شهدت بوركينا فاسو منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960 سلسلة اضطرابات وانقلابات عسكرية بلغت ذروتها عام 2022 بانقلابين متتاليين. ففي يناير/كانون الثاني 2022 أطاح المقدم بول هنري بالرئيس المنتخب روك مارك كريستيان كابوري بحجة عجز حكومته عن مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة، قبل أن يُطيح به النقيب إبراهيم تراوري في 30 سبتمبر/أيلول من العام ذاته في تاسع انقلاب تشهده البلاد.
ينحدر تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل الديولا، والتحق بالجيش عام 2010 وتدرج في الرتب العسكرية، قبل أن يقود انقلابه ويعلن نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد، ليصبح أول مسلم يتولى الرئاسة منذ نحو أربعة عقود، بعد ساي زيربو الذي حكم بين عامي 1980 و1982.
ومنذ أيامه الأولى بالسلطة، أعلن تراوري أن أولويته الأساسية هي تحرير الأراضي من الجماعات المسلحة. وقد اكتسب في بداية عهده شعبية لدى الأجيال الشابة بسبب إنهاء الوجود العسكري الفرنسي، بالتزامن مع تعميق التعاون العسكري والسياسي مع روسيا.
لكن رغم تعهداته السابقة بالقضاء على الجماعات الجهادية في أشهر قليلة، استمر التدهور الأمني وبقيت مساحات واسعة خارج سيطرة الدولة، كما وجهت اتهامات للجيش والمليشيات المساندة لتراوري بارتكاب انتهاكات واسعة خلال عملياتهم ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
وقد أدت التحديات الأمنية المستمرة إلى تغيير مسار المرحلة الانتقالية، ففي مايو/أيار 2024 مدد النظام العسكري الفترة الانتقالية لخمس سنوات مع إمكانية ترشح تراوري للرئاسة. كما شددت السلطة قبضتها السياسية بتعليق النشاط الحزبي وحل أكثر من 100 حزب ومئات الجمعيات بحجة مكافحة التجسس وتمويل الإرهاب. وتراجع تراوري عن وعوده بإجراء انتخابات ديمقراطية، وأعلن مؤخرًا أن الديمقراطية ليست أولوية في المرحلة الحالية.
تلك التحولات امتدت لتشمل أيضًا الشأن الإسلامي في بلد يشكل المسلمون غالبية سكانه، فقد بدأ تراوري في ظل حربه الحالية على الجماعات المسلحة ببلورة رؤية جديدة للعلاقة بين السلطة والدين تقوم على تعزيز علمانية الدولة، وتشديد الرقابة على المؤسسات الإسلامية، وربط بعض مظاهر النشاط الإسلامي بملف مكافحة التطرف، وهو ما يتناوله هذا التقرير عبر تحليل أوضاع المجتمع المسلم والسياسات الجديدة تجاههم.
أوضاع مسلمي بوركينا فاسو
تقع بوركينا فاسو في قلب غرب أفريقيا، وهي دولة حبيسة تبلغ مساحتها 274 ألف كيلومتر مربع، وتحدها ست دول، هي مالي والنيجر وبنين وتوغو وغانا وساحل العاج. ورغم افتقارها لمنفذ بحري، فإن موقعها الجغرافي منحها أهمية استراتيجية كحلقة وصل بين دول الساحل وغرب أفريقيا، مما جعل أمنها واستقرارها متأثرين ومؤثرين بشكل مباشر في محيطها الإقليمي.

ويبلغ عدد سكان بوركينا فاسو 22 مليون نسمة ينتمون إلى أكثر من ستين مجموعة عرقية أبرزها الموسي التي تقارب نصف السكان. كما تربو اللغات المحلية في بوركينا فاسو على ستين لغة، وتُعد الفرنسية اللغة الرسمية في البلد.
ووفقًا لتعداد عام 2019، يمثل المسلمون 63.8% من السكان، و20.1% كاثوليك، و6.2% ينتمون إلى طوائف بروتستانتية مختلفة، و9.0% من أتباع من يُطلق عليهم “الديانات الروحية”، وأقل من 1% ملحدون. ورغم أن غالبية المسلمين سنة مالكية، إلا أن يوجد أقل من 1% شيعة.
