ترجمة وتحرير: نون بوست
الفرص الضائعة والأخطاء الإستراتيجية تعصف بالرياض
أشعر بالأسى حيال السعوديين؛ إذ يجدون أنفسهم اليوم محاصرين بين مطرقة الإيرانيين وسندان الحوثيين، وهذا الموقف البائس يعود في جزء منه إلى رئيس أمريكي يتسم بالرعونة والتقلب؛ فعلى مدى العقد الماضي، لم يكن قادة المملكة العربية السعودية ينشدون شيئاً سوى الاستقرار الإقليمي، ليتفرغوا لمهمة إحداث تحول جذري في بلادهم. ولفترة من الزمن، بدا الشرق الأوسط مستقراً بما يكفي ليسمح لولي العهد الأمير محمد بن سلمان ومستشاريه بإطلاق العنان لأحلامهم الكبرى حول مملكة تتغير جذرياً بحلول عام 2030.
ولكن جاءت الضربة التي وجهتها حركة حماس لإسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتشعل شرارة حرب إقليمية واسعة النطاق. وقد بذل السعوديون قصارى جهدهم للنأي بأنفسهم عن أتون تلك الحرب، وهو رد فعل عقلاني ومنطقي إزاء العنف وسفك الدماء. ومع ذلك، فإن افتقار الرياض نفسها إلى بُعد النظر الاستراتيجي قد أدى إلى تفاقم مشكلات البلاد وزيادتها تعقيداً.
إن التصعيد الأخير بين السعودية وجماعة أنصار الله (المعروفة باسم الحوثيين) – والذي وقع في الثالث عشر من يوليو/تموز الماضي عندما قيل إن القوات الجوية السعودية قصفت مدرج مطار صنعاء الدولي – كان، بكلمة واحدة، تصعيداً غير ضروري على الإطلاق. وبمزيد من التفصيل، كان هذا التحرك نتاجاً لسوء التقدير. ويبقى السبب الذي دفع السعوديين لبدء هذه المعركة لغزاً محيراً؛ فظاهرياً، بدا أنهم يتصرفون نيابة عن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتي أعربت عن قلقها إزاء الانتهاكات المستمرة لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على الحوثيين.
وقد هدفت تلك الغارات على المطار إلى منع هبوط طائرة تابعة لشركة ماهان إير الإيرانية، كانت تُقل وفداً حوثياً عائداً من جنازة آية الله علي خامنئي. ومن المعروف أن شركة ماهان إير هي الناقل المفضل لدى الحرس الثوري الإيراني لإمداد حلفائه في جميع أنحاء المنطقة. لذا، فمن المنطقي تماماً الاعتقاد بأن الحوثيين كانوا يحملون معهم في طريق العودة من طهران ما هو أكثر بكثير من مجرد الفستق والسجاد.
وحتى مع الإقرار بأن تلك الرحلة الجوية مثلت انتهاكاً صارخاً لقرار مجلس الأمن، فإنه ليس من المنطقي أبداً إحداث حفر وتدمير مدرج مطار صنعاء. فبالنظر إلى كل الاستفزازات الصادرة عن الحوثيين والحرس الثوري الإيراني والتي غضت الرياض الطرف عنها خلال السنوات الأخيرة، كان ينبغي أن يكون قرار السماح بهبوط طائرة الحوثيين أمراً يسيراً لا يستدعي هذا التصعيد؛ فقد كانت الحرب بين السعودية والحوثيين قد انتهت فعلياً، على الرغم من تذمر المسؤولين السعوديين في مجالسهم الخاصة من أن الإيرانيين لم يفوا قط بالتزاماتهم، بما في ذلك تلك المتعلقة بالملف اليمني عقب تطبيع الرياض لعلاقاتها مع طهران عام 2023. ويبدو جلياً أن المخاطر الكامنة في قصف المطار تفوق بكثير أي مكاسب مرجوة منه؛ إذ كان بإمكان السعوديين، بلا شك، أن يغضوا الطرف ويمضوا قُدماً.
في المقابل، لم يغض الحوثيون الطرف؛ بل سارعوا بالرد عبر إطلاق الصواريخ على مطار أبها الدولي في منطقة عسير، وعلى منشآت نفطية في مدينة جازان الواقعة على ساحل البحر الأحمر بالقرب من اليمن. كما فرضوا حصاراً خانقاً على حركة الشحن السعودية في مضيق باب المندب. وفي غضون ذلك، استهدفت الميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران والحوثيين منشآت تابعة لشركة أرامكو في مدينة ينبع، بالإضافة إلى استهداف محطة معالجة النفط السعودية الضخمة في بقيق، والتي تُعد عصب إمدادات الطاقة العالمية.
