ترجمة وتحرير: نون بوست
مع استمرار تآكل الإجماع السياسي الأميركي حول دعم إسرائيل، وهو ما انعكس في فوز عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان هذا الأسبوع، يتزايد القلق في إسرائيل من أن يكون هذا التحول تغييرًا لا رجعة فيه.
ويرى منتقدو رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنّ تركيزه الكلي على بناء علاقات قوية مع البيت الأبيض في عهد ترامب ربما جاء على حساب ضمان مستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيلية.
وقد خيّمت موجة الاستياء من الدعم الأمريكي لإسرائيل على بعض أبرز السباقات في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية الرئيسية لهذا العام، بما في ذلك في نيويورك وكولورادو وميشيغان، حيث واجه عبدول السيد، وهو منتقد صريح للمساعدات العسكرية لإسرائيل، هالي ستيفنز، التي حظيت بدعم مالي تجاوز 30 مليون دولار من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “إيباك” والجماعات التابعة لها.
تتزايد الانقسامات حول إسرائيل بين الناخبين الجمهوريين أيضًا، وإن كانت أقل حدة، فغالبية الأمريكيين يريدون تخفيض الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل أو إنهاءه، وفقًا لاستطلاع أجرته صحيفة “واشنطن بوست” بالتعاون مع “إيبسوس” الشهر الماضي، بما في ذلك ما يقرب من ثلاثة أرباع الديمقراطيين.
ويواجه نتنياهو، السياسي المتمرس، انتخابات خاصة به في أكتوبر/ تشرين الأول، فيما يسعى خصومه إلى إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة.
وعلى مدى أكثر من عقد، كان نتنياهو يتبنى علنًا صداقة دونالد ترامب فيما يبدو أنّها سياسة تعمل على ضمان دعم الحزب الجمهوري إذا قرر الديمقراطيون التراجع عن دعم إسرائيل، لكن تلك الحسابات تنهار اليوم، إذ أصبحت إسرائيل قضية خلافية بشكل متزايد داخل الحزب الجمهوري أيضًا.
ورغم أنّ نتنياهو، الذي التقى ترامب الشهر الماضي، يواصل إظهار الثقة مطمئنًا الجمهور الإسرائيلي بأنّ علاقاته الشخصية مع الرئيس الأميركي “جيدة جدًا”، فإنّ المسؤولين والمحللين الإسرائيليين يشعرون بقلق عميق.
قال زعيم المعارضة ورئيس الوزراء السابق يائير لابيد الشهر الماضي في مؤتمر هرتسليا، وهو قمة أمنية إسرائيلية: “لم تصل العلاقات الخارجية لإسرائيل قط إلى هذا المستوى المتدني من قبل”، ورأى لابيد أنه لا زال من الممكن إصلاح تلك العزلة المتزايدة، لأن “هناك إدراكًا في جميع أنحاء العالم بأنّ مشكلة إسرائيل ليست في البلد نفسه، بل في الحكومة”.
رفض مكتب نتنياهو التعليق.
قالت يائيل شترنهل، أستاذة التاريخ والدراسات الأميركية في جامعة تل أبيب: “أصبح العداء والغضب تجاه إسرائيل اليوم من القضايا القليلة التي توحّد اليمين واليسار في السياسة الأميركية، فكلا الطرفين ينظر إلى إسرائيل باعتبارها القوة غير المنضبطة في المنطقة والمثيرة للمشاكل، التي تزعزع استقرار المنطقة ولا تعود بالنفع على الولايات المتحدة”.
ويخشى بعض الإسرائيليين من أن تؤدي معارضة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى تعزيز هذا الرأي.
قال إيتان جلبوع، الخبير في العلاقات الأميركية-الإسرائيلية بجامعة رايخمان، في مؤتمر هرتسليا: “كان التوافق بين الحزبين عنصرًا أساسيًا في العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل”. لكنه تآكل “بسبب الاضطرابات داخل الحزب الديمقراطي، وأيضًا لأنّ نتنياهو انحاز منذ عام 2012 إلى جانب الجمهوريين”.
ولم تؤدِ الحرب في قطاع غزة والانطباع السائد بأنّ نتنياهو دفع ترامب إلى خوض حرب مع إيران إلا إلى تعميق الشرخ بين البلدين، إذ يرى عدد متزايد من الأمريكيين أنّ الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل مفرط.
وقال مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة: “هذه هي المرة الأولى في تاريخ علاقاتنا مع الولايات المتحدة التي لا نملك فيها ملاذًا. في الماضي، عندما كانت إسرائيل تواجه مشكلة مع إدارة جمهورية، كانت تلجأ إلى الديمقراطيين، والعكس صحيح”.
وقالت شترنهل إنّ التغطية الإعلامية المحلية في إسرائيل حجبت عن الجمهور حجم انهيار مكانة البلاد الدولية.
وأضافت: “من الصعب للغاية سدّ الفجوة بين الطريقة التي جرت بها تغطية الحرب في غزة داخل إسرائيل، من منظور الجيش الإسرائيلي، وبين الطريقة التي غُطيت بها في بقية العالم، من منظور الكارثة الإنسانية الفلسطينية. يعيش الإسرائيليون في فقاعة إعلامية، ولذلك، فإنّهم يشعرون بالصدمة من الطريقة التي بدأ بها ترامب والحزب الجمهوري يفقدان صبرهما تجاههم”.
