Also available in English
تبدو تلال علي الطاهر على الخريطة اللبنانية، نطاقًا محدودًا قرب النبطية في جنوب البلاد، لكنها في حسابات الميدان تحولت إلى عقدة تجمع الرصد والنار والسياسة.
فهذا المرتفع الواقع شمال نهر الليطاني، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، يكشف مدينة النبطية ومداخلها، ويربط جغرافيًا بين قلعة الشقيف ومحاور الليطاني وإقليم التفاح.
لذلك تحولت التلال مؤخرًا إلى اختبار واسع للاحتلال الإسرائيلي الذي يحاول توسيع منطقة سيطرته داخل العمق اللبناني، ولحزب الله الذي يراها خط دفاع عن النبطية والجنوب، وللدولة اللبنانية التي تجد نفسها أمام سؤال السيادة ودور الجيش وتطبيق القرار الدولي 1701.
عقدة جغرافية فوق النبطية
تقع تلال أو مرتفعات علي الطاهر في قضاء النبطية شمال نهر الليطاني بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وعلى تماس بصري مباشر مع النبطية وامتداداتها الشرقية والشمالية.
وترتفع التلال نحو 600 متر فوق سطح البحر، فيما تصل بعض النقاط القريبة منها إلى نحو 655 مترًا، ما يمنحها قدرة واسعة على كشف النبطية ومحيطها.
وتقع علي الطاهر وسط دائرة جغرافية حساسة، فمن الجنوب والجنوب الشرقي تمتد كفرتبنيت ومحاور أرنون والزفاتة والمعبر، وهي مسارات اقتراب نحو التلال.
وفي الجهة نفسها تقع قلعة الشقيف، وهي مرتفع مشرف على مجرى الليطاني، ويمنح التقدم منه ضغطًا إضافيًا باتجاه كفرتبنيت وسفوح علي الطاهر.
ومن الغرب والشمال الغربي، تكشف التلال مدينة النبطية ومداخلها وطرقها، بينما تقع النبطية الفوقا عند السفوح الأقرب إلى الموقع.
وإلى الشمال، تدخل كفررمان ضمن دائرة القرى التي تتأثر بأي قصف أو تحرك عسكري حول التلال، خصوصًا مع امتداد الغارات إلى حي الدبشة القريب من هذا النطاق. أما من الشرق والشمال الشرقي، فتتصل الأحراش والمنحدرات بإقليم التفاح ومرتفعات الريحان.

بهذه الجغرافيا، تصبح علي الطاهر نقطة ربط بين النبطية والليطاني وقلعة الشقيف وإقليم التفاح، وتتحول قيمتها من مجرد ارتفاع محلي إلى موقع رصد وسيطرة نارية على محاور واسعة في جنوب لبنان.
وتبدأ القيمة العسكرية للتلال من علاقتها بالنبطية، إذ يقول العميد المتقاعد حسن جوني إن التلة تشرف على المدينة وتتيح مراقبة معظم مداخلها ومخارجها وأحيائها، ما يعني أن السيطرة على هذا المرتفع تمنح قدرة تأثير مباشرة في محيط النبطية وشبكة الطرق المتصلة بها.
وتزيد علاقة التلال بنهر الليطاني حساسية الموقع، فعلي الطاهر تقع شمال النهر، وأي تحرك إسرائيلي في هذا المجال يُقرأ في لبنان كتوغل أعمق داخل منطقة يفترض أن يحكمها القرار 1701 الذي يشكل الإطار الدولي لوقف القتال بالجنوب، وانتشار الجيش اللبناني وقوة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل”.
لذلك تتحول التلة إلى مسألة سيادة ووقف إطلاق نار، لأن بقاء الاحتلال في هذه الجغرافيا يعني تثبيت أمر واقع داخل أرض لبنانية.
ماذا يريد الاحتلال من التلال؟
تحاول قوات الاحتلال منذ النصف الأول من يونيو/حزيران 2026 تحويل تلال علي الطاهر من مرتفع يشرف على النبطية إلى جزء من منطقة سيطرة عسكرية متقدمة داخل جنوب لبنان.
وتحتاج قراءة ما جرى ميدانيًا إلى التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة، هي التوغل في محيط التلال، والانتشار أو الطوق الناري حولها، والسيطرة الكاملة على القمة نفسها.
إذ تستخدم الصحف الإسرائيلية أحيانًا اسم “علي الطاهر” للدلالة على القطاع المحيط بالتلة، بينما تحصر مصادر لبنانية الحديث في القمة والمرتفعات المباشرة.
فقد قالت صحيفة يديعوت أحرونوت، إن قوات الاحتلال بقيت في قطاع علي الطاهر ضمن ما تسميه “تل أبيب”، المنطقة “الأمنية”، وبعمق يصل في بعض النقاط إلى عشرة كيلومترات داخل لبنان.