أما المشهد الإسلامي يتوزع بين طرق صوفية، أبرزها التيجانية، والتيارات السلفية، والجماعة الأحمدية، فضلًا عن حركات إصلاحية ومؤسسات تعليمية وشبابية نشأت منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ويعاني المشهد الإسلامي في بوركينا فاسو من انقسامات أيديولوجية وتنافسات شخصية حتى داخل كل فرع من فروعه، ويتمثل الانقسام الرئيسي داخل المجتمع بين الصوفيين والسلفيين الذين يُمثلهم بشكل أساسي التيار السني، لكن غالبية السلفيين يدينون العنف ويتسمون بالتسامح.
وتضم البلاد ما يقارب الـ 50 ألف مسجدًا، وأكثر من 300 منظمة إسلامية مسجلة رسميًا، وقد شهدت العقود الأخيرة محاولات متكررة لتوحيد المكونات الإسلامية تحت مظلة تنظيمية واحدة، كان أبرزها اتحاد الجمعيات الإسلامية في بوركينا فاسو، إلا أن تلك المحاولات اصطدمت بتباينات فكرية وشخصية حالت دون تحقيق وحدة مؤسسية.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت مؤشرات على تصاعد التدين داخل المجتمع، كانتشار المدارس القرآنية وازدياد أعداد المساجد، وإنشاء غرف للصلاة في الحرم الجامعي، وظهور أنماط أكثر محافظة في الملبس خاصة بين الشباب.
إلى جانب انتشار اللغة العربية التي تحظى بمكانة خاصة، ويفضلها كثير من المسلمين على اللغة الفرنسية المرتبطة عندهم بالإرث الاستعماري، مع ذلك فإن حوالي 55% من المدارس العربية غير معترف بها حكوميًا بخلاف المدارس الفرنسية. كذلك لا يُسمح بالتعليم الديني في المدارس الحكومية، وتُدير كل من الجماعات الإسلامية والكاثوليكية والبروتستانتية مدارس ابتدائية وثانوية خاصة بها.

ومنذ عام 2005، أصبح المسلمون أكثر نشاطًا سياسيًا وتنظيمًا، وبدأ جيل جديد من القادة المسلمين الشباب في التساؤل عن الوضع السياسي الراهن وتهميشهم التاريخي، والمكانة المتميزة للكنيسة الكاثوليكية في السياسة البوركينية.
وقد عبّر عدد من القيادات الإسلامية مرارًا عن شعورهم بالتهميش وضعف حضورهم في وظائف الخدمة المدنية والجهاز البيروقراطي للحكومة المركزية، كما أشار بعضهم إلى قلة عدد الوزراء المسلمين في الحكومات المتعاقبة. وظل تولي شخصيات مسلمة رئاسة البلاد استثناءً محدودًا، وهو ما يعيده بعض الباحثين إلى الإرث الاستعماري الفرنسي وتفاوت فرص التعليم بين المدارس الفرنسية والمدارس الإسلامية، أكثر من كونه نتيجة سياسات تمييزية مباشرة.
كذلك يشعر المسلمون أن المسيحيين وخاصة البروتستانت يسعون إلى تنصيرهم، وأن الحكومة ليست محايدة في هذا الشأن، وتوجه انتقادات واسعة من قبل بعض الشخصيات والدوائر الإسلامية البوركينية لأنشطة التبشير المسيحي، حيث يُشير البعض إلى وجود أكثر من 400 جمعية ومؤسسة تبشيرية.

وفي حقيقة الأمر، تشهد بوركينا فاسو نشاطًا تبشيريًا ملحوظًا تقوده كنائس ومنظمات مسيحية محلية ودولية، ويعتمد هذا النشاط على إنشاء مدارس ومراكز صحية وبرامج إغاثة، إلى جانب الأنشطة الدينية.
كما يرى بعض زعماء المسلمين أن الوقت المخصص لكل دين على إذاعة وتلفزيون بوركينا فاسو الحكومية غير عادل، ويملك الإعلام العلماني 76% من الوسائل المسموعة والمرئية في بوركينافاسو، أيضًا يستنكر البعض تزيين المكاتب الحكومية والشوارع احتفالًا بالأعياد المسيحية دون الأعياد الإسلامية.
