ترجمة وتحرير: نون بوست
يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي تفصله أشهر قليلة عن أول انتخابات إسرائيلية تجري منذ الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل، تحديًا متزايد الصعوبة: كيف يُرضي الرئيس ترامب، وهو أهم حلفائه، من دون أن ينفّر الناخبين في قاعدته اليمينية.
وقد ظهر ذلك التحدي بوضوح بعد أن أعلن ترامب الشهر الماضي أن “مجلس السلام” توصّل إلى اتفاق لنزع سلاح حماس، وسرعان ما قوبل الاتفاق بتشكيك إسرائيلي، ثم رفض نتنياهو يوم الأحد الماضي خطة ترامب علنًا في خلاف علني نادر مع الرئيس الأميركي.
يُظهر هذا الخلاف ما يتعرض له نتنياهو من ضغوط متعارضة في الداخل والخارج، في ظل مواجهته لواحدة من أكبر المعارك السياسية في مسيرته المهنية للفوز بإعادة انتخابه في أكتوبر/ تشرين الأول.
وتدعو خطة ترامب نتنياهو إلى تقديم تنازلات، مثل سحب القوات الإسرائيلية من غزة، وهو ما سيكون غير مقبول لأعضاء قاعدته الانتخابية المتشددة. وفي الوقت نفسه، يتزايد الضغط السياسي على رئيس الوزراء مع تراجعه في استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات.
وقد صرحت شيرا إفرون، رئيسة قسم سياسات إسرائيل في مؤسسة “راند” البحثية: “إنه يسير على حبل سياسي رفيع فمن جهة، يحتاج إلى إرضاء قاعدته الانتخابية وائتلافه اللذان وعدههما بـ‘النصر الكامل’ على حماس. ومن جهة أخرى، لا يريد إغضاب الرئيس ترامب”.
وقد حاول نتنياهو تحقيق توازن مشابه بعد أن وقّعت الولايات المتحدة وإيران اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو/ حزيران، رغم الاعتراضات الإسرائيلية على الاتفاق. في ذلك الوقت، امتثل نتنياهو لمطلب ترامب بأن تلتزم إسرائيل بالهدنة، بينما حاول التخفيف من ردود الفعل الداخلية السلبية، لكن من غير الواضح ما إذا كان ترامب أم قاعدة نتنياهو هو من سيكون لهما التأثير الأكبر بينما يناقش رئيس الوزراء كيفية المضي قدماً في غزة.
بعد مضي أكثر من تسعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس الذي توسطت فيه إدارة ترامب العام الماضي، ما زال كثير من سكان غزة يعيشون في الخيام وبين الأنقاض حيث منعت إسرائيل إعادة الإعمار الشاملة هناك بينما ترفض حماس نزع سلاحها، وقد قُتل أكثر من 1250 شخصًا في الغارات الإسرائيلية منذ التوصل إلى الاتفاق، إضافة إلى أكثر من 70 ألفًا قُتلوا خلال الحرب التي استمرت عامين، بحسب وزارة الصحة في غزة، التي لا تميز بين المدنيين والمقاتلين.

يبدو أن الزعيم الإسرائيلي قدّم بعض التنازلات المحدودة، مثل التوقف مؤقتًا عن الغارات الجوية شبه اليومية في القطاع. وفي الأيام التي تلت إعلان ترامب عن صفقة حماس، واصل الجيش الإسرائيلي ضرباته في غزة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصًا وإلحاق أضرار بمستودعات مليئة بالإمدادات الطبية، وفقاً لمسؤولين فلسطينيين.
وكتب محمد دحلان في 2 أغسطس/ آب، وهو شخصية فلسطينية مؤثرة منفية ومقرب من رئيس الإمارات العربية المتحدة، على مواقع التواصل الاجتماعي أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، قد أخبره بأنه “يعمل مع الجانب الإسرائيلي لوقف الهجمات على غزة”.
في اليوم التالي، التقى نتنياهو بمسؤولين كبار من “مجلس السلام”، بينهم نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي البلغاري المخضرم الذي يشغل منصب الممثل السامي للمنظمة في غزة.
وعقب هذه الضغوط، وافق نتنياهو على إصدار أوامر للجيش بوقف غاراته الجوية، وفقًا لثلاثة أشخاص أُطلعوا على تفاصيل المحادثة، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة تفاصيل حساسة.
وقال محمود باسل، أحد المسؤولين في الدفاع المدني بغزة، إن آخر غارة جوية إسرائيلية على غزة وقعت مساء الاثنين الماضي. وكانت تلك هي الليلة نفسها التي التقى فيها مسؤولو “مجلس السلام” مع نتنياهو، ولم يتضح بعد إلى متى ستستمر فترة هدوء الهجمات على القطاع.
وقال نمرود نوفيك، وهو مسؤول إسرائيلي سابق رفيع المستوى ويعمل حاليًا باحثًا في “منتدى السياسة الإسرائيلية”، وهو مجموعة بحثية مقرها نيويورك: “أعتقد أن ما نشهده هو محاولة من نتنياهو لإظهار قوته على الصعيد الداخلي، مع اتخاذ خطوات متواضعة نحو تلبية بعض مطالب الإدارة الأمريكية”.
ولكن نتنياهو سيضطر إلى اتخاذ خطوات إضافية تنطوي على تكلفة سياسية أعلى في إطار الاتفاق مع حماس، وقد رفض بالفعل أي انسحاب للقوات الإسرائيلية من غزة قبل أن تقوم حماس بنزع سلاحها بالكامل.
ويشكك العديد من الإسرائيليين في قدرة “مجلس السلام” الذي أنشأه ترامب على نزع سلاح حماس فعليًّا وتدمير أنفاقها ومستودعات أسلحتها.

