كواليس “اتفاق مكة”.. لماذا رفضت الرياض انضمام السيسي إلى الحلف العسكري؟ https://t.co/j5LgrHCip0
— نون بوست (@NoonPost) August 12, 2026
هذه الواقعة ليست حادثة دبلوماسية عابرة، بل تعكس توترًا وتباينًا أعمق في العلاقة بين القاهرة والرياض، يظهر أحيانًا إلى العلن ويتراجع أحيانًا أخرى، فالمملكة، التي كانت الممول الأكبر لنظام عبد الفتاح السيسي بعد وصوله إلى الحكم عام 2013، لم تعد تنظر إلى مصر باعتبارها الحليف الذي لا غنى عنه كما في السابق، بل كعبء يأخذ أكثر مما يعطي، وإلى رجل بات أقرب إلى أبوظبي وأشد ارتباطًا بحساباتها الإقليمية.
يحاول هذا التقرير المعمق تفكيك هذا التحول، وتتبع أسباب تراجع الوزن التفاوضي لأكبر دولة عربية من حيث عدد السكان وحجم الجيش، وفهم أسباب إخفاق القاهرة في إقناع الرياض بأنها شريك يملك قراره المستقل.
لماذا فقدت الرياض ثقتها بالقاهرة؟
بالعودة إلى تقرير “ميدل إيست آي“، تكشف إفادات المصادر السعودية للموقع البريطاني عن حدة الموقف داخل دوائر القرار. أحد هذه المصادر، وهو مستشار سابق بارز للعائلة المالكة السعودية ولا يزال قريبًا من دوائر صنع القرار، لخّص النظرة إلى القاهرة بعبارة قاسية: “مصر كانت دائمًا عالة علينا وعلى الولايات المتحدة، لا ترد الجميل، تأخذ وتأخذ من دون مقابل”.
ويستند التحفظ السعودي، وفق المصادر، إلى ثلاثة أسباب رئيسية. أولها أن الرياض ضخّت نحو 25 مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري بعد إطاحة الرئيس الراحل محمد مرسي عام 2013 ووصول السيسي إلى الحكم، من دون أن تلمس ما تعتبره دعمًا مصريًا مماثلًا في الملفات الأمنية الكبرى.
وثانيها ما وصفه أحد المصادر بـ”الدور المصري الضعيف وغير الموثوق” في الحرب ضد الحوثيين، وكذلك خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. أما السبب الثالث، والأكثر حساسية، فيتعلق بما وصفته المصادر بـ”تبعية القاهرة” لأبوظبي، في وقت تصاعدت فيه التوترات بين الرياض وأبوظبي وخرجت خلافاتهما إلى العلن منذ أواخر عام 2025.

تقول المصادر السعودية الثلاثة إن السيسي لم يتخذ خطوات مماثلة تجاه السعودية، ومن هذه الزاوية قرأت الرياض اصطفافه مع أبوظبي باعتباره انحيازًا واضحًا. وذهبت المصادر إلى أبعد من ذلك، فعدّدت سياسات إماراتية تراها متعارضة حتى مع المصالح المصرية نفسها، من الانخراط في إقليم أرض الصومال، إلى العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، ودعم إثيوبيا في نزاع سد النهضة، ومساندة مليشيا الدعم السريع في السودان. ووفق أحد المصادر، خلصت الرياض إلى أن استمرار انخراط القاهرة مع أبوظبي “عمّق الشكوك في موثوقية مصر شريكًا استراتيجيًا”.
في المقابل، بدا أن أنقرة أرادت وجود مصر داخل الحلف، فقد صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن القاهرة “شريك طبيعي”، وأن في وسعها الانضمام مستقبلًا بعد حل “مسائل فنية”، مشيرًا إلى أن رؤية الرئيس رجب طيب أردوغان تقوم على ألّا يبقى الاتفاق محصورًا في الدول الثلاث المؤسسة.
وسخرت المصادر السعودية من الرواية القائلة إن مصر هي من رفضت الانضمام، إذ وصفها المستشار السابق بأنها “مثيرة للضحك”، مضيفًا أن “السيسي كان سيتلهف للانضمام كي يجني المكاسب المالية كعادته”. كما قال إن صنّاع القرار في المملكة لديهم “مخاوف جدّية بشأن ولاء السيسي”، وإنه “لا يمكن الوثوق به” كما يُوثق بالقيادتين التركية والباكستانية. وذهب أحد المصادر أبعد من ذلك، معتبرًا أن دور الجيش المصري ينبغي أن يتركز على “الاستثمار في قدراته التصنيعية العسكرية، بدل الانشغال بإدارة مصانع الأغذية”.
