في أواخر يونيو/حزيران الماضي، نشرت منصة “نبض أفريقيا” (Pulse of Africa) المنصة الإعلامية الرقمية التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي شخصيًا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 – خبرًا قصيرًا بصيغة لافتة: “وقّعت مؤسسة إثيوبية متخصصة في الشؤون الخارجية، وأكاديمية دبلوماسية إماراتية اتفاقية تعاون تهدف إلى تعزيز الشراكة في مجالات التدريب الدبلوماسي وتبادل الخبرات والبحوث.. وجرى توقيع الاتفاقية في أديس أبابا على هامش منتدى إقليمي أفريقي إماراتي”.
كان الخبر صحيحًا في مضمونه، لكن اللافت أن المؤسسة الإثيوبية التي بُنيت للمجهول فيه هي “معهد الشؤون الخارجية” – الذراع البحثية والتدريبية الرسمية لوزارة الخارجية الإثيوبية، بينما الأكاديمية الدبلوماسية الإماراتية المجهولة أيضًا هي “أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، وهي مؤسسة إماراتية اتحادية تحمل اسم المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة الإماراتي ونائب رئيس مجلس أمنائها، وحتى المنتدى الإقليمي الذي جرى تجريده من اسمه هو “حوار هيلي الإقليمي” الذي نظّمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالتعاون مع الأكاديمية ذاتها في أديس أبابا يومي 25 و26 يونيو/حزيران الماضي، في نسخته الأفريقية الأولى بعد نسخة ريو دي جانيرو 2025.
في تغطيتها للخبر، صاغت منصة “نبض أفريقيا” الحدث كالتالي: “وقّعت مؤسسة إثيوبية متخصصة في الشؤون الخارجية وأكاديمية دبلوماسية إماراتية اتفاقية تعاون.. وجرى توقيع الاتفاقية في أديس أبابا على هامش منتدى إقليمي أفريقي– إماراتي”. أي أن الصياغة أسقطت عمدًا أربعة معطيات جوهرية: اسم المعهد، وتبعيته لوزارة الخارجية الإثيوبية، واسم الأكاديمية، وارتباطها بأنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة الإماراتي – بل وحتى اسم “حوار هيلي” نفسه جرى تجريده إلى “منتدى إقليمي”، وهو تعتيم منهجي شمل كل مُعرِّف قابل للتتبع، مع الإبقاء على مضمون الخبر.
في المقابل، نشرت أكاديمية أنور قرقاش على منصاتها الرقمية الخبر بصيغة كاملة ومفصلّة “وقعت أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية مذكرة تفاهم مع معهد الشؤون الخارجية في إثيوبيا، على هامش فعاليات “حوار الإمارات–إفريقيا – هيلي الإقليمي” المنعقد في إثيوبيا – أديس أبابا يومي 25–26 يونيو 2026.”
وجاء في الخبر “وقّع مذكرة التفاهم سعادة الدكتور محمد إبراهيم الظاهري، نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، وسعادة جعفر بدرو، المدير التنفيذي لمعهد الشؤون الخارجية في إثيوبيا، وذلك بحضور سعادة محمد سالم الراشدي، سفير دولة الإمارات لدى جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية.
تهدف المذكرة (بحسب النص) إلى تعزيز التعاون بين الجانبين في مجالات البحث والدراسات في قضايا السياسة الخارجية، وتنظيم الحوارات الاستراتيجية، وبرامج بناء القدرات الدبلوماسية، وتبادل الخبراء والباحثين، بما يسهم في دعم الشراكة بين دولة الإمارات وإثيوبيا على المستويين الأكاديمي والدبلوماسي.
والمفارقة أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد دشّن شخصيًا منصة نبض أفريقيا Pulse of Africa الإعلامية الرقمية في أديس أبابا في أكتوبر/تشرين الأول 2025، مقدّمًا إياها كأداة لمواجهة “الصور السلبية عن أفريقيا” وتمكين القارة من “صياغة سردياتها الخاصة” بعيدًا عن الوصاية الخارجية.