وتكشف التصريحات الإسرائيلية الرسمية بصورة أوضح الهدف من المعركة، ففي وثيقة صادرة عن هيئة الأركان في 2 يوليو/تموز 2026، قال جيش الاحتلال إن قواته تواصل الانتشار في ما يسميه “المجال الأمني” لمنع عمليات التسلل ونيران مضادات الدروع، وإنها سيطرت على مرتفعات البوفور وعلي الطاهر وما بينها من مواقع يعتبرها بنى استراتيجية لحزب الله.
كما قال رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير في 21 يونيو/حزيران إن علي الطاهر والبوفور يمثلان أحد “مراكز الثقل” الحالية لقيادة الشمال، واصفًا المنطقة بأنها “قلعة تحت أرضية” بناها حزب الله خلال عقدين.
وتتمحور أبرز الادعاءات الإسرائيلية حول وجود مجمع واسع تحت الأرض في علي الطاهر، فقد وصفت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الموقع بأنه مركز قيادة لوحدة بدر التابعة لحزب الله.
وبدورها تحدثت جيروزاليم بوست عن مجمعات فرعية وبنية قيادة تحت الأرض، فيما استندت بعض هذه الروايات إلى مركز ألما الإسرائيلي للأبحاث ذي الخلفية الأمنية والاستخبارية.
ومهما يكن توصيف المنشآت، فإن المعركة حول التلال تجاوزت الغارات الجوية إلى اشتباكات برية مباشرة. ففي 19 يونيو/حزيران، قالت وكالة رويترز، إن القتال الأعنف تركز في منطقة علي الطاهر شمال الليطاني، حيث سعت قوات الاحتلال إلى التوغل.
في اليوم التالي، تحدثت “تايمز أوف إسرائيل” عن مقتل جندي إسرائيلي وإصابة 13 آخرين خلال عمليات داخل المنطقة، فيما تحدثت جيروزاليم بوست قبل ذلك بأيام عن إصابة جنديين خلال ما أسمته “نشاط عسكري” في المنطقة. وتؤكد هذه الوقائع أن الاحتلال خاض توغلًا بريًا مباشرًا في محيط علي الطاهر.

وادعت المتحدثة باسم جيش الاحتلال بالعربية إيلا واوية في 26 يونيو/حزيران، السيطرة الكاملة على المنطقة، فيما نفت مصادر في حزب الله وقالت إن التوغل الإسرائيلي كان في محيطها.
ونقلت الجزيرة عن مصدر عسكري لبناني أن الجيش اللبناني لم يرصد تقدمًا إسرائيليًا إلى القمة، فيما نقلت الحرة عن مصدر عسكري لبناني أن الاحتلال يطوق محيط التلة ويفرض سيطرة نارية على القطاع من دون بلوغ القمة.
ولا يتوقف هدف الاحتلال عند السيطرة الميدانية، فقد تحولت علي الطاهر إلى ورقة تفاوضية ضمن فكرة “المناطق التجريبية” التي طرحت خلال اتصالات وقف إطلاق النار.
ونقلت الجزيرة أن “إسرائيل” اقترحت إدخال الجيش اللبناني إلى علي الطاهر كنموذج أولي قبل توقيع اتفاق الإطار، غير أن الجانب اللبناني رفض ذلك لأن التلة ليست منطقة محتلة أصلًا.
كما قالت مصادر إن “إسرائيل” أعادت طرح موضوع التلة خلال محادثات واشنطن باعتبارها إحدى المناطق التجريبية، بينما تمسك لبنان بأن أي انسحاب أو ترتيبات جديدة يجب أن تبدأ من المناطق المحتلة فعليًا.
وبذلك تتحول علي الطاهر من مرتفع عسكري إلى ورقة سياسية تحدد شكل الوجود الإسرائيلي، وحدود انتشار الجيش اللبناني، وآلية أي انسحاب مستقبلي من جنوب لبنان.
اختبار حزب الله والدولة اللبنانية
تمثل علي الطاهر بالنسبة للبنان، خط دفاع أساسيًا عن النبطية والجنوب بسبب موقعها الذي يربط المدينة بالمرتفعات الشرقية ومحور الشقيف والليطاني. ويتمسك حزب الله بالمنطقة لأن خسارتها تمنح الاحتلال أفضلية في الرصد وإدارة النار وتهديد خطوط الإمداد وحركة القوات.
وتتراكم أهمية التلال عند حزب الله في أكثر من مستوى، فميدانيًا، تمنح المنطقة تغطية بصرية ونارية، وتربط بين قطاع النبطية وإقليم التفاح. وفي الرواية الإسرائيلية، يدعي الاحتلال أن المنطقة تضم بنية قيادة وسيطرة مرتبطة بوحدة بدر التابعة للحزب.
أما تاريخيًا ورمزيًا، فقد كان الموقع من أبرز التحصينات الإسرائيلية خلال فترة الاحتلال حتى عام 2000، كما يمنح وجود مقام علي الطاهر، وهو معلم ديني محلي ضمن نطاق المرتفعات، المكان بعدًا رمزيًا فوق قيمته العسكرية، لأنه يربط التلال بذاكرة المكان في محيط النبطية. لذلك تُقرأ أي معركة على التلال داخل جمهور حزب الله بوصفها مواجهة على ذاكرة السيطرة والتحرير.