ومما زاد الطين بلة، أن السعوديين يجدون أنفسهم في مواجهة الحوثيين بمفردهم تماماً. ورغم أن القادة الإقليميين سارعوا إلى إدانة الهجمات الحوثية والإعراب عن تضامنهم مع السعوديين، إلا أنه لم يتقدم أي من جيران المملكة العرب لتقديم مساعدة فعلية على الأرض. والسبب في ذلك يعود ببساطة إلى أن معظم تلك الدول أضعف وأكثر جبناً من أن تواجه التهديد الحوثي بشكل مباشر.
ربما كان الاستثناء الوحيد في هذا المشهد هو دولة الإمارات العربية المتحدة، غير أنه في لحظة أخرى من سوء الإدارة الإستراتيجية التي وقعت في ديسمبر/كانون الأول الماضي، قامت الرياض باستعداء أبوظبي على خلفية حربهما المشتركة في اليمن. ففي ذلك الوقت، سيطر حلفاء الإمارات في اليمن، المعروفون باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، على معظم الأجزاء الجنوبية من البلاد، وأعلنوا صراحة عن نيتهم الانفصال وإعلان الاستقلال.
وقد نظر السعوديون إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة للالتفاف على جهودهم الرامية للتوصل إلى تسوية دبلوماسية وسياسية للأزمة اليمنية الممتدة لسنوات، والحفاظ على وحدة البلاد. ونتيجة لذلك، قصف السعوديون قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، وأجبروا قيادته على الخروج من البلاد، وطالبوا الإماراتيين بالبقاء خارج المشهد اليمني، وهو المطلب الذي أذعنت له أبوظبي.
ويمكنني تفهم الأسباب التي أثارت حفيظة وغضب السعوديين، ولكن في غمرة غضبهم، فقدوا القدرة على رؤية الصورة الكبرى والأشمل؛ فقد كانت الخطوة الدراماتيكية التي أقدم عليها المجلس الانتقالي الجنوبي كفيلة بوضع الحوثيين ورعاتهم في الحرس الثوري الإيراني في موقف دفاعي، خاصة مع تمركز القوات الجنوبية على مشارف المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وقد ادعى السعوديون أنهم قلقون من تفتت دولة عربية وما قد يمثله ذلك من سابقة خطيرة؛ إلا أن وجود يمن جنوبي متحالف مع الإمارات ومراعٍ للمصالح السعودية في مواجهة الحوثيين، يبدو في نهاية المطاف نتيجة أفضل بكثير من الاستمرار في محادثات عقيمة لا طائل منها مع الحوثيين حول مستقبل اليمن.
وفي نفس الفترة تقريباً، ارتكب السعوديون خطأً استراتيجياً آخر. فبدلاً من الترحيب باعتراف إسرائيل بـ أرض الصومال (صوماليلاند) – أو على الأقل غض الطرف عنه – وقفت المملكة العربية السعودية كمعارض صاخب لهذه الخطوة، جنباً إلى جنب مع تركيا وقطر والدول العربية الأعضاء في الاتحاد الأفريقي.
ومن المنطقي تماماً أن يعارض المصريون هذه الخطوة الإسرائيلية؛ نظراً لأن إثيوبيا، وهي الخصم الرئيسي لمصر في القرن الأفريقي، تحتفظ بعلاقات قوية مع أرض الصومال. كما أن معارضة الأتراك مبررة؛ لأن اعترافاً كهذا يمنح الإسرائيليين موطئ قدم في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تعكف تركيا على بناء وجودها فيها منذ أكثر من عقد من الزمان. أما القطريون، الذين يمتلكون استثمارات في أرض الصومال، فكانوا يلعبون على الحبلين كما هي عادتهم.