أي أن هذه المنصة ليست وسيلة إعلام مستقلة، بل مشروع سردي شبه رسمي يعمل تحت رعاية رئيس الوزراء شخصيًا ويستهدف عبر نسخته العربية – التي يتم التركيز عليها – الجمهور العربي والأفريقي الناطق بالعربية، فهي جزء من مشروع إعلامي إثيوبي ضمن استراتيجية قوة ناعمة تسعى لترسيخ أديس أبابا مركزًا فكريًا وإعلاميًا للقارة انطلاقًا من احتضانها مقر الاتحاد الأفريقي.
غير أن هذه المنصة التي أعلن آبي أحمد أنها جاءت لمواجهة السرديات الإعلامية السلبية لأفريقيا بعيدًا عن الوصاية الخارجية؛ وجدت نفسها بعد أقل من عام على إطلاقها، تمارس حجب السردية لصالح راعٍ خارجي. فهذا التعتيم المزدوج الذي تعمّد إخفاء تبعية المعهد لوزارة الخارجية الإثيوبية، وإخفاء ارتباط الأكاديمية بأقرب دوائر القرار إلى محمد بن زايد ليس تفصيلًا تحريريًا عابرًا، بل عيّنة مختبرية مكثفة تختصر حكاية أكبر، حكاية دولة صارت سياستها الخارجية مرهونة إلى حدّ باتت تخجل فيه من تسمية شريكها، كما سنفصّل في هذا التقرير.
الإنقاذ المالي والعسكري
لفهم كيف وصلت أديس أبابا إلى هذه النقطة، لا بد من العودة إلى صيف 2018 عندما كان آبي أحمد قد وصل للتوّ إلى كرسي رئاسة الوزراء، والاقتصاد الإثيوبي يختنق بأزمة نقد أجنبي خانقة تهدد النظام الجديد قبل أن يشتد عوده، في تلك اللحظة تحديدًا دخلت أبوظبي بوديعة قدرها ثلاث مليارات دولار في البنك المركزي الإثيوبي، مع حزمة استثمارات موازية.
ولم يكن المال وحده، فقد رعت الإمارات في الشهور ذاتها اتفاق السلام الإثيوبي – الإريتري الذي منح آبي أحمد جائزة نوبل للسلام ومنح أبوظبي صورة “صانع السلام” في القرن الأفريقي – قبل أن ينهار الاتفاق لاحقًا ويتحول الطرفان اللذان جمعتهما الإمارات إلى حافة الحرب.
ثم جاء الاختبار الوجودي حين اندلعت حرب تيغراي أواخر 2020 وزحفت قوات الجبهة الشعبية نحو العاصمة في خريف 2021، وثّقت تحقيقات استقصائية ومنصات تتبّع الطيران جسرًا جويًا إماراتيًا حمل المسيّرات والعتاد إلى الجيش الإثيوبي في اللحظة التي بدا فيها سقوط أديس أبابا مسألة أسابيع.. تلك المسيّرات قلبت ميزان الحرب، ورسّخت في وعي آبي أحمد معادلة لا فكاك منها أن بقاء نظامه دَين في عنقه لأبوظبي.

فوق هاتين الطبقتين – المالية والعسكرية – بُنيت طبقة ثالثة اقتصادية ولوجستية: استثمارات شركة مصدر الإماراتية في الطاقة الشمسية، ومشاريع الزراعة والعقار، والممرات اللوجستية التي تربط الاقتصاد الإثيوبي الحبيس بموانئ تديرها الشركات الإماراتية على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن، بحيث يمرّ حلم أديس أبابا البحري أيًا كان مساره عبر بنية تحتية تتحكم فيها أبوظبي.
