أثار رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بإعلانه الأحد 9 أغسطس/آب الجاري رفضه العلني لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن المرحلة الثانية من اتفاق سلام غزة، حالة من الجدل في الأوساط السياسية، لا سيما في الداخل الأمريكي، وعلى المستوى الدولي بصفة عامة.
وكان نتنياهو قد اشترط نزع سلاح حركة حماس فعليًا وبشكل كامل قبل سحب قوات الاحتلال من القطاع، فيما أعلنت الحركة، استجابة للضغوط الإقليمية، موافقتها على بند نزع السلاح، شريطة أن يتم ذلك بالتوازي مع انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة.
ورغم الرفض الإسرائيلي لخارطة الطريق المكونة من 15 بندًا التي قدمها ترامب، تجنب الرئيس الأمريكي الدخول في صدام علني مع نتنياهو، مؤكدًا أن علاقته به جيدة، فيما امتنع البيت الأبيض بدوره عن التعليق على رفض الحكومة الإسرائيلية للخطة المطروحة، وفي الوقت نفسه، حاولت بعض الأصوات داخل الإدارة الأمريكية تفسير موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي باعتباره استعراضًا انتخابيًا، من دون توجيه انتقاد مباشر إليه.
واللافت هنا؛ أن إدارة ترامب كانت قد تحدثت بثقة شديدة في يناير/كانون الثاني الماضي عن أن ملف غزة بات “مشروعًا أمريكيًا”، وأن نتنياهو لن يكون قادرًا عمليًا على تعطيله، وأنه سيستجيب لما تطرحه واشنطن، وهو ما يتعارض مع موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي الراهن، ليمنح هذا الرفض دلالة أوسع من مجرد خلاف تكتيكي بين ترامب ونتنياهو حول غزة، بقدر ما يجعله اختبارًا عمليًا لسؤال أكثر أهمية: من يحدد قواعد اللعبة في هذا الملف، واشنطن أم تل أبيب؟
تتعمق الخلافات بين واشنطن والاحتلال بشأن تنفيذ خطة غزة.. فلماذا يرفض نتنياهو الانتقال إلى مرحلتها التالية؟ pic.twitter.com/Z7TNh3GuAQ
— نون بوست (@NoonPost) August 10, 2026
حسابات نتنياهو المأزوم
لا يمكن قراءة موقف نتنياهو هذا بعيدًا عن حساباته السياسية الداخلية، واقتراب موعد الانتخابات التي ستحدد، إلى حد كبير، مستقبله السياسي، وربما مصيره الشخصي أيضًا، في ظل ما يواجهه من اتهامات بالفساد قد تفتح أمامه أبواب السجن حال مغادرته منصبه.
ومن هنا، يرى نتنياهو أن إنهاء ملف غزة والانسحاب من القطاع، حتى في حال تسليم حركة حماس سلاحها، يعني التخلي عن إحدى أهم الأوراق التي يوظفها لخدمة حساباته السياسية المباشرة، فالإبقاء على حالة التوتر والتعبئة، واستمرار اشتعال المشهد داخليًا وخارجيًا، يمثلان إحدى الركائز التي يستند إليها للحفاظ على الوضع القائم وضمان استمراره على رأس الحكومة.
وفي السياق ذاته، تأتي الضغوط التي يمارسها عليه اليمين المتطرف الرافض للانسحاب من غزة، والذي يلوح بالانسحاب من الحكومة حال الموافقة على مثل هذه الخطوة، بما قد يهدد تماسك الائتلاف الحاكم ويضعف فرص نتنياهو الانتخابية، لا سيما في ظل تراجع شعبيته مؤخرًا على خلفية إدارته لملفي غزة وإيران.
ومن هنا يمكن قراءة موقف نتنياهو باعتباره يحمل رسالتين موجهتين إلى جمهورين مختلفين، الأولى شعبوية إلى الداخل الإسرائيلي، ومفادها أنه لم يخضع لترامب رغم الضغوط التي تمارس عليه؛ بما يعزز شعبيته، والثانية تحذيرية إلى الداخل الأمريكي، ومضمونها أن ممارسة مزيد من الضغوط عليه قد تؤدي إلى اضطرابات داخل الائتلاف الحاكم، وربما إلى سقوط الحكومة وصعود قوى سياسية أخرى، وهي ورقة سبق أن استخدمها رؤساء حكومات إسرائيليون أكثر من مرة، عبر تحويل القيود والضغوط الداخلية إلى أداة تفاوضية في مواجهة البيت الأبيض، وتوظيف هشاشة الائتلاف الحكومي باعتبارها مبررًا لرفض بعض المطالب الأمريكية أو تأجيل الاستجابة لها.
