عن إيران في نهاية المطاف، فإن ذلك سيعزز رغبة الصين في تحدي العقوبات الأمريكية بشكل أكثر علانية. وقد تصبح الشركات الصينية أكثر جسارة في هذا المضمار، مدفوعة بيقينٍ مفاده أن أي مواجهة قد تنشأ عن ذلك ستحظى بدعم وتغطية كاملة من الحكومة المركزية. والواقع أن بكين بدأت بالفعل في تجربة آليات أكثر صرامة لإنفاذ قوانين مكافحة العقوبات، مع توسيع ترسانتها الخاصة بالردع الاقتصادي بشكل مطرد.
ومن المستبعد أن تحذو الصين حذو إيران في تعطيل حرية الملاحة البحرية لسبب بسيط، وهو أنها لا تطل على مضيق أو ممر مائي خانق كمضيق هرمز، لكنها قد تكون أكثر استعداداً لتوظيف أوراق ضغطها على سلاسل الإمداد الحيوية.
أما على صعيد الطاقة، فستبدي الصين، على عكس المتوقع، اهتماماً أكبر بواردات النفط مقارنة بما سبق. ورغم أن حرب إيران سرّعت من وتيرة التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة، إلا أن الصين استنفدت بالفعل طاقتها القصوى في دفع هذا التحول بأسرع مدى ممكن، ولا يزال العمود الفقري لاقتصادها يعتمد بشكل رئيسي على الوقود الأحفوري.
ونجحت الصين في امتصاص صدمة توقف وارداتها النفطية الإيرانية بكفاءة، بل وحافظت على وتيرة بعض صادراتها من الوقود خلال الصراع. ومع ذلك؛ فإن هذه المرونة تعود في الأصل إلى امتلاكها احتياطيًّا نفطيًّا إستراتيجيًّا ضخمًا وإن كان محاطًا بالسرية. وقد ساهم السحب من هذا المخزون في كبح جماح أسعار النفط العالمية ومنعها من الارتفاع الجنوني، لكن التساؤلات تظل قائمة حول حجم هذا الاحتياطي قبل الحرب، ومدى استنزافه اليوم.
وتشير معظم التقديرات إلى أن احتياطي النفط الاستراتيجي للصين يبلغ نحو 1.3 مليار برميل. ورغم تراجع واردات البلاد النفطية من حوالي 11.6 مليون برميل يومياً في عام 2025 إلى 7.8 ملايين برميل في مايو/أيار، يُتوقع أن تسحب بكين قرابة مليون برميل يومياً من مخزونها في الأشهر المقبلة. هذا يعني أن الصين تتمتع بمخزون آمن يمنحها رفاهية الانتظار حتى تنخفض الأسعار لتستأنف ملء خزاناتها.
ومع ذلك؛ ستسعى الصين إلى تنويع مصادر إمداداتها، مستندة بشكل أكبر على روسيا وأمريكا اللاتينية. كما لن تتوانى، بدافع المصلحة الذاتية البحتة، عن استغلال الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في إيران للحصول على النفط بأسعار تفضيلية، تمامًا كما فعلت في مفاوضات الطاقة مع موسكو في أعقاب غزوها الشامل لأوكرانيا.
وأخيرًا؛ ستراقب بكين عن كثب المدى الزمني الذي ستحتاجه الولايات المتحدة لتجديد مخزونها من السلاح الذي استُنزف في الحرب. ورغم تدفق التقارير الصحفية التي تتحدث عن بطء هذه العملية، فإن القادة الصينيين لا يثقون في التقارير الإعلامية أو المعلومات مفتوحة المصدر، لاعتقادهم بأنها تخضع لرقابة وتوجيه صارمين في الغرب، تماماً كما هو الحال داخل الصين.
وبناءً على ذلك؛ نتوقع طفرة في الأنشطة الاستخباراتية الصينية، الرقمية والبشرية على حد سواء، الموجهة لكشف هذه البيانات. ولحسن حظ بكين، فإن منظومة مكافحة التجسس الأمريكية تعيش حالياً أضعف فتراتها منذ عقود.
نتابع معكم
شي يتوجه نحو المجلس العسكري في ميانمار: استقبل الرئيس الصيني يوم الثلاثاء رئيس ميانمار مين أونغ هلاينغ، الذي قاد انقلاباً عسكرياً عام 2021، في بكين، وهي الزيارة الأولى له منذ انتخابه في أبريل/نيسان عقب انتخابات رعتها الصين. وكانت بكين قد انتهجت سياسة حذرة في ميانمار عقب الانقلاب، حيث حافظت على خيوط التواصل مع الفصائل العرقية المسلحة وسط الحرب الأهلية التي اندلعت هناك.