ومن شأن أي تثبيت إسرائيلي مستدام في علي الطاهر أن يكشف جزئيًا قطاع النبطية، ويصعّب الحركة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا وكفررمان، ويمنح الاحتلال ورقة ميدانية يقدّم عبرها التوغل شمال الليطاني كأمر ممكن.
كما أنه يفتح الباب أمام توسيع مفهوم “المنطقة الأمنية” داخل العمق اللبناني، بما يضغط على حزب الله في ملف السلاح والانسحاب، ويضع جزءًا من بيئته الحيوية تحت عين الاحتلال وناره أو تحت تهديدهما.
وفي المقابل، يمنح عجز الاحتلال عن تثبيت سيطرته والاكتفاء بالطوق الناري والقصف المتكرر حزب الله مساحة سياسية ورمزية لتقديم التلال كدليل على حدود القوة الإسرائيلية.
لكن هذا السيناريو لا يخفف العبء عن القرى المحيطة، لأن استمرار الطوق والقصف يعني بقاء المدنيين والطرق والأحراج ومناطق السكن تحت ضغط الضربات والغارات والتهجير.
وتضع علي الطاهر الجيش اللبناني في موقع شديد الحساسية، فهو يعلن التنسيق مع يونيفيل بشأن آلية مراقبة وقف إطلاق النار لتعزيز الاستقرار جنوب الليطاني، لكنه يواجه واقعًا ميدانيًا معقدًا يمتد إلى النبطية والتلال الواقعة شمال النهر.
وضمن طرح “المناطق التجريبية”، يُراد للجيش أن يتسلم الأرض التي ينسحب منها الاحتلال، مع تحميله عمليًا مهمة التعامل مع بنى حزب الله وسلاحه من دون الانزلاق إلى صدام داخلي.
لذلك تصبح علي الطاهر امتحانًا لقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بأرض حساسة في ظل خرائط يفرضها الاحتلال ميدانيًا، ثم يعيد طرحها سياسيًا على طاولة التفاوض. فمن زاوية وقف النار والقرار 1701، تكشف التلال الفجوة بين النصوص الدولية والوقائع التي يصنعها الاحتلال على الأرض.
وتؤكد يونيفيل أن أي وجود إسرائيلي داخل لبنان يمثل انتهاكًا للقرار 1701، وأن الاستقرار طويل الأمد يحتاج إلى انسحاب كامل وانتشار فعلي للجيش اللبناني في منطقة عملياته.

وإذا بقيت علي الطاهر ضمن منطقة يطوقها الاحتلال أو يحتفظ بها، تتحول تفاهمات وقف النار إلى غطاء لأمر واقع يتجاوز القرار الأممي. وإذا انسحب منها ضمن آلية واضحة، تصبح التلة اختبارًا لقدرة الجيش اللبناني والدولة على الإمساك بموقع شديد الحساسية ومنع عودة الاشتباك حوله.
أما المدنيون في النبطية الفوقا وكفرتبنيت وكفررمان، فقد دفعوا ثمن تحوّل علي الطاهر إلى عقدة اشتباك. فقد تحدثت صحيفة لوريان توداي عن استمرار الاستهدافات والغارات قرب كفررمان والنبطية الفوقا، فيما نُشرت صور فضائية تظهر دمارًا وحرائق وتغيرات كبيرة في الأرض والطرق.
كما دفع العدوان الإسرائيلي في محيط النبطية وعلي الطاهر السكان إلى النزوح، ثم عاد بعضهم بحذر وبقي آخرون بعيدين عن قراهم. لذلك فإن أي محاولة إسرائيلية جديدة لانتزاع التلة، أو أي مواجهة لمنع ذلك، ستنعكس مباشرة على العودة والطرق والأحراج والسكن والوصول الإنساني.
وفي الداخل اللبناني، تختصر علي الطاهر خلافًا أوسع من حدودها الجغرافية، فهي تضع الدولة أمام سؤال التفاوض من موقع استعادة الأرض أو تلقي الشروط، وتضع الجيش أمام اختبار الانتشار في منطقة شديدة الحساسية.
كما تمنح حزب الله مادة لإثبات أن سلاحه ما زال ضرورة دفاعية في مواجهة التوغل الإسرائيلي. وفي المقابل، يستخدم خصومه مثل هذه المواقع للقول إن البنية العسكرية خارج الدولة تمنح الاحتلال ذريعة إضافية للتقدم وفرض الوقائع.
ووصفت رويترز وفايننشال تايمز البريطانية اتفاق الإطار بين بيروت و”تل أبيب” بأنه قابل لتفجير الانقسام اللبناني، لأنه يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، فيما دافع الرئيس اللبناني جوزيف عون عن التفاوض بوصفه طريقًا لضمان الانسحاب من دون التنازل عن “شبر واحد”.
بهذا المعنى، تحولت علي الطاهر من مرتفع محلي قرب النبطية إلى اختبار للسيادة والجيش ودور حزب الله وحدود التسوية الممكنة في جنوب لبنان.