ثم جاءت مذكرة يونيو/حزيران 2026 لتُكمل الهرم بطبقته الرابعة والأكثر دهاءً، طبقة صناعة الوعي الدبلوماسي ذاته فالمذكرة الموقعة بين أكاديمية قرقاش ومعهد الشؤون الخارجية تشمل تدريب الدبلوماسيين، والبحوث المشتركة، وحوار السياسات، والمنشورات المشتركة، وتبادل الخبراء. أي أن أبوظبي بعد أن اشترت البقاء المالي للنظام لضمان بقاءه العسكري وربطت اقتصاده بشبكتها، دخلت الآن على خط تأهيل الجيل القادم من دبلوماسيي إثيوبيا وصياغة الأوراق التي تتغذى عليها وزارة خارجيتها.
جدير بالذكر أن الإمارات جرّبت هذا النموذج من قبل مع جامعات مرموقة كجونز هوبكنز الأمريكية، لكن الفارق الجوهري هنا أن العلاقة مع الجامعة الأمريكية علاقة قائمة على الندية المؤسسية وتبادل القيمة المادية مقابل المعرفة الحصرية، بينما توقيع مذكرة الأكاديمية الإماراتية مع معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي لا يُنظر إليه كشراكة بين ندّين أكاديميين، بل كأداة قوة ناعمة تابعة للدعم المالي، والعسكري، والاستثماري الضخم الذي تقدمه أبوظبي للحكومة الإثيوبية، إذ لم يُخفِ المدير التنفيذي للمعهد جعفر بدرو طموح الترتيب، مشيرًا إلى أن المذكرة ليست إجراءً شكليًا، بل هي بداية شراكة طويلة الأمد.
الإمارات تملي القرارات: شهادات من الداخل
ما كان يُهمس به في أروقة أديس أبابا خرج إلى العلن مطلع هذا العام، ففي تحقيق نشره ميدل إيست آي البريطاني في 21 يناير/كانون الثاني 2026، نقل فيه عن مستشار سابق للحكومة الإثيوبية عمل معها لأكثر من عقد أن آبي أحمد يرى مستقبل بلاده في الاصطفاف الكامل خلف المحور الإماراتي دون سواه من الخيارات، وأن مسؤولين داخل وزارة الخارجية الإثيوبية وخارجها باتوا يعتقدون أن الإمارات هي التي تُملي على إثيوبيا قراراتها في ثلاثة ملفات مفصلية على الأقل: التعامل مع الحكومة السودانية، والعلاقة مع قوات الدعم السريع، والموقف من إريتريا وميناء عصب – وذلك على مدى العامين الماضيين – بل ذهب المستشار إلى ما هو أبعد، كاشفًا أن آبي أحمد “كاد أن يغزو “عصب”، العام الماضي، بإيعاز من أبوظبي”.
هذه الإفادة تستحق التوقف عندها طويلًا: فغزو ميناء عصب الإريتري المنفذ البحري الذي فقدته إثيوبيا باستقلال إريتريا عام 1993 كان سيعني حربًا إقليمية شاملة في القرن الأفريقي، وأن يكون القرار بحجم الحرب والسلم قد اقترب من التنفيذ “بإيعاز” من عاصمة خليجية، فذلك يعني أن ما يوصف بالشراكة تجاوز منطق التحالف إلى منطق التبعية، إذ لم تعد أبوظبي تؤثر في الحسابات الإثيوبية فحسب، بل تقترح على أديس أبابا حروبها.
ويكتمل المشهد بشهادة المحلل المتخصص في شؤون شمال أفريقيا والاقتصاد السياسي جلال حرشاوي للموقع ذاته، فبعد أن أطاحت الرياض بالمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا من عدن أواخر العام 2025، واضطرت أبوظبي للانسحاب من قاعدتها في بوصاصو الصومالية عقب إلغاء مقديشو جميع اتفاقياتها معها، يرى حرشاوي أن السعودية باتت تتحرك بكثافة لتغيير مسار الحرب السودانية لصالح الجيش، وأن أطرافًا إقليمية عدة ستتكيف مع مبادرات الرياض باستثناء واحد: إثيوبيا.