جاء هذا الحكم القاسي في سياق نقاش إقليمي أوسع بشأن تراجع الدور المصري، فقد علّقت مجلة “ذي إيكونوميست” على لقطات اصطحاب الرئيس الإماراتي للسيسي إلى أحد مراكز التسوق، ثم تفقدهما مفرزة المقاتلات المصرية، معتبرة أن المشهد قدّم للمصريين الكثير عن تراجع مكانة بلدهم، الذي لا يزالون يرونه “أم الدنيا”، مقارنة بالإمارات التي تبدو أقرب إلى قوة صاعدة حديثة العهد خرجت من الصحراء.
وأشارت المجلة البريطانية في تقريرها بعنوان “أم الدنيا في مواجهة الدولة الصاعدة” إلى أن المصريين يشعرون بعدم الارتياح إزاء ما يرونه تطويقًا إماراتيًا لبلادهم الأكبر حجمًا وصاحبة التاريخ الطويل في الهيمنة الإقليمية، عبر حركات انفصالية ومليشيات وحكام حلفاء لأبوظبي.
وبحسب المجلة، تتركز أبرز المخاوف المصرية في التقارب الإماراتي المتزايد مع قوتين إقليميتين تمسان مصالح القاهرة مباشرة، هما إثيوبيا بقيادة آبي أحمد، وإسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو. فسد النهضة الإثيوبي، الذي يرى بعض المصريين أن أبوظبي شجعت بناءه، يهدد تدفقات النيل، شريان الحياة الأساسي لمصر، فيما قد تؤدي الضغوط الإسرائيلية المتواصلة على غزة إلى دفع سكان القطاع، وبينهم إسلاميون، نحو الأراضي المصرية.
وجاء في تقرير آخر حديث للمجلة ذاتها أن مصر لم تؤدِ دورًا يُذكر في الحرب مع إيران، بعدما تراجع موقعها كوسيط لصالح باكستان وتركيا ودول الخليج. كما لم يكن لأكبر جيش في العالم العربي، الجيش المصري، دور بارز في الدفاع عن جيران مصر، رغم أن دول الخليج قدمت للقاهرة عشرات المليارات من الدولارات منذ استيلاء السيسي على السلطة إثر انقلاب عام 2013.
وقوبلت هذه التقارير المتتالية من المجلة البريطانية برفض شديد من السلطات المصرية، فقد أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية بيانًا رسميًا هاجمت فيه “ذي إيكونوميست”، واعتبرت أن تحليلاتها تنطلق من نظرة قاصرة ومتحيزة، وتتجاهل عمق العلاقات الاستراتيجية بين مصر وأشقائها العرب. وأكدت أن سياسة القاهرة القائمة على احتواء النزاعات الإقليمية تعكس، من وجهة نظرها، حكمة دبلوماسية وليست مؤشرًا على ضعف الدور أو تراجعه.
أما بشأن تقرير “ميدل إيست آي” عن رفض السعودية ضم القاهرة إلى اتفاق مكة، فجاء الرد المصري في بيان عام لوزارة الخارجية، دعت فيه وسائل الإعلام العربية والدولية إلى تحري الدقة وتجنب نشر ما وصفته بمعلومات “مغلوطة وغير دقيقة” بشأن الشأن المصري، والاعتماد على المصادر الرسمية المصرية في نقل المعلومات المتعلقة بالقاهرة.
تصدعات قديمة في علاقة القاهرة والرياض
لم تكن الشكوك السعودية في استقلالية القرار المصري وليدة اللحظة، بل حصيلة تراكم طويل من محطات التوتر التي تركت أثرها في الحسابات الاستراتيجية بين العاصمتين. وكانت اليمن من أولى هذه المحطات وأعمقها أثرًا، فحين انضمت مصر عام 2015 إلى تحالف “عاصفة الحزم” بقيادة السعودية ضد الحوثيين، اكتفت بمشاركة بحرية وجوية محدودة، وامتنعت، رغم الضغوط، عن إرسال قوات برية.