غير أن المعارضة السعودية لم تكن منطقية على الإطلاق؛ فوجود أرض صومال مستقلة ومتحالفة مع إسرائيل، وتوفر للإسرائيليين تواجداً فعلياً على أراضيها، من شأنه أن يضع ضغوطاً هائلة على الحوثيين والحرس الثوري الإيراني. وكان يُفترض أن يكون هذا الأمر في صالح الرياض، حتى وإن لم تتمكن السعودية من الاحتفال به علناً. ويبدو أن القادة السعوديين كانوا في حالة غضب شديد تجاه الإماراتيين – الذين اعتبروهم متواطئين مع الإسرائيليين في أرض الصومال – لدرجة أعمتهم عن إدراك هذا المكسب الإستراتيجي. وفي غضون ذلك، فإن حلفاء السعودية الذين يدعمون الحفاظ على وحدة الصومال – وهم تركيا ومصر وقطر – من غير المرجح أن يمدوا يد العون للسعوديين لحل مشكلتهم المستعصية مع الحوثيين.
ومما يضاعف من مرارة هذه المحنة السعودية، حقيقة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجلس في المكتب البيضاوي خلال هذه الفترة العصيبة. لقد مقَت السعوديون الرئيس الأسبق باراك أوباما بسبب إبرامه للاتفاق النووي مع إيران، وكان يساورهم قلق عميق من أن يعمد الرئيس جو بايدن إلى إضعاف موقفهم من خلال إبرام اتفاق لاحق، وهو الأمر الذي لم يتحقق قَط.
وفي الواقع، انتهى المطاف ببايدن إلى تعزيز العلاقات مع المملكة، وأمضى آخر عامين له في منصبه في التفاوض على اتفاقية أمنية ثنائية. ومع ذلك، بدا أن السعوديين (شأنهم شأن دول الخليج العربي الأخرى) يفضلون ترامب بشدة على منافسته الديمقراطية، نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، انطلاقاً من الاعتقاد السائد بأن ترامب رجل أفعال وينجز المهام، فضلاً عن كونه مفيداً لقطاعي الأعمال والاستثمار.
ورغم ذلك الانحياز، عندما توصلت المملكة العربية السعودية إلى اتفاق مع إدارة ترامب يتيح لها الحصول على التكنولوجيا النووية، سحب الرئيس البساط من تحت أقدامهم فجأة؛ فبعد يوم واحد فقط من توقيع وزير طاقته على الاتفاق، أضاف ترامب شرطاً حاسماً وجديداً، وهو: تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وهذا هو بالضبط ما أعلنت السعودية مراراً وتكراراً أنها لن تُقدم عليه إلا بعد إقامة دولة فلسطينية، وهو شرط يرفض الإسرائيليون الامتثال له جملة وتفصيلاً.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يخذل فيها ترامب السعوديين ويتخلى عنهم؛ فقد سبق له أن حطم مبدأ عقيدة كارتر في سبتمبر/أيلول 2019، عندما تقاعس عن الرد على الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت النفط السعودية. ومؤخراً، أدت عمليته العسكرية الكارثية والمشؤومة، التي أطلق عليها اسم الغضب الملحمي، إلى تمكين طهران وتعزيز نفوذها على حساب جيرانها في الجانب الغربي من الخليج. وبمجرد أن يجد ترامب مخرجاً له من هذا الصراع، فإنه سيترك السعوديين وغيرهم ليواجهوا العواقب الوخيمة ويتعاملوا مع التداعيات بمفردهم.
لا شك أن عام 2026 قد مثل عاماً كارثياً ومريعاً للمملكة العربية السعودية، ولا يزال هناك أكثر من أربعة أشهر متبقية على نهايته. ويتمنى السعوديون لو كانوا يمتلكون رفاهية عزل بلادهم تماماً عن أزمات المنطقة ومشاكلها، إلا أنهم ببساطة لا يستطيعون ذلك.
كما أن سياسة الريال السياسي – المتمثلة في شراء ذمم أولئك الذين قد يُلحقون الأذى بهم – لها حدودها ولن تمضي بهم بعيداً. ولتحسين موقفهم وتدارك تراجعهم، يتعين على السعوديين التخلي عن العواطف والمبادئ المثالية التي لطالما حركت ووجهت عملية صنع سياساتهم، وأن يعملوا على تطوير وعي أعمق وأدق ببيئتهم الاستراتيجية. فحينها فقط، ستتاح لهم الفرصة الحقيقية لتشكيل مستقبل المنطقة وإعادة صياغته، بدلاً من ترك الآخرين يشكلونه ويفرضون وقائعه عليهم.
المصدر: فورين بوليسي