تمثّل المرحلة الانتقالية في سورية تحولًا داخليًا عميقًا، إذ تفتح الباب أمام إعادة تعريف إحدى أكثر العلاقات العربية تعقيدًا، وهي العلاقة السورية-اللبنانية، فلم تعد الأسئلة تدور حول استمرار نموذج إدارة الحكم والعلاقة السابقة، وإنما حول شكل النموذج الذي سيحل محله، وما إذا كانت الدولتان قادرتين على الانتقال من إدارة النفوذ إلى إدارة المصالح.
الرئيس أحمد الشرع أكد رغبته في الانتقال من لحظة الحكم الأولى، ولعلّ ذلك كان الحامل الأساسي بإمكانية التفكير بالمضي نحو شكل إدارة المصالح الإيجابي، بمعنى مقاربة “رابح-رابح”، بجانب أنّ التحول الأهم يتمثل في انتهاء النموذج السياسي الذي حكم هذه العلاقة لعقود.
وقبل ذلك، أسهم سقوط نظام الأسد أسهم في إنهاء المرجعية السياسية والسيادية التي صاغت طبيعة التفاعل بين البلدين منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت العلاقة تدار انطلاقًا من اعتبارات النفوذ الإقليمي والسيطرة الأمنية أكثر من إدارتها بوصفها علاقة طبيعية بين دولتين مستقلتين تحسم وتناقش عبر إدارة التوازن والمصالح، كون أمن الدولتين يمر عبر دمشق وبيروت معًا، دون اختزال واحدة دون الأخرى.
وقد ارتبطت السياسة السورية تجاه لبنان عبر العقود الماضية، بفكرة توسيع المجال الحيوي للنظام السابق في سوريا، الأمر الذي جعل الساحة اللبنانية جزءًا من حسابات السياسة الإقليمية لدمشق تمر عبرها بالضرورة، بينما لم تتمكن الدولة اللبنانية بفعل انقساماتها الداخلية وتشابك التأثيرات الخارجية، من مواجهة المد النفوذي غير المستقر في بناء علاقة مستقرة ومتوازنة مع سورية، فبقيت العلاقة الثنائية خاضعة إلى حد كبير لموازين حسابات النظام البراغماتية الفردية، بمعنى حسابات لبنان كدولة هي من حسابات خلاص نظام الأسد الفردية، وليس أن الحسابات تنطلق من الوطنية السورية أو اللبنانية بالتالي خضوعها للمصالح الوطنية المشتركة، وقد استفادت قوى لبنانية مع شكل هذه العلاقة بما يمنحها نفوذًا وحضورًا.
دخلت هذه العلاقة مع اندلاع الثورة السورية 2011-2024 مرحلة جديدة اتسمت بتداخل غير مسبوق بين الساحتين السورية واللبنانية، ولا سيما مع انخراط فاعلين من خارج مؤسسات الدولة في إدارة العلاقة بين البلدين، فقد تراجع حضور النظام السوري السابق الرسمي في لبنان، في الوقت الذي توسع فيه تأثير قوى لبنانية داخل المشهد السوري، وهو ما عزز الطابع الأمني والعسكري للعلاقة على حساب القنوات الدبلوماسية والمؤسساتية التي غابت لعقود طويلة، حيث تمر الدبلوماسية في لبنان عبر النظام السابق بشكل حصري.
بعد التحرير، شكلت المرحلة الانتقالية في سوريا معادلة مختلفة، فالحكومة السورية الجديدة أعلنت منذ البداية أن أولوياتها تتمثل في تثبيت الاستقرار الداخلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق التعافي الاقتصادي، واعتماد سياسة خارجية تقوم على الانفتاح المتوازن وعدم الانخراط في الصراعات الإقليمية، وبل ذهبت تجاه الحديث عن إمكانية تسويات سياسية بما في ذلك مع “حزب الله”.
ويعني ذلك أن السياسة السورية لم تعد تنظر إلى لبنان بوصفه ساحة نفوذ، وإنما بوصفه دولة مجاورة ترتبط معها بحدود طويلة، وملفات أمنية واقتصادية وإنسانية مشتركة تتطلب تعاونًا مؤسساتيًا مستدامًا، بما ينعكس على إدارة المكاسب. وفي الوقت نفسه، تغيّر لبنان هو الآخر، فقد أدت الأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة، إلى جانب التحولات الإقليمية الأخيرة لا سيما مع انحسار النفوذ الإيراني بالتحديد عقب تفجيرات البيجر 2024، إلى تصاعد الحاجة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها، بما يفرض مقاربة مختلفة للعلاقة مع دمشق، تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وإدارة المصالح المشتركة عبر المؤسسات الرسمية.