ارتبط ذلك القرار أيضًا بجرح قديم في الذاكرة العسكرية المصرية، يعود إلى تدخل جمال عبد الناصر في الحرب الأهلية اليمنية منذ عام 1962، حين أرسل عشرات الآلاف من الجنود المصريين إلى جبال اليمن دعمًا للجمهوريين في مواجهة الملكيين المدعومين سعوديًا.
واستنزفت الحرب الجيش المصري لسنوات، قبل أن يبدأ الانسحاب منها في أعقاب هزيمة يونيو/حزيران 1967. وتسببت تلك التجربة، التي فقدت فيها مصر آلاف الجنود، في ترسيخ حساسية شديدة تجاه أي تورط بري جديد في اليمن. وحين طُلب من القاهرة العودة عسكريًا إلى الساحة نفسها بعد عقود، آثرت الحذر، فيما قرأت الرياض هذا الحذر باعتباره تقاعسًا.
أما المحطة التي هزّت العلاقة بصورة أعمق فكانت قضية جزيرتي تيران وصنافير، ففي أبريل/نيسان 2016، خلال زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى القاهرة، أعلنت الحكومة المصرية أن الجزيرتين تقعان ضمن المياه الإقليمية السعودية، في إطار اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وهو ما أثار موجة غضب شعبي نادرة في عهد السيسي.
وشهدت القاهرة ومدن أخرى احتجاجات واسعة، ورفع المعارضون شعار أن الرئيس “باع” أرضًا مصرية مقابل الدعم الخليجي، ثم انتقلت القضية إلى ساحات القضاء، حيث أبطلت محكمة القضاء الإداري الاتفاق في يونيو/حزيران 2016، وأيّدت المحكمة الإدارية العليا حكم الإبطال في يناير/كانون الثاني 2017، بالتوازي مع أحكام قضائية أخرى متعارضة بشأن الاتفاق.
في النهاية، صادق البرلمان المصري على الاتفاق في يونيو/حزيران 2017 رغم الأحكام القضائية السابقة، قبل أن تحسم المحكمة الدستورية العليا الجدل في مارس/آذار 2018، عشية زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة. وكانت المحصلة أن الواقعة، التي كان يُفترض أن تعزّز الثقة مع الرياض، أضعفت صورة السيسي داخليًا، وربطت في الوعي الشعبي بين الارتهان للدعم الخليجي والتفريط في السيادة.
وبين هذين الحدثين، وقعت أزمة أكثر حدة عام 2016، ففي أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، صوّتت مصر في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسي بشأن سوريا كانت الرياض تعارضه بشدة، ما دفع مندوب السعودية إلى وصف الموقف المصري بأنه “مؤلم”.
وتزامنًا مع ذلك، أوقفت شركة أرامكو السعودية شحنات المنتجات البترولية إلى مصر، والبالغة 700 ألف طن شهريًا، ضمن عقد يمتد خمس سنوات بقيمة تقارب 23 مليار دولار، من دون تفسير رسمي واضح. واضطرت القاهرة إلى طرح مناقصات بديلة، فيما ساهمت الكويت في سدّ العجز. واستمر تعليق الشحنات نحو ستة أشهر، قبل استئنافها في مارس/آذار 2017. ورغم تقديم أرامكو الخلاف في إطار تجاري، فقد قُرئ القرار في القاهرة على نطاق واسع كرسالة غضب سياسية.
وثمة جرح أقدم ظل حاضرًا في خلفية العلاقة، وهو التسريبات الصوتية المنسوبة عام 2015 إلى مكتب السيسي، ففي تلك التسجيلات، التي بثّتها قناة مصرية معارضة، وذكرت شركة بريطانية متخصصة في الصوتيات الجنائية أن ثمة أدلة “قوية إلى حد ما” على صحة صوت السيسي فيها، ظهر الرئيس المصري ومدير مكتبه آنذاك عباس كامل وهما يتحدثان باستخفاف عن ثراء دول الخليج.
وكانت العبارة الأشهر وصف أموال الخليج بأنها “زي الرز”، في إشارة إلى وفرتها، مع الحديث عن تحويل مليارات منها إلى حسابات الجيش. ورغم نفي القاهرة صحة تلك التسريبات، فقد عززت لدى بعض دوائر القرار الخليجية انطباعًا بأن القيادة المصرية تتعامل مع الدعم باعتباره أمرًا متوقعًا ومستحقًا، وتحمل في الوقت نفسه نظرة دونية إلى مموليها. ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة المستشار السعودي في 2026 لموقع “ميدل إيست آي” امتدادًا لنبرة قديمة في العلاقة حين قال إن مصر “تأخذ وتأخذ من دون مقابل”.