ويعكس الدعم الحالي من شي انحيازًا صينيًّا أكثر وضوحاً لصالح المجلس العسكري. وتأتي هذه الزيارة عقب جولة أجراها وانغ يي، وزير الخارجية الصيني الذي لا يهدأ، إلى ميانمار في أبريل/نيسان الماضي، تزامنًا مع ضغوط مارستها بكين العام الماضي لإجبار الجماعات المتمردة على التراجع عبر قطع إمدادات السلاح عنها.
ولم تتغير أولويات الصين الجوهرية: حماية مواطنيها ومصالحها الاستثمارية، وتأمين حدودها، وقد فرض تحقيق الهدف الأخير على بكين إبرام صفقات مع جيش ميانمار، المتورط بقوة في شبكات تهريب المخدرات، والقمار، والاحتيال الإلكتروني، ومع العصابات الإجرامية ومعظمها من أصول صينية، التي تسيطر على مساحات شاسعة من المناطق الحدودية. وفي هذا السياق، قامت الصين هذا العام بتوسيع السياج الحدودي بقوة، ليتوغل في بعض الأحيان داخل أراضي ميانمار نفسها.
تجسس بحري؟
وأصدرت وزارة أمن الدولة الصينية تحذيرًا من محاولات أطراف أجنبية لم تسمّها لرسم خرائط للسواحل الصينية باستخدام سلاحف وأسماك تجسس مزودة بأجهزة استشعار إلكترونية، معلنةً ضبط عدد من هذه الكائنات هذا العام.
من جهة؛ لا يبدو الأمر فانتازيًّا تمامًا؛ فالولايات المتحدة وروسيا لديهما تاريخ في تدريب الدلافين والفقمات لأغراض عسكرية. ولكن من جهة أخرى، يظل الطرح غريبًا؛ إذ لا يمكن ترويض السلاحف أو الأسماك لأداء مهام استخباراتية معقدة، وأي جهاز استخبارات يسعى لجمع بيانات ساحلية سيعتمد حتماً على أدوات أكثر كفاءة مثل المسيرات الغاطسة والدرونز البحرية.
التفسير الأكثر منطقية هو أن السلطات المحلية في بكين أخطأت في تصنيف برامج التتبع العلمي، التي تضع شرائح إلكترونية على الحيوانات لمراقبة هجرتها، واعتبرتها أصابع خفية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وهو ما يترجم حالة الرهاب الأمني والبارانويا الشائعة في أروقة الأمن القومي الصيني.
التكنولوجيا والأعمال
أنثروبيك تعلّق نموذجها الجديد: أعلنت شركة أنثروبيك تعليق إطلاق نموذجها المتطور للذكاء الاصطناعي، بناءً على أوامر من السلطات الأمريكية بحظر وصول الرعايا الأجانب إليه. هذا القرار المفاجئ يسلط الضوء على مدى تغلغل سباق الذكاء الاصطناعي في صلب العقيدة الأمنية الأمريكية. وكما أشار كريس ماغواير، الخبير السابق بوزارة الخارجية الأمريكية في شؤون الذكاء الاصطناعي والرقائق، فإن عشوائية هذا القرار تعكس قناعة راسخة لدى بعض صناع القرار بأن النماذج الأخيرة للشركة تشكل تهديداً أمنياً حقيقياً. وتظل القدرة على استدامة هذا الحظر محل شك، لاسيما مع مرونة إدارة ترامب تجاه ضغوط شركات التكنولوجيا العملاقة مثل إنفيديا في الملفات المرتبطة بالصين.
ركود مبيعات التجزئة: سجل الاقتصاد الصيني مؤشرات سلبية جديدة هذا الأسبوع، حيث انكمشت مبيعات التجزئة في مايو/أيار بشكل غير متوقع وللمرة الأولى منذ عام 2022. ورغم كل حزم التحفيز التي ضختها بكين لإنعاش الاستهلاك، لا تزال الأسر الصينية تفضل الادخار بمعدلات قياسية.
ويعكس هذا السلوك حالة من عدم اليقين الجيوسياسي بسبب الحروب، والمخاوف من فقدان الوظائف نتيجة تغول الذكاء الاصطناعي، والتبعات الاقتصادية الممتدة لجائحة كورونا. وقد فصّلتُ هذه الديناميكية في مقال لعدد صيف 2026 من مجلة فورين بوليسي تحت عنوان “نهاية العالم كما نعرفه”. هذا الحذر ألقى بظلاله أيضاً على سوق السيارات الكهربائية؛ ففي مايو/أيار، تراجعت مبيعاتها داخل الصين على أساس سنوي للشهر الخامس على التوالي، مما أجبر الشركات على إشعال فتيل حرب أسعار شرسة، استنزفت بكين أشهراً طويلة لمحاولة إخمادها.
المصدر: فورين بوليسي