ترجمة وتحرير: نون بوست
على مدى عقود طويلة من الزمن، دعمت الولايات المتحدة أمن إسرائيل عبر تقديم مليارات الدولارات سنويا كمساعدات عسكرية، إضافة إلى التعاون الوثيق في مجالات الاستخبارات والدفاع الصاروخي وتطوير الأسلحة.
ومع الهبوط الحاد في الدعم السياسي الأمريكي للتمويل العسكري الإسرائيلي، يتدارس الكونغرس إنهاء هذا الالتزام المالي تدريجيا، والتحول نحو شراكة دفاعية وتكنولوجية أعمق، تقوم على تعاون صناعي دفاعي ملزم قانونيا بين الجانبين.
وقد أدرج مجلسا النواب والشيوخ هذا المقترح ضمن مشروع قانون السياسة الدفاعية السنوي، ما يمهد الطريق لدمج القدرات الدفاعية والاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية بصورة عميقة يراها بعض المنتقدين مقلقة.
ويدفع الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باتجاه هذا التحول، الذي يأتي وسط تصاعد النبرة الرافضة لدى مشرعي اليمين واليسار لإرسال أموال دافعي الضرائب للجيش الإسرائيلي.
يؤكد المؤيدون أن هذه الخطوة ستعود بالنفع على الولايات المتحدة حيث ستتيح لها الاستفادة من ابتكارات إسرائيل في مجالي الدفاع والاستخبارات، كما أنها سترفع العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من علاقة بين مانح ومتلقي إلى شراكة استراتيجية.
لكن بعض المشرعين يخشون أن تؤدي هذه الروابط الوثيقة إلى طمس الحدود الفاصلة بين دعم حليف والسماح فعليا للجيش الإسرائيلي بالتشابك مع البنتاغون بطرق قد تكون خطيرة ويصعب فكها.
كيف سيعمل التشريع؟
تتعاون الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل في إنتاج تقنيات دفاعية، مثل أنظمة الدفاع الجوي “القبة الحديدية” و”مقلاع داود”، عبر شركات مقاولات من بينها “رايثيون” و”رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة”، وقد ظهرت هذه الروابط بوضوح في الأيام التي أعقبت الضربات المشتركة التي شنت ضد إيران في 28 فبراير/ شباط.
ومن شأن مشروع قانون السياسة الدفاعية، الذي أقره مجلس النواب الشهر الماضي وبانتظار حسمه في مجلس الشيوخ، أن يكرس هذه الشراكات في أطر قانونية.
وينص مشروع قانون مجلس النواب على إنشاء مكتب في وزارة الدفاع يكون ملزما قانونيا بتسهيل التعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وسيشرف هذا المكتب على تطوير أسلحة وتقنيات جديدة، فضلاً عن اختبار القدرات الجديدة ونشرها.
ومن المرتقب دمج مشروع قانون استخباراتي منفصل مع تشريع الدفاع، حيث يدعو المشروع الرئيس ومدير الاستخبارات الوطنية إلى “توسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحكومة الإسرائيلية وتعزيزه”، باستثناء الحالات التي قد يعرض فيها ذلك الأمن القومي للولايات المتحدة للخطر أو يكشف عن “مصادر وأساليب استخباراتية” متطورة.
ويتصور مؤيدو هذا الاقتراح تعاونا واسع النطاق في مجال التقنيات الناشئة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل، والدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني.
وتعود صياغة هذا النص إلى مشروع قانون حزبي مشترك قدمه هذا العام كل من السناتور تيد بود، الجمهوري عن ولاية كارولينا الشمالية، والسيناتور كيرستن جيليبراند، الديمقراطية عن ولاية نيويورك. أما في مجلس النواب، فقد قدمه النائبان روني جاكسون، الجمهوري عن ولاية تكساس، ودون ديفيس، الديمقراطي عن ولاية كارولينا الشمالية.

من ناحية أخرى، قدم النائب مارلين ستوتزمان، وهو جمهوري من ولاية إنديانا يتبنى توجه “أمريكا أولا” الخاص بترامب، قرارا غير ملزم يدعو إلى إنهاء مذكرة التفاهم القائمة منذ عقود، والتي تقدم بموجبها الولايات المتحدة مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية لإسرائيل، والانتقال بدلا من ذلك إلى “التعاون الدفاعي المتبادل والاستثمار الاقتصادي المشترك” بين البلدين.
لماذا ينظر الكونغرس في الأمر الآن؟
تنتهي صلاحية المذكرة، التي تنص على أن تقدم الولايات المتحدة 3.8 مليار دولار سنويًّا كمساعدات عسكرية لإسرائيل، في عام 2028، وقد أعلن مشرعون من كلا الحزبين أنهم سيعارضون أي اتفاق جديد يقوم على تقديم مساعدات مباشرة لإسرائيل بمليارات الدولارات.
قدم ستوتزمان قراره بعد اجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين، بينهم نتنياهو الذي أيد الفكرة، وقد وصف النائب مقترحه يوم الثلاثاء الماضي بأنه انتقال “من الوضع الراهن القائم على تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل إلى إنشاء علاقة تجارية يمكن من خلالها أن نساعد بعضنا عسكريا واقتصاديا”.
من شأن هذا النهج أن يوفر لإسرائيل دعما حيويا لجيشها وأجهزتها الاستخباراتية دون الحاجة لموافقة صريحة من الكونغرس على إرسال مبالغ محددة من الأموال الفيدرالية سنويا.