وفي الواقع، أثارت قضايا متنوعة عدة نقاشات متكررة حول حدود العلمانية في الدولة وما إذا كانت تطبق بصورة متوازنة على مختلف المكونات الدينية، مثل التمييز والوصم الذي يتعرض له المسلمون، وحالات الطرد التي تواجهها الفتيات المحجبات في المدارس وتعرضهن للتمييز في امتحانات القبول بالخدمة المدنية.
بجانب استياء المسلمين الشديد من اعتماد نظام الدوام في سبتمبر/أيلول 2015 الذي جعل أداء صلاة الجمعة مستحيلًا، وقد عززت تلك الملفات شعور المسلمين بأن العلمانية تعارض الإسلام على وجه الخصوص وبأن مصالحهم لا تؤخذ في الحسبان.
أيضًا يعاني بعض المسلمون من ظاهرة “الوصم الجماعي”، فقد تعرضت إثنية الفولاني لاستهداف ممنهج من قبل الجيش بدعوى دعمها لجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، وقد أسفرت هذه الاتهامات عن هجمات طالت مجتمعات مسلمة بأكملها، وهجرت قسرًا ونهبت ممتلكاتها، فضلًا عن عمليات قتل خارج نطاق القضاء.
ويسود اعتقاد لدى قطاع واسع من المسلمين بأن الدولة تعاقبهم على هجمات الجماعات الجهادية. ورغم ذلك، طالما عُرفت بوركينا فاسو على مدار عقود كنموذج للتعايش السلمي والتسامح الديني في غرب أفريقيا، ولا زالت تنتشر الزيجات المختلطة بين المسلمين والمسيحيين.
كيف غيرت حرب الساحل علاقة الدولة بالإسلام؟
لم تكن العلاقة بين الدولة والإسلام في بوركينا فاسو تُدار كملفًا أمنيًا، بل خضعت لإطار الدولة العلمانية، وتجنبت الدولة فرض قيود مؤسسية، كاشتراطات بناء المساجد، أو ترخيص الدعاة، أو فرض سيطرة على المدارس الإسلامية أو مناهجها الدراسية.
لكن هذا الواقع بدأ يتغير تدريجيًا منذ أواخر عام 2015، مع تصاعد نشاط الجماعات الجهادية في منطقة الساحل، لتصبح إدارة الشأن الإسلامي مرتبطة بالاعتبارات الأمنية ومكافحة الجماعات الجهادية.
فمنذ أواخر عام 2015، شهدت بوركينا فاسو تصاعدًا في نشاط الجماعات الجهادية، وفي مقدمتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة في الساحل، إلى جانب جماعات انفصالية، وميليشيات بعضها قائم على أسس عرقية، وقد جرى إضفاء الطابع الرسمي على بعض هذه المليشيات في عام 2019 تحت مسمى “متطوعو الدفاع عن الوطن” بهدف دعم الجيش في مواجهة الحركات الجهادية.
وتُعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الفاعل الجهادي الأبرز في منطقة الساحل الأوسط، فمنذ تأسيسها في 2 مارس/آذار 2017 نتيجة اندماج عدة جماعات إسلامية مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، انحصرت هجماتها في المناطق الشمالية المحاذية لمالي، قبل أن تمتد إلى بوركينا فاسو والنيجر، ثم وسعت نشاطها منذ عام 2019 إلى شمال بنين وتوغو وساحل العاج، في حين عزز تنظيم الدولة حضوره في المثلث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
ولم يقتصر نفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على تنفيذ هجمات مسلحة، بل سعت إلى ترسيخ سلطة موازية في المناطق التي سيطرت عليها من خلال إنشاء محاكم محلية، وإدارة بعض شؤون الحياة وفق تفسيرها للشريعة الإسلامية.
وبحلول عام 2024، كانت الجماعات المسلحة تفرض نفوذها على ما يقارب 40% من أراضي بوركينا فاسو، وقد أسهم هذا التدهور الأمني في إعادة تشكيل المشهد السياسي في منطقة الساحل، إذ استند قادة الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى عجز الحكومات المدنية عن احتواء الجماعات المسلحة لتبرير استيلائهم على السلطة.