فأديس أبابا، بحسب تقديره، ستبقى متمسكة بالإمارات، ولهذا السبب تحديدًا نقل الإماراتيون ثقل عملياتهم العسكرية إلى الأراضي الإثيوبية، استعدادًا لهجوم كبير (حدث بالفعل على إقليم النيل الأزرق السوداني المحاذي لإثيوبيا في مارس/ آذار 2026).. وبعبارة أخرى: في اللحظة التي تعيد فيها دول المنطقة من عائلة حفتر في ليبيا إلى حكومات القرن الأفريقي حساباتها بين الرياض وأبوظبي، تبدو إثيوبيا الدولة الوحيدة التي فقدت رفاهية إعادة الحساب، ليس لأن مصلحتها الوطنية تقتضي ذلك بالضرورة، بل لأن بنية الارتهان المتراكمة منذ 2018 لم تترك لها هامشًا للمناورة.
طائرة رئيس الإمارات فوق قاعدة إثيوبية
الشواهد المادية على هذا التحول لا تقل بلاغة عن الشهادات، فقد رصد تحقيق “ميدل إيست آي” ذاته، عبر بيانات تتبع الطيران، سلسلة رحلات لطائرة شحن عملاقة من طراز أنتونوف 124 تحمل الرقم UR-ZYD وتشغّلها شركة “ماكسيموس إير” الإماراتية، بين أبوظبي وقاعدة هرر ميدا – القاعدة الرئيسية لسلاح الجو الإثيوبي – في الثالث والثاني عشر والخامس عشر والسابع عشر من يناير/كانون الثاني 2026، بعضها انطلق من قاعدة الظفرة العسكرية، وقبل أيام من أولى هذه الرحلات، حطّت الطائرة نفسها ثلاث مرات في قاعدة عوفدا الإسرائيلية قادمة من قاعدة الشيخ عيسى البحرينية.
هذه الطائرة ليست مجهولة السيرة، إذ حدّدها فريق خبراء تابع للأمم المتحدة عام 2021 ضمن جسر جوي إماراتي سري لتهريب السلاح إلى قوات حفتر في ليبيا خرقًا لحظر التسليح، وأشار التقرير الأممي إلى أن المالك المستفيد منها هو محمد بن زايد نفسه، وليّ عهد أبوظبي آنذاك ورئيس الدولة اليوم، فيما تتبع الشركة المشغّلة مجموعةً يرأس مجلس إدارة صندوقها السيادي مستشار الأمن الوطني طحنون بن زايد.
الطائرة ذاتها رُصدت سابقًا في جسر تسليح إثيوبيا خلال حرب تيغراي عام 2021، وفي رحلات متكررة إلى تشاد ارتبطت بإمداد الدعم السريع، أما اليوم فوجهتها المفضلة قاعدة جوية إثيوبية، وحذّر مدير مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل، ناثانيال ريموند، من أن تكرار طلعات طائرة بهذه الحمولة نحو مطار قريب من مناطق تصاعد نشاط الدعم السريع مسألة تستوجب قلقًا عالميًا، داعيًا أديس أبابا إلى إغلاق أجوائها أمام الإمارات ووكلائها إن ثبت أن الرحلات تصب في إمداد المليشيا.
ومما يجدر ذكره أن الجيش السوداني كان قد أعلن إسقاط طائرة مسيرة معادية في 23 مايو/أيار الماضي بعد اختراقها الأجواء السودانية قادمة من الأراضي الإثيوبية فوق مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق
هكذا تكتمل الدائرة: الدولة التي كانت تستقبل السلاح الإماراتي لإنقاذ عاصمتها عام 2021 صارت عام 2026 محطة عبور للسلاح الإماراتي المتجه إلى تمزيق جارتها السودان – ومنصة انطلاق بديلة بعدما ضاقت الخيارات الأخرى على أبوظبي من ليبيا إلى بوصاصو.