ترامب في حرج
حتى وإن تجنب ترامب انتقاد نتنياهو بصورة مباشرة، فإن رفض الأخير للخطة الأمريكية يضع الرئيس الأمريكي في مأزق سياسي وأخلاقي كبير، سواء أمام الشارع الأمريكي أو الرأي العام العالمي، فالخطة المطروحة لم تكن مجرد مقترح أولي قابل للنقاش والتقييم وتباين وجهات النظر، وإنما جاءت بعد جولات متعددة من المشاورات والتفاهمات، حتى إن ترامب نفسه وصفها بأنها “تاريخية”، لا سيما فيما يتعلق ببند نزع سلاح حركة حماس.
كما أن الخطاب الإعلامي والسياسي الأمريكي، الذي قدم الاتفاق باعتباره شبه نهائي، وروّج لفكرة أن إسرائيل لن تكون قادرة على الاعتراض عليه أو عرقلة تنفيذه، يضاعف من حرج ترامب وإدارته، إذ إن استمرار نتنياهو في رفض الخطة قد يظهر الرئيس الأمريكي في صورة العاجز عن تنفيذ تعهداته، وغير القادر على تمرير اتفاق رعته إدارته لدى حكومة حليفة تُعد من أقرب حلفاء واشنطن.
ومن هنا يجد ترامب نفسه أمام مأزق متشعب؛ سواء في مواجهة أعضاء ما يُسمى “مجلس سلام غزة”، أو أمام الوسطاء والضامنين للاتفاق، فضلًا عن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بصفة عامة، إلى جانب الحرج المتوقع أمام الحلفاء الأوروبيين، خاصة إذا أصر نتنياهو على موقفه الرافض للخطة ولم تتمكن واشنطن من دفعه إلى التراجع أو تقديم تنازلات تسمح بتنفيذها.
كل ذلك من شأنه أن يفاقم تراجع شعبية ترامب والحزب الجمهوري، المتراجعة بالفعل خلال الآونة الأخيرة، بما قد ينعكس بصورة مباشرة على انتخابات التجديد النصفي المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والتي ستحدد إلى حد كبير ملامح المستقبل السياسي لإدارة ترامب خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرتها على تمرير أجندتها في النصف الثاني من ولايته.
اختبار السقف الأمريكي
القضية هنا ليست قضية نفوذ أو سلطة، ولا تتعلق بمن يمتلك أوراق ضغط أكثر من الآخر؛ فالولايات المتحدة، بطبيعة الحال، تملك العديد من الأدوات التي يمكن من خلالها دفع حكومة نتنياهو إلى الرضوخ والقبول بالخطة، لكن الفارق الجوهري هنا يكمن بين امتلاك أدوات الضغط والاستعداد الفعلي لاستخدامها.
ومن هذا المنطلق، يحاول نتنياهو، عبر تمسكه بموقفه الرافض، اختبار حدود السقف الأمريكي، وما إذا كانت واشنطن مستعدة بالفعل لاستخدام ما تمتلكه من أوراق وأدوات ضغط، أم أنها ستكتفي بالبيانات والتصريحات والسجال الإعلامي والسياسي، بما لا يغير شيئًا من الواقع، ويفتح المجال في النهاية أمام تمرير الرؤية الإسرائيلية.
ورغم التوتر الذي شهدته العلاقة بين ترامب ونتنياهو خلال الآونة الأخيرة، على خلفية تباين وجهات النظر بشأن الوسائل والاستراتيجيات أكثر منه بشأن الأهداف والرؤى النهائية، فإن رئيس حكومة الاحتلال يراهن، فيما يبدو، من خلال تشبثه بموقفه، على أن تكلفة الدخول في صدام مباشر معه ستكون بالنسبة لترامب أعلى من تكلفة تعديل الخطة بما يجعلها أكثر اتساقًا مع الأجندة الإسرائيلية.
تقويض قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها
من زاوية أخرى تذهب مجلة “بوليتيكو” إلى أن رفض نتنياهو خطة النقاط الـ15 الخاصة بغزة من شأنه أن يقوض الثقة في “مجلس السلام”، ويثير تساؤلات بشأن قدرة إدارة ترامب على التأثير في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، فضلًا عن التشكيك في قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها الإقليمية، في وقت تواجه فيه ملفات شديدة التعقيد، تبدأ من تثبيت إنهاء الحرب مع إيران، ولا تنتهي بمحاولات تهدئة المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.
ونقلت المجلة، عن عدد من الدبلوماسيين المطلعين على الاستراتيجية الأمريكية، أن واشنطن تبدو أمام احتمالين، إما أنها تفتقر إلى النفوذ اللازم لتحقيق أهدافها في غزة، أو أنها تمتلك هذا النفوذ لكنها غير راغبة في ممارسته فعليًا، وهو ما يثير، بحسب هؤلاء الدبلوماسيين، مخاوف أوسع بشأن قدرة الولايات المتحدة على إدارة المفاوضات والملفات المتشابكة على مستوى المنطقة.