وقد اكتسبت الفكرة زخما مع تزايد الشكوك حول مستقبل المساعدات العسكرية التقليدية لإسرائيل، خاصة بعد ردود الفعل الغاضبة على سلوكها في حرب غزة. ففي تصويت لافت الشهر الماضي، أيد نحو نصف الديمقراطيين في مجلس النواب تعديلًا كان سيوقف المساعدات الأميركية لإسرائيل. ورغم أن المقترح فشل بشكل كبير، إلا أن التصويت عكس تصاعد العداء داخل الحزب الديمقراطي تجاه استمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل.
وقد أظهرت استطلاعات حديثة أيضا انقساما كبيرا بين الجمهوريين حول هذه القضية إذ كشف استطلاع أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” بالتعاون مع معهد “سيينا” في مايو/ أيار أن نسبة متزايدة من الناخبين المحافظين الشباب ترى أن المساعدات لإسرائيل غير مقبولة وقال 63% من الناخبين الجمهوريين، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و44 عامَا، إنهم يعارضون تقديم أي دعم اقتصادي وعسكري إضافي لإسرائيل، بينما أيد 72% من الذين تجاوزوا 45 عاما رغبتهم في استمرار المساعدات.
وتأتي هذه الخطوة أيضا في إطار الحملة العلنية التي يشنها نتنياهو لإظهار أنه أصبح أقل اعتمادا على المساعدات الأميركية، تماشيا مع دعوات ترامب لحلفاء واشنطن بتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم.

لماذا أثار المقترح جدلا؟
يعتبر المعارضون أن الفكرة تمنح دولة أجنبية سيطرة مفرطة على شؤون دفاعية أميركية حساسة.
أوضح السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن عن ولاية ماريلاند في تصريح سابق له أن الحكومة الأمريكية بإمكانها دائما اختيار الدخول في اتفاقيات إنتاج مشتركة لكل حالة على حدة، لكن الغريب هنا، حسب قوله، هو فرض ذلك بصورة إلزامية. وأضاف بأن هذا الأمر يمنح الحكومة الإسرائيلية سيطرة أكبر على الإنتاج وربما نشر أنظمة الأسلحة الأميركية.
وقال النائب توماس ماسي من ولاية كنتاكي، وهو أحد الجمهوريين القلائل الذين عارضوا هذا المقترح، إن المقترح “خيانة للسيادة الأمريكية”، وأضاف أنه “يؤدي بشكل مأساوي إلى دمج تقنياتنا العسكرية وسلاسل التوريد مع إسرائيل”.
وحاول ماسي، بالتعاون مع النائب رو خانا، الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، حذف هذا البند من مشروع قانون الدفاع، لكن القادة الجمهوريين منعوا المشرعين الاثنين من طرح المسألة للتصويت.
وحذرت النائبة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، الديمقراطية عن ولاية نيويورك، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي من أن الشراكة المقترحة ستؤدي إلى “دمج أجزاء من جيشنا مع الجيش الإسرائيلي”، معتبرة أن ذلك سيكون “تهديدً وجوديا للسيادة والديمقراطية الأميركية”.
يتجاوز هذا التوصيف نص التشريع، إذ لا ينص أي من مشروعي القانون في مجلسي النواب والشيوخ على دمج الجيشين الأميركي والإسرائيلي أو وضع القوات تحت سلطة مشتركة.
وانتقد المؤيدون هذه الادعاءات ووصفوها بأنها تحريف يهدف إلى تقليص الدعم المقدم لحليف مهم في الشرق الأوسط.
وصرح السيناتور بود في بيان: أنه رغم المحاولات سيئة النية من كلا طرفي الطيف السياسي لتشويه الحقائق والإساءة إلى إسرائيل الحليف والشريك الوثيق للولايات المتحدة، فإن المقترح ببساطة يتيح استثمارا مشتركا في البحث والتطوير يعود بالنفع على الأميركيين من الناحيتين المالية والأمنية. وأضاف أن البند “لا يفرض أي قيود” على الجيش الأميركي.
تعد الشراكات الصناعية الدفاعية سمة أساسية في علاقة الولايات المتحدة مع حلفاء مقربين مثل بريطانيا وأستراليا وكندا وشركاء الناتو، لكن المقترحات الجديدة ستؤسس واحدة من أوسع هذه الشراكات مع إسرائيل، التي لا تربطها بالولايات المتحدة أي معاهدة دفاع متبادل رسمية.
ويجادل فان هولن وغيره من المنتقدين بأن إلزامية الإنتاج المشترك قد تقيد الولايات المتحدة عسكريا، وأشار إلى اعتراضات إسرائيل المتكررة على نقل بطاريات الدفاع الجوي “القبة الحديدية” إلى أوكرانيا بعد الغزو الروسي، خوفا من أن تقع الأسلحة في أيدي روسيا، أو تسلَم إلى إيران، ثم تستخدم ضد إسرائيل.
وختم فان هولن قوله بأن التجربة الوحيدة المتوفرة لدى الولايات المتحدة هي اتفاقية الإنتاج المشترك للقبة الحديدية، حيث مارست إسرائيل ذلك الحق، وعلينا أن نستوعب هذا الدرس جيدا.
المصدر: نيويورك تايمز