تغير تعريف القوة
يطرح هذا المشهد سؤالًا جوهريًا، كيف لدولة تملك أحد أكبر جيوش المنطقة، وموقعًا جغرافيًا فريدًا يتحكم بقناة السويس والبحر الأحمر، ويتاخم ليبيا وغزة والسودان، فضلًا عن ثقل سكاني يتجاوز 110 ملايين نسمة، أن يتراجع وزنها التفاوضي إلى هذا الحد؟
يكمن جزء من الإجابة في تغير مفهوم “القوة الإقليمية” نفسه، فعديد الجيش والمساحة والسكان لم تعد وحدها العملة الأثمن، بعدما صعدت عوامل أخرى مثل السيولة المالية، والقدرة على الاستثمار، والنفوذ الشبكي عبر الموانئ والوكلاء المسلحين وشركات الأمن، فضلًا عن الحضور الدبلوماسي وشبكات التأثير في واشنطن وغيرها من العواصم.
هنا يبرز التناقض بين مصر والإمارات. فأبوظبي، رغم صغر حجمها السكاني، باتت الطرف الأكثر تأثيرًا عمليًا في ساحات مثل السودان وليبيا والقرن الأفريقي، عبر شبكة من الموانئ والوكلاء والاستثمارات. وفي المقابل، تجد مصر، بجيشها الضخم وجوارها المباشر لهذه الساحات، نفسها محدودة القدرة على حسم صراعات تمس أمنها ومصالحها. فالقوة في المعجم الإقليمي الجديد باتت تُقاس أيضًا بحجم النفوذ الذي تستطيع الدولة بناءه وتمويله وتحريكه.
وفاقمت الأزمة الاقتصادية المصرية هذا الاختلال، فمنذ عام 2022، واجهت البلاد واحدة من أشد أزمات النقد الأجنبي في تاريخها الحديث، وخُفّضت قيمة الجنيه مرات عدة، قبل تحرير سعر الصرف في مارس/آذار 2024، حين هبط إلى نحو 50 جنيهًا للدولار. كما لجأت القاهرة إلى صندوق النقد الدولي ضمن برنامج جرى توسيعه إلى 8 مليارات دولار، مقابل التزامات شملت تقليص الإنفاق الحكومي، وكبح بعض المشروعات الكبرى، وبيع أصول مملوكة للدولة.
وتجاوز الدين الخارجي 155 مليار دولار، فيما خسرت قناة السويس، بحسب الرئاسة المصرية، نحو 7 مليارات دولار من إيراداتها خلال عام 2024، إذ هبطت العائدات إلى حدود 4 مليارات دولار، مقارنة برقم قياسي تجاوز 10 مليارات في 2023، بفعل هجمات الحوثيين واضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، باتت الحاجة إلى الودائع الخليجية والتمويل الدولي والاستثمارات الأجنبية تضيق هامش المناورة أمام القاهرة. وتحولت الصفقات الاستثمارية الخليجية إلى مصدر حيوي للعملة الأجنبية وتخفيف الضغوط المالية، وهو ما أضاف قيدًا اقتصاديًا ثقيلًا إلى حسابات القرار السياسي المصري في علاقته مع دول الخليج.
أبوظبي تتغلغل في الاقتصاد المصري
العلاقة المصرية الإماراتية لم تُبنَ على المال وحده، بل قامت أيضًا على تطابق أيديولوجي عميق، فمنذ الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي في يوليو/تموز 2013، وجدت أبوظبي في السيسي، الخصم الشرس لجماعة الإخوان المسلمين، حليفًا مثاليًا في معركتها الإقليمية ضد الإسلام السياسي.
وزار ولي عهد أبوظبي حينها القاهرة بعد أسابيع من الإطاحة، فيما ضخّت الإمارات والسعودية والكويت نحو 30 مليار دولار في صورة ودائع ومنح ومنتجات بترولية بين عامي 2013 و2016. وكانت تلك لحظة فارقة في علاقة ستتعمق بمرور السنوات.