التعتيم كسياسة تحريرية لتجنب الانتقادات
على ضوء ما سبق، يستعيد منشور منصة نبض أفريقيا المُعتَّم معناه الكامل، فحذف أسماء الموقّعين لم يكن سهوًا ولا أسلوبًا تحريريًا عامًا، إنه قرار اتصالي محسوب يخدم حاجتين متكاملتين. الأولى إماراتية بامتياز: فالنسخة العربية من المنصة تخاطب تحديدًا الجمهور الأكثر احتقانًا ضد الدور الإماراتي.. السودانيين الذين يحمّلون أبوظبي دم مدنهم المحروقة، والصوماليين الغاضبين من مسار إقليم صوماليلاند الانفصالي، واليمنيين والليبيين أصحاب التجربة المباشرة مع التدخلات الإماراتية، فذكر اسم “أكاديمية أنور قرقاش” في منشور عربي كان سيحوّله خلال دقائق إلى ساحة محاكمة شعبية للشراكة الإثيوبية الإماراتية، لذلك جرى بتر المعرِّفات وتمرير المضمون.
أما الحاجة الثانية فإثيوبية داخلية، إذ إن الإقرار العلني بأن الذراع البحثية لوزارة الخارجية تتلقى “بناء قدرات” من أكاديمية دولة خليجية يخدش الخطاب القومي الذي يبني عليه آبي أحمد شرعيته، ويستفز حساسية النخب الإثيوبية التقليدية في الجيش والخارجية التي تعتبر استقلال القرار الوطني جوهر الهوية الإثيوبية ذاتها.
والنتيجة أن التنسيق الإعلامي بين العاصمتين بلغ مستوى إدارة تفاصيل الصياغة في المنصات شبه الرسمية، وأن أديس أبابا نفسها باتت تتعامل مع علاقتها بأبوظبي بوصفها عبئًا سُمعويًا يُدار بالإخفاء لا بالإشهار، وما جرى إخفاؤه في خبر بروتوكولي علني، فالمنطق يقول إن أضعافه يُخفى في التفاهمات غير المعلنة.
لوحظ كذلك أن تغطيات منصة “نبض أفريقيا” للحرب في السودان تقترب من تغطية نظيراتها الإماراتية، إذ تتعمد بشكل كامل تجاهل الإشارة إلى جرائم مليشيا الدعم السريع التي وثقتها معظم وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية الدولية، كما أن المنصة الإثيوبية استضافت في الأيام الماضية القيادي في تحالف “صمود” السوداني خالد عمر يوسف – المعروف بولائه لأبوظبي – والتي يقيم فيها منذ عدة أشهر، ويكرر يوسف السردية الإماراتية المتمثلة في أن الحرب في السودان هي حرب أهلية، في محاولة لإبعاد الدور الإماراتي، وأنه لا يمكن إنهاء هذه الحرب إلا عبر حل سياسي، والحل السياسي بطبيعة الحال يتضمن الإبقاء على المليشيا وإدخال التحالف السياسي الموالي للإمارات ضمن الصفقة.

مفارقة “عدوة”
تبلغ المفارقة ذروتها في شأن معركة عدوة، فآبي أحمد هو نفسه الرجل الذي لا يفوّت مناسبة دون استدعاء معركة عدوة وانتصار القائد العسكري “الراس ألولا أبا نغا” الساحق على الجيش الإيطالي عام 1896 – المعركة التي جعلت من إثيوبيا الدولة الأفريقية الوحيدة التي كسرت المشروع الاستعماري الأوروبي في عصر التكالب على أفريقيا – والتي شيّد لها آبي متحفًا ضخمًا في قلب أديس أبابا وحوّلها ركيزة مركزية في خطابه عن “الكبرياء الإثيوبي” وعراقة الحبشة التي لم تُستعمَر قط.