وبذلك، فإن إعادة تأسيس العلاقات السورية-اللبنانية لم تعد مجرد خيار سياسي مرتبط بتبدل الحكومات، بل أصبحت ضرورة فرضتها التحولات البنيوية التي شهدها البلدان والإقليم معًا، بكون النموذج السابق الذي قام على إدارة النفوذ وتداخل الساحات، فقد مقوماته البنيوية والسياسية من أجل استمراره، بينما يبرز اليوم تحدي بناء نموذج جديد يقوم على سيادة الدولتين، وتفعيل المؤسسات، وتحويل الملفات الخلافية إلى مجالات للتعاون، بما يفتح المجال أمام علاقة أكثر استقرارًا وقابلية للاستمرار وانتقال العلاقة عمليًا من نموذج النفوذ إلى نموذج الدولة، فإعادة تأسيسها بهذا الشكل لا يرتبط فقط بتغير النظام السياسي في دمشق، بل كذلك بظهور فلسفة جديدة تقوم على أن التواصلات الرسمية تتم حصرًا عبر القنوان الرسمية السيادية، مما أنتج أدوات جديدة لإدارة العلاقة أهمها التعاون بين وزارتي الدفاع.
الأمن والأمن الإقليمي كضرورة لإعادة بناء العلاقة
يعد أول اختبار للعلاقة هو الأمن بكونه مدخل للسياسة والاقتصاد، وتتشارك سوريا ولبنان حدودًا طويلة، تجعل الأمن المحدد المركزي لمعالجة العلاقة والملفات العالقة: فاستقرار الحدود، ومنع التهريب، وملاحقة الجماعات المسلحة، وضبط حركة السلاح، والتعامل مع ملف المعتقلين كلها ملفات لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد حل القضايا السياسية، بل تشكل شرطًا لبناء الثقة بين الدولتين.
وقد شكل اتفاق جدة كإطار تفاوضي غير مسبوق بين وزارتي الدفاع السورية واللبنانية في 2025 المدخل لذلك، حيث اتفق الجانبان على ضرورة ترسيم الحدود بين البلدين لتعزيز الأمن والاستقرار. كما وقع الجانبان اتفاق يقضي بتشكيل لجان قانونية ومتخصصة لمعالجة القضايا العالقة، وتفعيل آليات التنسيق الأمني والعسكري، لا سيما فيما يتعلق بالتطورات الحدودية، كجزء من سياسة سورية الجديدة التي تقوم على إدارة التوازن السيادي واحترام العلاقة مع جيرانها وآليات التعاون والتنسيق عبر حصرية القنوات الرسمية، لا سيما أن ملف ترسيم الحدود يخضع لإشكاليات سابقة.
وقد تعزز ذلك لاحقًا، عبر البدء بالفعل بتشكيل لجان تقنية منها، لا سيما بين وزارتي الدفاع في البلدين، مما ساعد على التعامل مع الملفات الأمنية بطريقة مختلفة عما حدث بعدما خطف عناصر من حزب الله، ثلاثة عناصر يتبعون لقوات النخبة في اللواء 103 بالجيش السوري، ولعل هذه الحادثة كانت الدافع الأساسي من أجل إعادة تنسيق العلاقات الأمنية.

إن أهمية هذه الآليات بجانب قدرتها على معالجة الحوادث الحدودية، فهي تعكس تحولًا في فلسفة إدارة العلاقة بين البلدين، فبدلًا من اعتماد قنوات أمنية غير رسمية أو فاعلين من خارج الدولة، أصبحت المؤسستان العسكريتان تمثلان الإطار الرئيس للتنسيق، بما يعزز مبدأ حصرية استخدام القوة بيد الدولة، ويمنح الحكومتين قدرة أكبر على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات سياسية أو عسكرية، والانتقال التدريجي نحو معالجة الملفات العالقة الأخرى التي لا تقل إلحاحًا. بهذا المعنى، أصبح الأمن أول مجال تُختبر فيه قدرة دمشق وبيروت على الانتقال من منطق النفوذ إلى منطق المؤسسات.