وفي ليبيا، تحوّل هذا التقارب الأيديولوجي إلى تنسيق عسكري وسياسي. فقد دعمت القاهرة وأبوظبي بقوة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في مواجهة حكومة طرابلس المدعومة من الأمم المتحدة، وتكرر الحديث عن غارات مشتركة في عامي 2014 و2016، فيما رسمت مصر لاحقًا خطًا أحمر عند سرت والجفرة.
لكن هذا التنسيق الذي بدا متماسكًا بدأت تظهر فيه تصدعات جوهرية، أبرزها ملف السودان. فحين دعمت الإمارات مليشيا الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني، ووظّفت شبكات حفتر في شرق ليبيا لتمرير السلاح والوقود والمقاتلين إلى الدعم السريع عبر مثلث الحدود بين مصر وليبيا والسودان، وجدت القاهرة نفسها في الضفة المقابلة تمامًا. فمصر تدعم الجيش السوداني، وترى في الدعم السريع تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي على حدودها الجنوبية.
وبلغ التوتر ذروته حين نفّذت مصر، بحسب تقارير غربية وأخرى مصرية، غارات جوية على قوافل للدعم السريع داخل المثلث الحدودي في يناير/كانون الثاني 2026، بالتوازي مع ضغوط مصرية وسعودية على حفتر لوقف تدفق السلاح الإماراتي إلى قوات الدعم السريع.
لكن التصدع السياسي لا يلغي حجم الاعتماد الاقتصادي، فقد تحولت أبوظبي خلال السنوات الأخيرة من مموّل رئيسي إلى مالك ومستثمر واسع الحضور في قطاعات متزايدة من الاقتصاد المصري، وهو ما يفسر جانبًا من المخاوف السعودية تجاه مدى استقلال القرار المصري عن النفوذ الإماراتي.
وكانت صفقة “رأس الحكمة” في فبراير/شباط 2024 المثال الأبرز على ذلك، إذ بلغت قيمتها 35 مليار دولار بقيادة صندوق أبوظبي السيادي “ADQ”، منها نحو 24 مليار دولار نقدًا مقابل حقوق تطوير المدينة الساحلية على البحر المتوسط، إلى جانب تحويل 11 مليار دولار من ودائع إماراتية قائمة لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات.
واحتفظت الدولة المصرية بحصة 35% من المشروع، فيما وُصفت الصفقة بأنها أكبر استثمار مباشر في تاريخ البلاد، وقد شكّلت شريان إنقاذ أتاح للقاهرة تعزيز احتياطاتها من النقد الأجنبي، ومهّد لتحرير سعر الصرف وإبرام اتفاق موسع مع صندوق النقد الدولي بعد أسابيع قليلة. وفي المقابل، كشفت الصفقة حجم الأزمة التي دفعت الدولة إلى رهن مساحات استراتيجية من سواحلها لجذب السيولة وتخفيف الضغط المالي.
صفقة “ #رأس_الحكمة”.. اقتصاد أم سياسة أم كلاهما؟#اكبر_صفقة_استثمار_مباشر#انهيار_السوق_السوداء
https://t.co/0PBUWhUGJn
— نون بوست (@NoonPost) February 24, 2024
ولم تكن رأس الحكمة سوى القمة الظاهرة من هذا الحضور المتنامي. فقبلها، في أبريل/نيسان 2022، استحوذ صندوق “القابضة” الإماراتي على حصص في خمس شركات مصرية مدرجة بقيمة 1.8 مليار دولار، شملت نحو 17% من البنك التجاري الدولي “CIB”، أكبر بنك خاص في مصر، و21.5% من أبو قير للأسمدة، و20% من موبكو لإنتاج الأسمدة، و32% من الإسكندرية لتداول الحاويات، و12.6% من شركة فوري.
وبحسب تحقيق لموقع “زاوية ثالثة”، حقق الصندوق أرباحًا بلغت نحو 890 مليون دولار خلال 26 شهرًا فقط من هذه الاستحواذات، أي ما يقارب نصف قيمة استثماره الأصلي، وهو ما غذّى سردية داخل مصر مفادها أن أبوظبي “اشترت أصول مصر بأبخس الأثمان”، مستفيدة من الأزمة الاقتصادية وحاجة القاهرة الملحّة إلى العملة الصعبة.