غير أن الدولة التي هزمت جيشًا أوروبيًا بالرماح والبنادق العتيقة دفاعًا عن استقلال قرارها تجد نفسها اليوم بشهادة مستشاري حكومتها قبل خصومها في موقع من تُملى عليه قراراته في الحرب والسلم من عاصمة خارجية، ومن يكاد يخوض حربًا إقليمية على ميناء بإيعاز خارجي، ومن تمرّ فوق قواعده الجوية طائرات محسوبة على رئيس دولة أجنبية دون أن يجرؤ إعلامه شبه الرسمي حتى على تسمية شريكه.
فسردية عدوة في خطاب آبي أحمد تؤدي اليوم وظيفة تعويضية أكثر منها تعبوية، كلما ازداد الارتهان الفعلي للخارج، ارتفعت جرعة الفخر التاريخي في الخطاب، وكأن استحضار منليك الثاني يداوي ما عجز الحاضر عن صونه. والمحصلة نموذج فريد في التبعية الطوعية، لا قوات احتلال ولا معاهدات إذعان، بل شبكة مصالح ومديونيات – مالية وعسكرية ووجودية – نُسجت بصبر على مدى ثماني سنوات حتى صار الفكاك منها أكلف من البقاء فيها.
بهذا المعنى، ليست مذكرة أكاديمية قرقاش مع معهد الشؤون الخارجية سوى إعلان مؤسسي عن واقع قائم، فبعد أن أمّنت أبوظبي المال والسلاح واللوجستيات، جاء دور تأمين العقول التي ستصوغ السياسة الخارجية الإثيوبية لعقود قادمة. والأهداف من وراء ذلك تتجاوز إثيوبيا ذاتها، فأديس أبابا مقر الاتحاد الأفريقي وبوابة النفوذ نحو القارة، ومنصة الإسناد البديلة في الحرب السودانية بعد انكماش الخيارات الأخرى، وحجر الزاوية في استراتيجية تطويق البحر الأحمر التي تتقاطع فيها المصالح الإماراتية مع الطموح البحري الإثيوبي على حساب إريتريا والسودان والصومال معًا.
يبقى أن أخطر ما في هذا النموذج قابليته للاستنساخ.. فسلسلة “حوارات هيلي” الإقليمية – التي ينظمها مركز الإمارات للسياسات والذي تترأسه أكاديمية تمت بصلة قرابة مع والدة رئيس الإمارات الإقليمية – ستظل مستمرة، كما أن أدوات الاختراق ذاتها “الوديعة والمسيّرات والأكاديمية الدبلوماسية” معروضة على كل عاصمة أفريقية مأزومة.
أخيرًا، في الشهور المقبلة ستتكفل التفاصيل الصغيرة بإخبارنا إلى أين تمضي هذه الحكاية: أيّ عنوان سيحمله أول بحث مشترك يخرج من هذا الاتفاق المؤسسي؟، وكم دبلوماسيًا إثيوبيًا شابًا سيعود من قاعات أبوظبي وقد أعاد ترتيب خرائطه الذهنية عن البحر الأحمر والسودان؟، وهل ستقترب لغة “نبض أفريقيا” بشكل موسع من نبرة أبوظبي وهي تغطي حرب السودان وملف صوماليلاند؟ أم أن المنصة ستواصل لعبة الأسماء المحذوفة كلما مرّ ذكر الإمارات في خبر؟
إن استمر الحجب، كان ذلك أبلغ اعتراف بأن ما وُقّع في أديس أبابا أواخر يونيو/حزيران بين الأكاديمية الإماراتية والمعهد الدبلوماسي الإثيوبي لم يكن مذكرة تفاهم بين مؤسستين بحثيتين، بل عقدًا من عقود الإذعان الناعم تكون المذكرة بموجبه أداة رقابة ناعمة وتوجيه استراتيجي لوزارة الخارجية الإثيوبية، مما يضمن تبعية السياسة الخارجية لأديس أبابا للمحور الإماراتي في المدى الطويل.