منذ انتهاء انتخابات 2023، تغيرت موازين القوى السياسية في تركيا بصورة كبيرة، واتسمت هذه المرحلة بسرعة التقلبات وحدّتها، من اللقاءات المباشرة بين الحكومة والمعارضة بشأن الدستور، مرورًا بخسارة الانتخابات البلدية، ثم انطلاق عملية السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، وصولًا إلى مرحلة ملاحقة قضايا الفساد في البلديات والإدارات المحلية.
دخلت الساحة السياسية التركية منعطفًا جديدًا مع انقسام حزب الشعب الجمهوري (CHP)، أكبر أحزاب المعارضة التركية، إثر نزاع قضائي طويل بين أجنحته المتصارعة. وأدى هذا الانقسام إلى تحول كبير في المشهد السياسي، دفع مختلف الأحزاب إلى مراجعة حساباتها وتقييم مواقفها استعدادًا للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة عام 2028، والتي قد يجري تبكيرها بصورة مفاجئة، في ظل القيود القانونية التي قد تعيق ترشح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لولاية جديدة إذا أُجريت الانتخابات في موعدها الطبيعي.
ومع هذه التطورات، يجد الحزب الحاكم نفسه في وضع مريح من جديد، فيما تواجه أحزاب المعارضة ضغوطًا لإعادة ترتيب صفوفها وإقناع الناخبين من جهة، والتعامل مع القضايا القانونية المستمرة التي تطال بلدياتها وقياداتها من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تبرز أسئلة عديدة حول سيناريوهات السياسة الداخلية التركية، وكيف يمكن أن تتغير فرص حزب العدالة والتنمية (AK Parti) في الفوز بالانتخابات المقبلة بعد انقسام أكبر أحزاب المعارضة.
المعارضة التركية أمام مفترق طرق
منذ فوزه الكبير في الانتخابات البلدية التي أُجريت عام 2024، خسر حزب الشعب الجمهوري (CHP) تدريجيًا الزخم الذي اكتسبه في السياسة الداخلية. وبدأ الحزب يتلقى الضربات القضائية في مارس/آذار 2025، عندما أُلقي القبض على رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو، ثم عُزل من منصبه على خلفية اتهامات عديدة، من أبرزها الفساد المالي والإداري.
وتوالت التحقيقات لتشمل عشرات البلديات التي فاز بها (CHP)، خاصة في إسطنبول، فضلًا عن ولايات أخرى، بالتزامن مع الكشف عن أدلة تتعلق بتورط مسؤولين في البلديات بقضايا رشوة وفساد، ما أضر بسمعة الحزب لدى الجمهور التركي.
وتلقى الحزب ضربة أخرى مع خسارته عددًا من بلدياته ومقاعده البرلمانية، إثر استقالة رؤساء بلديات ونواب من عضويته وانضمامهم إلى حزب العدالة والتنمية (AK Parti)، الذي استعاد تدريجيًا جزءًا من توازنه بعد خسارته الانتخابات البلدية، وتمكن من استعادة جانب من الثقة التي فقدها في أعقابها.
وفي موازاة ذلك، دخلت المعارضة في صراع داخلي بعد أن تقدم أنصار الرئيس السابق لحزب الشعب الجمهوري، كمال كلتشدار أوغلو، بشكوى قضائية ضد الرئيس الحالي أوزغور أوزال، بتهمة التلاعب بانتخابات الحزب. وصدر مؤخرًا قرار بإبطال الانتخابات، ما أدى إلى عزل أوزال وإعادة كلتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب.
وأمام هذه الأزمات، قرر أوزغور أوزال وفريقه الاستقالة من حزب الشعب الجمهوري وتأسيس حزب جديد حمل اسم “الحزب الجديد” (Yeni Parti)، وسرعان ما أصبح الحزب أكبر أحزاب المعارضة، بعد استقالة 91 نائبًا من حزب الشعب الجمهوري وانضمامهم إليه، فيما تراجع عدد نواب حزب الشعب الجمهوري إلى 44 نائبًا.