وامتد النفوذ الإماراتي إلى الموانئ والمناطق اللوجستية. إذ تدير موانئ أبوظبي وموانئ دبي العالمية شبكة واسعة من المشروعات والمرافق المصرية، تشمل عقد امتياز لمدة 30 عامًا لتطوير ميناء سفاجا، واتفاقية تمتد 50 عامًا لتطوير منطقة صناعية في شرق بورسعيد، فضلًا عن حضور راسخ في ميناء العين السخنة، حيث ضخّت موانئ دبي العالمية أكثر من 1.3 مليار دولار على مدى نحو عقدين.
وفي قطاع العقارات، دخلت شركة “الدار العقارية” الإماراتية السوق المصرية عبر استحواذها، بالشراكة مع صندوق “القابضة” ADQ، على شركة سوديك بنحو 387 مليون دولار. كما توسعت “إعمار مصر” في مشروعاتها الساحلية، وأطلقت مع شريك سعودي مشروعًا ضخمًا في منطقة رأس الحكمة عام 2025. وفي قطاع الطاقة، تقود شركة “مصدر” مشروعًا لطاقة الرياح البرية بقدرة تصل إلى 10 غيغاواط، وباستثمارات متوقعة تتجاوز 10 مليارات دولار، ولا يزال المشروع في طور التطوير.
لماذا تصر الإمارات على ابتلاع “الإسكندرية للحاويات”، أحد أهم أصول مصر اللوجستية؟
اقرأوا المقال كاملًا عبر الرابط: https://t.co/4x065EDSqm pic.twitter.com/8GfydRr32N
— نون بوست (@NoonPost) June 18, 2026
يجري هذا التمدد تحت سطح غضب شعبي مكتوم. ففي الفضاء العام المصري، تتردد سردية “بيع مصر”، وينتقد اقتصاديون ومعارضون وصحفيون تحويل البلاد إلى أصول للبيع، بينما تظل حدود التعبير عن هذا الغضب ضيقة في ظل القيود المفروضة على الحريات.
ولا يقتصر الاستياء على الشارع، إذ تتحدث تقارير عن انزعاج مصري رسمي من الدور الإماراتي في السودان، ومن تباين المصالح في القرن الأفريقي، حيث تدعم أبوظبي التوجهات الانفصالية في إقليم أرض الصومال وتقيم حضورًا في ميناء بربرة، بينما تتمسك القاهرة بوحدة الصومال والسودان، وترفض مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال الموقّعة مطلع عام 2024. وهذا التباين هو ما تراهن عليه الرياض، وما يجعل وصف مصر بأنها “امتداد لأبوظبي” وصفًا لا يراعي التوترات الكامنة.
خريطة الأموال بين أبوظبي والرياض
لفهم موقع مصر بين الرياض وأبوظبي، لا بد من قراءة خريطة الأموال بدقة، فهي تكشف فلسفتين مختلفتين في ممارسة النفوذ. يقوم النموذج الإماراتي على الاستحواذ البنيوي، عبر شراء الأصول والبنية التحتية والموانئ والأراضي، بما يبني نفوذًا طويل الأمد يصعب التراجع عنه. أما النموذج السعودي، فأكثر حذرًا وتدرجًا، ويتمثل في إيداع الأموال واستثمارها بشروط وربط ذلك بالإصلاح.
على الجانب الإماراتي، تتجاوز المحفظة 35 مليار دولار في صفقة رأس الحكمة وحدها، إضافة إلى 1.8 مليار دولار في البورصة، وودائع سابقة في البنك المركزي جرى تحويل جزء منها إلى أصول، وشبكة من الموانئ إلى جانب مشروعات عقارية ومشروعات في قطاع الطاقة. ولذلك، تعد الإمارات المستثمر الأجنبي المباشر الأكبر في مصر بفارق واسع عن بقية الدول.
وعلى الجانب السعودي، تبدو الأرقام أكثر تحفظًا، إذ بلغت الودائع السعودية لدى البنك المركزي المصري نحو 5.3 مليار دولار في نهاية عام 2023. كما أنشأت المملكة “الشركة السعودية المصرية للاستثمار” التابعة لصندوق الاستثمارات العامة عام 2022، التي استحوذت على حصص في أربع شركات مصرية مملوكة للدولة، من بينها “إي فاينانس”، بقيمة 1.3 مليار دولار.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، وجّه ولي العهد السعودي صندوق الاستثمارات العامة بضخ 5 مليارات دولار في مصر “كمرحلة أولى”، مع اتجاه لتحويل الودائع إلى استثمارات، لكن كثيرًا من الوعود السعودية بقي حبرًا على ورق أو تعثّر في التنفيذ، وسط خلافات حول تقييم الأصول التي ترغب الرياض في شرائها.