على امتداد 375 كيلومترًا من الحدود السورية اللبنانية، تختفي آلاف الأطنان من البضائع والأسلحة يوميًا خلف الجبال والوديان، بينما يدفع السكان المحليون ثمن الفوضى المستمرة. يترك التهريب الممنهج أثرًا ثقيلًا على حياة الناس العاديين الذين يعيشون بين اقتصاد منهار وأمن مهدد.
لقراءة… pic.twitter.com/RZZOVfDveg
— نون سوريا (@NoonPostSY) June 29, 2026
ومع ذلك، فإن بناء منظومة أمنية مشتركة لا يزال يواجه تحديات بنيوية، في مقدمتها الطبيعة المعقدة للحدود الممتدة في ظل سيطرة الحزب على مواقع عديدة على الحدود، واستمرار نشاط شبكات التهريب التي تسيطر عليها مجموعات من الحزب، فضلًا عن تأثر الملف الحدودي بالتطورات الإقليمية، في ظل تزايد الحديث عن ضرورة التدخل السوري في لبنان، من أجل القضاء على الحزب، الأمر الذي سيعني عودة فعالية الحزب عبر الحدود، بكونه يمتلك رصيدًا تراكميًا أمنيًا على إنتاج الفوضى.
لذلك، فإن نجاح التنسيق الأمني لن يقاس بعدد الاجتماعات أو الاتفاقات الموقعة أو اللجان المشكلة، وإنما بقدرته على إنتاج آليات دائمة لإدارة الأزمات ومنع تحول الحوادث الحدودية إلى أزمات سياسية بين البلدين، والتعامل مع الأحداث السياسية ودراسة آثارها في ظل وجود بيئة أمنية هشة على الحدود، إذ يصعب الحديث عن شراكة اقتصادية أو سياسية مستقرة في ظل حدود غير مستقرة أو حوادث أمنية متكررة، لأن أي حادث أمني غير مضبوط من شأنه تقويض مسار إعادة بناء الثقة بين الحكومتين، وإعادة العلاقة إلى منطق التصعيد المتبادل بدل التعاون المؤسسي.
من النفوذ إلى الشراكة
تدخل العلاقات السورية-اللبنانية مرحلة مختلفة عن تلك التي حكمتها طوال العقود الماضية، ليس فقط نتيجة تغير السلطة في دمشق، وإنما بفعل التحولات البنيوية التي شهدها البلدان والإقليم معًا، فالنموذج الذي قام على تداخل الساحات، وإدارة النفوذ، واستخدام الأدوات الأمنية غير الرسمية، فقد إلى حد كبير مبررات استمراره، بينما تبرز اليوم فرصة لإعادة بناء العلاقة على أسس أكثر برغماتية وطنية، تقوم على سيادة الدولتين، وحصرية التواصل عبر المؤسسات الرسمية، وإدارة الملفات المشتركة بمنطق المصالح المتبادلة.
لكن نجاح هذا التحول لا يزال مشروطًا بقدرة الطرفين على تحويل الاتفاقات واللجان المشتركة إلى سياسات مستدامة، وعدم ترك المجال أمام فواعل ما دون الدولة أو للتجاذبات الإقليمية على رأسها الملف الإسرائيلي، لإعادة إنتاج أنماط العلاقة السابقة مهما كانت الأسباب البنيوية مقنعة.
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام: وقعت مع وزير الخارجية السوري على قرار إنشاء مجلس أعلى مشترك لتطوير العلاقات بين البلدين. pic.twitter.com/W72mDKqdMg
— نون سوريا (@NoonPostSY) July 2, 2026
كما أن الملفات العالقة، من ترسيم الحدود والتنسيق الأمني إلى القضايا الإنسانية والاقتصادية، لا تمثل تحديات منفصلة، بل تشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة دمشق وبيروت على بناء نموذج جديد للعلاقة، ولا يقاس نجاح المرحلة المقبلة بحجم التقارب السياسي، وإنما بقدرة الدولتين على إنتاج علاقة مؤسساتية مستقرة تقوم على وجود رؤية حقيقة لدى الجانبين ومعالجة مكامن الخطر، مما يجعل الحدود مساحة للتعاون بدلًا من التوتر، وتحول المصالح المشتركة إلى ركيزة للاستقرار، ما يضمن انتقال العلاقات السورية-اللبنانية من إرث النفوذ والصراعات إلى شراكة تقوم على السيادة والاحترام المتبادل والتنمية المشتركة.