قالت غايل تلشير، المحللة السياسية في الجامعة العبرية، إنّ ترامب يبتعد بشكل منهجي في خطابه عن رئيس الوزراء الإسرائيلي. وأضافت: “في البداية، عندما قال ترامب إنّ نتنياهو رئيس وزراء في زمن الحرب، بدا الأمر وكأنه مجاملة. لكن عندما يقول ذلك الآن، فهو في الحقيقة يعني أنه من المستحيل مع نتنياهو إغلاق الجبهات والحروب ومن المستحيل التوصل إلى السلام”.
يركز الإسرائيليون على انتخاباتهم المقبلة أكثر من الانتخابات التمهيدية الأميركية، التي تُعتبر قضية هامشية في إسرائيل، ويرى منتقدو نتنياهو أنّ سياسته الخارجية مدفوعة ببقائه السياسي الداخلي.
ورغم أنّ الجيشين الأميركي والإسرائيلي نادرًا ما كانا بهذا القدر من التنسيق كما في حرب إيران، فإنّ اتفاق ترامب لوقف إطلاق النار مع إيران في يونيو/ حزيران لم يحظَ بشعبية لدى بعض الإسرائيليين. وبينما قلّل نتنياهو من أهمية الخلافات حول هذا الأمر، فإنّ حلفاءه في السياسة والإعلام ألقوا باللوم على البيت الأبيض في أوجه القصور المرتبطة بالحرب، وقد انهارت الهدنة منذ ذلك الحين.
قالت تلشير: “نتنياهو يلعب لعبة خطيرة للغاية، ويعرّض العلاقة مع الولايات المتحدة، ومع الجمهوريين، ومع إدارة ترامب، وبالتأكيد مع الرئيس المقبل، سواء كان ديمقراطيًا أو جمهوريًا، للخطر”.

مع تغيّر نظرة الأميركيين تجاه إسرائيل، يدعو بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى تغييرات منهجية في اعتماد إسرائيل على واشنطن. قال أورين: “على إسرائيل أيضًا أن تنوّع خياراتها في السياسة الخارجية. لا يوجد بديل عن أميركا، لن نقيم تحالفًا مع روسيا أو الصين. لكن مع ذلك، يجب ألا نكون معتمدين بشكل مطلق على الولايات المتحدة كما كنا”.
ورغم أنّ نتنياهو دعا علنًا إلى إنتاج الذخيرة بشكل مستقل، فإن آخرين يشددون على اعتماد إسرائيل البنيوي العميق على الولايات المتحدة. قال جلبوع: “في المستقبل القريب، ستضطر إسرائيل إلى القتال من أجل بقائها في الولايات المتحدة، لأن هذه الحرب أثبتت أنّ إسرائيل تعتمد عليها بشكل كامل”.
قالت شترنهل: “السؤال الكبير يتعلق بجيل الجمهوريين الأصغر سنًا”، مشيرة إلى نائب الرئيس جي دي فانس، الذي انتقد مؤخرًا المسؤولين الإسرائيليين الذين عارضوا اتفاق إيران. وأضافت: “بالنسبة له، تُعتبر إسرائيل عبئًا، دولة تسبب المتاعب للولايات المتحدة، وليس لدي شك في أنه إذا أصبح رئيسًا، فإنّ السياسة تجاه إسرائيل ستكون مختلفة”.
ويتماشى هذا التحول مع الشكوك المتزايدة بين الشباب الأميركيين تجاه إسرائيل. قال جيسي وينبرغ، الباحث المتخصص في العلاقات بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: “نتائج الانتخابات التمهيدية في ميشيغان تُظهر الاتجاه الأوسع، إذ يتبنى الجيل الأصغر موقفاً معاديًا لإسرائيل بشكل واضح”، مؤكدًا أنّ حرب غزة “هي واحدة من اللحظات السياسية الحاسمة بالنسبة لكثير من الناخبين الشباب”.
قالت شترنهل: “لا أعتقد أنه يمكن المبالغة في عمق العداء بين الجيل الديمقراطي الأصغر في الولايات المتحدة تجاه إسرائيل. يُنظر إليها اليوم باعتبارها إمبراطورية شريرة. ولا أرى موقفهم تجاه إسرائيل سيكون أقل حدة مع نضوجهم”.
في كلا البلدين، يرى كثيرون أنّ حكومة إسرائيلية جديدة محتملة قد تكون فرصة لإصلاح العلاقات مع واشنطن. وقالت تلشير إن المرشحين الساعين لخلافة نتنياهو، سواء نفتالي بينيت أو غادي آيزنكوت، يجب أن يؤسسوا علاقات مع الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وأن يعملوا على تغيير الرأي العام الأميركي الأوسع “لإعادة ضبط العلاقة الثنائية بعيدًا عن سياسات نتنياهو”.
وتساءل أورين: “إذا كانت هناك حكومة مختلفة في إسرائيل، فكم ستكون فترة السماح التي سنحصل عليها؟ التقدير الأكثر تفاؤلًا هو نحو ثلاثة أسابيع”.
المصدر: واشنطن بوست