وبشكل عام، بلغت الاستثمارات السعودية التراكمية في مصر نحو 25 إلى 26 مليار دولار عبر أكثر من 8 آلاف شركة، فيما تجاوز حجم التبادل التجاري 16 مليار دولار في 2024، بنمو بلغ 28%.
الدلالة السياسية لهذا التمايز عميقة. وجاء التصريح الأشهر الذي يلخّص التحول السعودي على لسان وزير المالية محمد الجدعان في دافوس مطلع 2023، حين أعلن صراحة “اعتدنا تقديم منح ومساعدات مباشرة دون شروط، ونحن نغير ذلك. نعمل مع مؤسسات متعددة الأطراف لنقول بالفعل إننا بحاجة إلى رؤية إصلاحات”. وأضاف “نحن نفرض ضرائب على شعبنا، ونتوقع من الآخرين فعل الأمر نفسه وأن يبذلوا جهدًا. نريد المساعدة ولكن نريد منكم الاضطلاع بدوركم”.
ورغم أن الحديث جاء عامًا وشمل دول المنطقة وحلفاء المملكة الذين يتلقون دعمًا اقتصاديًا، مثل مصر وباكستان والأردن، فإن التحليلات والتقارير الاقتصادية حينها ربطت التصريح مباشرة بالوضع الاقتصادي في مصر، باعتبارها واحدة من أكبر متلقي الدعم والودائع السعودية التقليدية.
وعليه، لم تكن تلك مجرد سياسة مالية، بل إعادة تعريف للعلاقة. فوفق السياسة السعودية الجديدة، لم تعد مصر تستحق الدعم لمجرد أنها مصر.
ورقة العمالة والتحويلات
ثمة ورقة أخرى حساسة ومثيرة للاهتمام في هذه المعادلة، وهي العمالة المصرية في الخليج وتحويلاتها، فتحويلات المصريين العاملين في الخارج تعد من أكبر مصادر النقد الأجنبي للبلاد، وقد قفزت، بحسب البنك المركزي المصري، إلى مستوى قياسي بلغ 41.5 مليار دولار في 2025، بارتفاع 40.5% عن العام السابق، وجاء معظمها من دول الخليج، خاصة السعودية التي تضم نحو 1.5 مليون مصري، وتعد المصدر الأكبر للتحويلات بنحو 8 مليارات دولار في 2023-2024، تليها الإمارات التي تضم نحو 1.3 مليون مصري وتبلغ تحويلاتهم نحو 3.6 مليار دولار.
وترددت تقارير عن ضغوط عبر تقييد تأشيرات العمل أو تشديد إجراءات الإقامة للمصريين، لكن هذه التقارير تبقى غير مؤكدة رسميًا، ولا يوجد إعلان إماراتي أو سعودي بفرض قيود سياسية على المصريين تحديدًا، كما أن الإجراء السعودي بتعليق التأشيرات قصيرة الأمد في أبريل/نيسان 2025 شمل 14 دولة، وارتبط بموسم الحج وليس بالضغط على القاهرة.
أما فيما يتعلق بالإمارات، فقد تواترت تقارير عن إلغاء السلطات الإماراتية بشكل مفاجئ إقامات وتأشيرات مئات المصريين أثناء وجودهم خارج الدولة لقضاء إجازاتهم الصيفية، وطال هذا الإجراء فئات متنوعة شملت مهندسين ومدرسين وفنيين ومستثمرين، وسط غياب أي توضيح رسمي للأسباب.
وبحسب تقرير لـ”نون بوست”، فإن أسباب الإلغاء المفاجئ لإقامات المصريين في الإمارات تتلخص في فرضيتين رئيسيتين. تتمثل الأولى في احتمال وجود مراجعات إدارية وأمنية واسعة، بينما تعزو الثانية الأمر إلى رسائل سياسية غير مباشرة مرتبطة بتحولات إقليمية واقتصادية.
إقامات سارية تُلغى فجأة، ومصريون يعملون منذ سنوات في الإمارات يجدون أنفسهم عالقين في القاهرة دون تفسير واضح.