ما الجديد في “الحزب الجديد”؟
لم يطرأ تغيير يُذكر على الكادر القيادي في “الحزب الجديد” مقارنةً بالكادر الذي كان يقوده أوزغور أوزال في حزب الشعب الجمهوري، إذ استعان بالأسماء نفسها التي عملت معه سابقًا. وأثار ذلك انتقادات من أنصار كمال كلتشدار أوغلو، الذين سخروا من اسم “الجديد” في ظل استمرار الوجوه القديمة.
ويُذكر أن أوزغور أوزال استهل أيامه الأولى على رأس الحزب الجديد بأداء صلاة الجمعة، كما انتشر له مقطع آخر أثناء وضوئه في حرم أحد المساجد، في خطوة حملت رسائل طمأنة إلى الشرائح المحافظة والمتدينة.
وبالنظر إلى برنامج “الحزب الجديد”، تبدو ملامحه قريبة إلى حد كبير من برنامج حزب الشعب الجمهوري، مع تركيز أوضح على السياسات الاجتماعية الداعمة للفئات المهمشة. ويعكس البرنامج توجه قيادة الحزب نحو سياسة “يسار الوسط“، تمنح الأولوية للإصلاح الاقتصادي وتعزيز السياسات الديمقراطية في مواجهة ما يصفه الحزب بـ”السياسات الاستبدادية” التي يتبعها الحزب الحاكم حاليًا.
وعند متابعة الخطاب الرسمي لقادة “الحزب الجديد”، يبرز التعهد بتوسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار داخل الحزب بوصفه أحد أبرز وعود التجديد السياسي، فقد أعلن أوزغور أوزال تأسيس مجالس محلية في مختلف أحياء تركيا، يشارك فيها أعضاء الحزب وتكون مصدرًا لاتخاذ القرار بعيدًا عن مركزية القيادة.
كما أعلن وضع حد أقصى لبقاء قادة الحزب والبرلمانيين في مواقعهم، لا يتجاوز ثلاث دورات برلمانية، بهدف تجديد القيادات والحد من احتكار العمل السياسي داخل دائرة ضيقة.
قد تكون أمام “الحزب الجديد” فرصة جيدة لكسب فئات جديدة من المجتمع لم يتمكن حزب الشعب الجمهوري من الوصول إليها سابقًا، بسبب إرثه السياسي المرتبط بمحطات مؤلمة لدى شرائح من المجتمع التركي، من بينها قمع المتدينين، ودعم الانقلابات العسكرية، واتباع سياسات علمانية متشددة.
ويحاول قادة الحزب الجديد الظهور بصورة أكثر اعتدالًا، والابتعاد عن الخطاب الشوفيني، الذي يقوم على تصورات التفوق العرقي أو الحضاري للأتراك البيض العلمانيين على بقية فئات المجتمع التركي، والذي ارتبط بخطاب بعض قيادات الحزب السابقة، سواء عبر مواقف معادية للمتدينين أو عنصرية تجاه الأكراد والعرب واللاجئين.
وتبقى قدرة الحزب على إقناع هذه الفئات مرهونة بمدى انسجام خطابه الجديد مع تركيبته القيادية، إذ ما تزال داخله أسماء معروفة بمواقف إقصائية ومتطرفة، وهو ما قد يضعف مصداقية هذا التوجه أمام الجمهور.
ما هي الاحتمالات في انتخابات 2028؟
يمكن القول إن تركيا بدأت تدخل أجواء انتخابات 2028 مبكرًا، إذ شرعت مختلف الأحزاب في إعادة ترتيب صفوفها وتسريع تحركاتها في الساحة الداخلية. فعلى سبيل المثال، بدأ “تحالف الجمهور” الحاكم العمل برلمانيًا على إقرار قانون إطاري ينظم عملية السلام مع تنظيم (PKK)، وقد حظي المشروع بموافقة معظم الأحزاب وتجاوز العتبة القانونية اللازمة لتشريعه، ما منح عملية السلام زخمًا جديدًا.