وأجمع الدبلوماسيون على أن الموقف المفاجئ الذي اتخذه نتنياهو قد تترتب عليه تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي طويل الأمد، وكذلك على الأمن الإسرائيلي نفسه، انطلاقًا من أن ترامب يظل الطرف الأكثر قدرة على التأثير في مسار الأزمة، ومن ثم، يمكن للرئيس الأمريكي السعي إلى استعادة زمام المبادرة والضغط على نتنياهو لإعادة النظر في موقفه، أما إذا فشل في ذلك، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الفوضى والاضطراب، بما يهدد مصالح مختلف الأطراف.
من يحدد قواعد اللعبة؟
بداية، لا بد من الإشارة إلى أنه رغم ما يبدو على السطح من خلاف كبير بين نتنياهو وترامب، فإن الفجوة بينهما في الرؤى ليست واسعة، كما لا يوجد تباين استراتيجي جوهري في النظرة إلى الملف برمته، فكلاهما يتحرك نحو الأهداف نفسها تقريبًا، إنهاء حكم حماس، ونزع سلاحها، وإعادة ترتيب قطاع غزة أمنيًا بما يخدم الأجندة الإسرائيلية، وضمان عدم عودة المقاومة إلى المشهد، على الأقل خلال السنوات المقبلة.
لكن الخلاف بين الطرفين يتعلق بالاستراتيجية وآلية التنفيذ، وهو أقرب إلى صراع بين نسختين لرؤية واحدة؛ فترامب يريد نزعًا تدريجيًا للسلاح مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، تحت رقابة وضمانات دولية، فيما يتمسك نتنياهو بنزع سلاح حماس بالكامل أولًا، ثم الانتقال بعد ذلك إلى مناقشة ملفي الانسحاب وإعادة الإعمار.
وأمام معركة الروايات تلك، يبقى السؤال الأهم: من يحدد قواعد اللعبة؟ فإذا تراجعت واشنطن، وحاولت التحايل على الخطة أو إعادة صياغتها بما يلبي مطالب نتنياهو، فسيكون لذلك أثر سلبي على إدارة ترامب داخليًا وخارجيًا، كما سيؤدي بطبيعة الحال إلى رفع أسهم نتنياهو وحكومته، ويمنحهما قدرة أكبر على فرض رؤيتهما على واشنطن، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية واستراتيجية واسعة.
هل يستطيع نتنياهو تعطيل الخطة، أم تمضي واشنطن في تنفيذها رغم اعتراضه؟
واشنطن تؤكد التزامها بخطة الـ15 نقطة رغم رفض نتنياهو، الذي تعتبره مصادر أمريكية “مناورة سياسية
الخطة تشمل نزع سلاح حماس تدريجيًا، انسحاب إسرائيلي، نشر قوة دولية، وإدارة فلسطينية .
حماس أعلنت موافقتها. pic.twitter.com/0f0EtEwHro
— نون بوست (@NoonPost) August 12, 2026
أما على الجانب الآخر، فإذا تمسكت واشنطن بمبدأ التنفيذ المتبادل والمتدرج، ومارست ضغوطًا على “إسرائيل” بالقدر نفسه الذي مارسته على حماس والدول الوسيطة لقبول المقترح كما هو، فسيعني ذلك أن ترامب لا يزال قادرًا على فرض قدر من الاستقلال في القرار الأمريكي عن الحكومة الإسرائيلية، كما سيعزز ذلك من صورته داخليًا، ويدعم مكانة الولايات المتحدة دوليًا، ويفرض قدرًا أكبر من الاحترام لإدارته وكلمتها لدى الحلفاء والوسطاء.
نحن إذن، أمام معركة روايات واستراتيجيات تتقاطع في الهدف النهائي المشترك والمتطابق، ولا ترتبط، من قريب أو بعيد، بحقوق الشعب الفلسطيني أو بفرض تهدئة حقيقية وسلام مستدام، فكل طرف يسعى إلى الانتصار في هذه المواجهة عبر فرض مقاربته الخاصة وآلية التنفيذ التي تخدم حساباته ومصالحه.
وتزداد أهمية هذه المعركة في ظل ما يواجهه كل من ترامب ونتنياهو من مأزق سياسي داخلي، يرتبط في جانب كبير منه باستحقاقات انتخابية ستحدد إلى حد بعيد ملامح مستقبلهما السياسي خلال المرحلة المقبلة، وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: من سينتصر في معركة كسر الإرادات تلك، ومن سيتمكن في النهاية من فرض رؤيته وشروطه على الآخر؟