بين حديث عن مراجعات أمنية وتشديد لسوق العمل، وقراءات تربط ما يحدث بتباينات سياسية بين القاهرة وأبوظبي، يبقى السؤال الأهم: لماذا بدأت هذه الإلغاءات الآن، ولماذا طالت… pic.twitter.com/uDhDYLbhEl
— نون بوست (@NoonPost) August 16, 2026
سيناريوهات الاصطفاف المصري
تتوزع الاحتمالات بشأن توجه القاهرة بين القوتين الخليجيتين على أربعة مسارات. الأول، وهو الأرجح على المدى القريب، استمرار الاعتماد على أبوظبي وتعميق التبعية الاقتصادية، بحكم أن الاستثمارات الإماراتية باتت بنيوية يصعب فكّها، وأن حاجة مصر إلى النقد الأجنبي مستمرة، لكن هذا المسار يحمل بذور توتره الخاص، إذ كلما تعمق التباين في السودان والقرن الأفريقي، اتسعت الهوة بين المصلحتين.
المسار الثاني هو محاولة إعادة التوازن نحو الرياض عبر ملفي السودان والبحر الأحمر، فالمصلحتان المصرية والسعودية تتقاطعان في دعم الجيش السوداني ووحدة السودان، ورفض النزعات الانفصالية، وتأمين البحر الأحمر، وكبح النفوذ الإماراتي.
وظهرت مؤشرات على هذا التقارب في الضغط المشترك على حفتر، وفي زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان للقاهرة مطلع 2026، والتأكيد على مواقف “متطابقة” بشأن وحدة الدول وسيادتها في السودان واليمن وأرض الصومال. لكن الخلاف السعودي المصري حول جدوى مصر وموثوقيتها شريكًا أمنيًا، كما كشف استبعادها من اتفاق مكة، يضع سقفًا منخفضًا لهذا التقارب.
المسار الثالث هو التنويع نحو أطراف أخرى، مثل قطر وتركيا والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، واستخدام هذه العلاقات كورقة مساومة. وقد بدأت القاهرة بالفعل ترميم علاقاتها مع أنقرة والدوحة، كما رأينا تركيا تدفع علنًا، وفق تصريح وزير خارجيتها، نحو ضم مصر إلى اتفاق مكة. لكن قدرة مصر على المناورة تبقى محدودة بحكم اعتمادها المالي على الخليج وواشنطن.
أما المسار الرابع، وهو الأكثر قتامة، فيتمثل في الانزلاق نحو تهميش إقليمي مطوّل، تتحول فيه مصر من صانع للنظام الإقليمي إلى متلقٍّ لقراراته، وتُستدعى للوساطة حين تحتاجها القوى الكبرى، كما في ملفات غزة والهدنة مع إيران، وتُستبعد من الترتيبات الأمنية حين تتراجع الحاجة إليها.
والأرجح أن تحاول القاهرة المزج بين هذه المسارات، فتُبقي على شريان أبوظبي المالي، وتقترب من الرياض في السودان، وتلوّح بأوراق التنويع، لكن هذا التوازن الدقيق يفترض هامش مناورة قد لا تملكه دولة مثقلة بالديون ومقيّدة بشروط صندوق النقد.
فالمفارقة المصرية في جوهرها هي مفارقة بين الحجم والوزن. مصر ما زالت أكبر دولة عربية سكانًا، وصاحبة الجيش الأضخم، وحارسة أهم ممر ملاحي في العالم، لكنها للمرة الأولى منذ عقود لم تعد تملك ثمن حضورها. وحين صار المال معيارًا للقوة، وجدت القاهرة نفسها في موقع المتلقي، فيما يشير غيابها عن غرفة مكة إلى أفول العصر الذي كانت فيه مصر مركز الثقل العربي، وانتقال مركز القرار إلى عواصم تملك الفائض المالي وما يترتب عليه من نفوذ سياسي ودبلوماسي.
أما الأخطر في نظرة الرياض فهو اعتبار مصر تابعة لأبوظبي، وهذا الحكم يظل محل جدل في ضوء التباينات بين القاهرة وأبوظبي حول السودان والقرن الأفريقي كما فصّلنا، لكنه يعكس حقيقة مؤلمة، وهي أن مصر فقدت القدرة على إقناع شركائها بأنها تملك قرارها المستقل. فمن يعتمد اقتصاده على ودائع الآخرين وأصولهم، يصعب عليه إقناع الآخرين باستقلال قراره السياسي.