وفي المقابل، كثفت الأحزاب القومية والمحافظة المعارضة، مثل الحزب الجيد وحزب الظفر المعادي للاجئين وحزب المفتاح، لقاءاتها واجتماعاتها، ما يفتح الباب أمام احتمال تشكيل تحالف أو صيغة تعاون انتخابي بينها.
كما أعلن رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو اعتزاله العمل السياسي وحل حزبه “حزب المستقبل“، في خطوة من شأنها زيادة التنافس بين الأحزاب على استقطاب نوابه العشرة الذين أصبحوا مستقلين، خاصة مع تصاعد الحديث عن إعداد مسودة دستور جديد.
ويظل الملف الاقتصادي عاملًا حاسمًا عند الحديث عن انتخابات 2028، إذ ما تزال الأزمة الاقتصادية في مقدمة القضايا التي تشغل الناخب التركي، بالتزامن مع تراجع قضايا كانت تحظى بأولوية أكبر في السابق، مثل ملف اللاجئين، كما يستمر التضخم عند مستويات مرتفعة رغم توقعات البنك المركزي بانخفاضه.
وكما فعل حزب العدالة والتنمية في محطات انتخابية سابقة، قد يلجأ في الأشهر التي تسبق الانتخابات إلى إجراءات اقتصادية سريعة تستهدف شرائح محددة من الناخبين وتخفف أثر الأزمة الاقتصادية على خياراتهم. وقد اتبع هذا المسار قبل الانتخابات الرئاسية الماضية، عبر إقرار ترتيبات أتاحت التقاعد المبكر ورفع رواتب المتقاعدين، ما ساعده على كسب شريحة واسعة من هذه الفئة التي كان موقفها مؤثرًا في تحديد نتيجة الانتخابات.
بالنظر إلى هذه المعطيات، يمكن القول إن “الحزب الجديد” مرشح للحصول على الجزء الأكبر من أصوات حزب الشعب الجمهوري، وربما الوصول إلى شرائح جديدة من الناخبين، وقد يدفع ذلك حزب (CHP) إلى ما دون العتبة البرلمانية، ليصبح حزبًا هامشيًا محدود التأثير بعد عام 2028، إذا واصل الحزب الجديد تبني خطاب معتدل والابتعاد عن الخطاب الشوفيني الذي ميّز الحرس القديم في حزب الشعب الجمهوري.
أما التحالف الحاكم، فقد بدأ يدخل أجواء الانتخابات بقدر أكبر من الراحة والثقة، بعد عودته إلى صدارة بعض استطلاعات الرأي، واستقطابه عددًا من النواب ورؤساء البلديات من أحزاب المعارضة، فضلًا عن التقدم في خطوات عملية السلام مع الأكراد. وتعزز هذه العوامل فرصه في الحفاظ على النسبة التي حققها في الانتخابات البرلمانية السابقة، فيما يبقى الملف الاقتصادي العقبة الأبرز أمامه قبل الانتخابات.
وبالنظر إلى أحدث استطلاعات الرأي، يظهر تفاوت كبير في النتائج بين الشركات المقربة من الحكومة وتلك المقربة من المعارضة، وهو أمر مألوف في السياسة التركية التي تشهد استقطابًا حادًا، وتُستخدم فيها بعض الاستطلاعات لخدمة أجندات سياسية. ورغم ذلك، يمكن الاستفادة من النتائج المنشورة في رصد الاتجاهات العامة للناخبين.