وقال إيلي غرونر، المدير العام السابق لمكتب رئيس الوزراء: “يبدو لي وللغالبية العظمى من الإسرائيليين أن هذا افتراض متفائل للغاية بشأن تعاون حماس”.
تنص الصفقة أيضًا على أن تلتزم إسرائيل أولًا بجزءها من الهدنة التي وافقت عليها العام الماضي، بما في ذلك وقف الغارات الجوية، وسحب قواتها داخل غزة، والسماح بدخول المزيد من المساعدات إلى القطاع الفلسطيني المدمر.
ويأتي توقيت الاتفاق الذي أبرمه ترامب في وقت صعب بشكل خاص بالنسبة لحملة إعادة انتخاب نتنياهو، نظرًا لتقدم منافسيه بشكل كبير في استطلاعات الرأي العام.
وتُظهر معظم الاستطلاعات أن نتنياهو وحلفاءه سيحصلون على ما بين 51 و53 مقعدًا من أصل 120 في البرلمان الإسرائيلير، أي أقل من الـ61 مقعدًا المطلوبين عادة لتشكيل حكومة، ويتفوق حزب سياسي جديد أسسه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق بانتظام على حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو، والذي ظل لفترة طويلة أكبر حزب منفرد في البلاد.
سيتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول في أول انتخابات وطنية منذ الهجمات التي شنتها حركة حماس في 7 أكتوبر/ تشرين 2023، والذي يُعد اليوم الأكثر دموية في تاريخ إسرائيل؛ حيث قُتل حوالي 1,200 شخص واحتُجز حوالي 250 رهينة في الهجوم، مما أدى إلى اندلاع الحرب الإسرائيلية المدمرة في غزة.
يحمل العديد من الإسرائيليين نتنياهو مسؤولية هذه الكارثة، وحتى مؤيدوه يعترفون بأنه على الرغم من وعوده بتدمير حماس بعد الهجوم، فإن الجماعة المسلحة الفلسطينية لا تزال تسيطر على أجزاء من قطاع غزة.

ويقتصر الاتفاق الذي أبرمه ترامب مع حماس عن تحقيق الوعد الذي قطعه نتنياهو بفرض استسلامها الكامل، ولا يتضمن الاتفاق أي إشارة إلى نفي كبار القادة العسكريين، بل يتيح لبعض أعضاء الحكومة التي تديرها حماس سبل البقاء في وظائفهم بالقطاع العام.
وقد تؤدي مشاهد انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة إلى تقويض حجة نتنياهو أمام ناخبي اليمين بأنه انتصر في الحرب ضد حماس.
وقال نوفيك: “هذا ليس شكل الانتصار الذي كان يروج له طوال فترة الحرب؟.
أمضى مفاوضو مجلس السلام شهورًا في مراجعة النص خلال جولات من المحادثات مع قادة حماس، ووفقًا لاثنين من المسؤولين المطلعين على المفاوضات، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما لأنهما غير مخولين بالتحدث علنًا، تم حذف البنود التي تنص صراحةً على أن حماس لن تمتلك أي أسلحة من المسودات اللاحقة.
يُلزم الاتفاق النهائي حماس بـ”إيقاف وتخزين” أسلحتها الثقيلة في عملية يقودها فريق جديد من التكنوقراط الفلسطينيين المدعومين من الولايات المتحدة. لكنه أجّل تفاصيل حاسمة – مثل الجدول الزمني لتسليم حماس أسلحتها وانسحاب إسرائيل – إلى محادثات مستقبلية.
وقال زوهار بالتي، المدير السابق لشؤون السياسات في وزارة الدفاع الإسرائيلية، إن العديد من العناصر الضرورية لتنفيذ رؤية الإدارة الأمريكية لا تزال موجودة على الورق فقط، وأضاف أن الاقتراح يتصور وجود آلاف الجنود من قوة أمنية دولية وتمويلًا واسع النطاق لإعادة إعمار غزة، ولم يتحقق أي منهما بالكامل حتى الآن.
وأضاف: “هل هناك أحد قادر على ملء الفراغ عند انسحاب إسرائيل؟ الجواب هو لا”.
المصدر: نيويورك تايمز