وتُظهر شركات استطلاع الرأي المعارضة، مثل متروبول وغوندمار، تصدر “الحزب الجديد” بنسبة تتجاوز 30%، يليه حزب العدالة والتنمية بنسبة تتراوح بين 22 و25%، فيما تراجعت نسبة حزب الشعب الجمهوري إلى أقل من 3%. وفي المقابل، أظهرت نتائج الشركات المقربة من الحزب الحاكم، مثل بيتمار وأوبتمار، تصدر حزب العدالة والتنمية بفارق مريح، مع انقسام أصوات المعارضة بين “الحزب الجديد” وحزب الشعب الجمهوري بنسب متقاربة.
يصعب الحديث حاليًا عن احتمالات الفوز في الانتخابات الرئاسية، في ظل عدم الإعلان عن القائمة النهائية للمرشحين، لا سيما أن الرئيس رجب طيب أردوغان يواجه عائقًا دستوريًا يمنعه من الترشح لولاية ثالثة، إلا في حال إقرار دستور جديد، وهو احتمال مستبعد على المديين القريب والمتوسط لاعتبارات عديدة، أو في حال إقرار مجلس الشعب التركي إجراء انتخابات مبكرة، وهو الاحتمال الأكثر ترجيحًا.
ويكتسب هذا السيناريو وجاهة أكبر في ظل إصرار المعارضة على مطلب الانتخابات المبكرة منذ سنوات. كما أعلن حزب العدالة والتنمية عزمه ترشيح أردوغان لولاية جديدة، ما يرجح أن يدفعه خلال الفترة المقبلة نحو المطالبة بانتخابات مبكرة، حتى يصبح ترشحه ممكنًا دستوريًا، وقد يكون موعدها في عام 2027.
أما المعارضة، فقد أعلن أوزغور أوزال قبل أشهر أن مرشحها هو أكرم إمام أوغلو، إلا أن الأخير معتقل على ذمة قضايا فساد، وقد تحول الملاحقات القانونية دون تمكنه من خوض الانتخابات. وفي هذه الحالة، سيضطر “الحزب الجديد” إلى ترشيح اسم آخر، قد يكون أوزغور أوزال نفسه أو رئيس بلدية أنقرة الكبرى منصور ياواش، المعروف بقربه من التيار القومي المحافظ، والذي قد يتمكن من جذب ناخبي الأحزاب القومية المعارضة، وحتى جزء من قاعدة التحالف الحاكم.
ولن تنحصر المنافسة الرئاسية بين هذين الحزبين، إذ ستسعى أحزاب أصغر، مثل الرفاه الجديد والجيد والظفر والسعادة، إلى تقديم مرشحين آخرين، وربما تتوافق على مرشح واحد لزيادة حظوظها. كما سيكون موقف حزب الديمقراطية والمساواة الشعبية (DEM Parti)، المقرب من الأكراد، عاملًا مفصليًا، إذ قد يتجه إلى دعم حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات في ضوء التطورات المرتبطة بعملية السلام.
في المحصلة، تبدو حظوظ “تحالف الجمهور” الحاكم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أفضل نظريًا في الوقت الحالي، مستفيدًا من تشتت المعارضة والنجاحات التي حققها في عدد من الملفات الداخلية والإقليمية. وفي المقابل، يمكن لـ”الحزب الجديد” تعزيز موقعه إذا تبنى سياسة معتدلة وعقلانية، بما يساعده على استقطاب شرائح متضررة من الأزمة الاقتصادية وأخرى معترضة على ممارسات تصفها المعارضة بـ”الاستبدادية”.
وفي الختام، تبقى السياسة الداخلية التركية شديدة التقلب، بما يجعل التنبؤ بمسارها حتى موعد الانتخابات أمرًا بالغ الصعوبة، إذ يمكن أن تتغير الموازين خلال فترة قصيرة بفعل تطورات مفاجئة. وكما قال الرئيس التركي الأسبق سليمان دميريل، “24 ساعة في السياسة التركية مدة طويلة جدًا”.