وفي هذا السياق، شهدت بوركينا فاسو انقلابين عسكريين عام 2022، انتهى ثانيهما في 30 سبتمبر/أيلول بوصول تراوري إلى السلطة بعدما تعهد باستعادة السيطرة على الأراضي والقضاء على الجماعات المسلحة.
وقد وسع تراوري من سياسة الاعتماد على المتطوعين وسلح آلاف المدنيين للمشاركة في مواجهة الجماعات الجهادية، إلا أن هذه السياسة لم تُنهي الأزمة، بل ارتفع عدد الضحايا واستمرت الجماعات المسلحة في توسيع نفوذها.
وفي سبتمبر/أيلول 2023، عززت الحكومات العسكرية في بوركينا فاسو ومالي والنيجر تعاونهما الأمني بإطلاق “تحالف دول الساحل”، وصرح مسؤول لمجموعة الأزمات الدولية بأن هذا التحالف الثلاثي “مستوحى من حلف شمال الأطلسي” وأنه يشمل إطارًا للدفاع المشترك والتنسيق العسكري بين هذه الدول في ظل استمرار التهديدات الجهادية.
لكن رغم تلك الإجراءات، استمرت الجماعات المسلحة في تحقيق مكاسب ميدانية، ففي عام 2024 فرضت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حصارًا على عشرات المدن والبلدات، وهددت طرق الإمداد المؤدية إلى العاصمة واغادوغو، قبل أن تشن في 11 مايو/أيار 2025 هجومًا واسعًا على مدينة جيبو الشمالية، وتمكنت من السيطرة عليها مؤقتًا في أكبر هجوم تشنه على المدينة منذ فرض حصارها عليها عام 2020. كما حافظت الجماعة خلال عام 2026 على زخم عملياتها داخل بوركينا فاسو.

وأمام استمرار التدهور الأمني، لم تعد المواجهة مقتصرة على العمليات العسكرية، بل امتدت إلى المجال الديني نفسه، فقد بدأت الدولة تنظر إلى المؤسسات الإسلامية، والتعليم الشرعي، وخطب المساجد باعتبارها ملفات أمنية، وتعتقد السلطة في بوركينا فاسو بأن الجماعات الجهادية تستفيد من هذه البيئات في التجنيد ونشر خطابها.
وفي هذا الإطار، تبنت حكومة تراوري سلسلة من الإجراءات لإعادة هندسة المشهد الإسلامي نفسه باعتباره جزءًا من استراتيجيتها الشاملة لمواجهة الجماعات الجهادية، وكان أبرزها قانون الحريات الدينية، وتشديد الرقابة على بعض الأنشطة والمؤسسات الإسلامية، إلى جانب تبني خطاب رسمي يربط بين حماية الدولة ومواجهة ما تصفه السلطات بـ“التطرف الديني”.
كما صعد تراوري لهجته تجاه بعض العلماء والدعاة، وبرز هذا التوجه بصورة أوضح في سلسلة التصريحات التي أثارت جدلًا واسعًا خلال عام 2026، فقد أعلن رفضه تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد، معلنًا أن “الإسلام الراديكالي” لا مكان له في بوركينا فاسو، ومخاطبا الدعاة الذين يتهمهم بالتشدد بقوله: “إذا كان هذا هو إسلامكم، فسنحاربه.. على المتطرفين أن يتغيروا، وإذا لم يفعلوا فالمعركة قد بدأت”.
كما أعلن عن خطة لإعادة الطلاب البوركينيين الذين يدرسون علوم الشرعية في عدة دول عربية، ولوح بإجراءات قد تصل إلى سحب الجنسية ممن يرفضون العودة. وفي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، صرح تراوري بأن الأفارقة تعرضوا لـ“ألف عام من العبودية على يد العرب”، وهي تصريحات أثارت ردود فعل واسعة، ووصفها كثيرون بالمغالطة التاريخية.
كيف تحوّل مشروع إبراهيم تراوري، القائد العسكري لبوركينا فاسو الذي بنى شرعيته على طرد المستعمر الفرنسي، إلى تقارب صامت مع تل أبيب وارتهان اقتصادي لأبوظبي؟
📍لتفاصيل أكثر اقرأ تقرير @Moh_Gamea👇https://t.co/31LIhxWLdc pic.twitter.com/XOwXPzQB0S
— نون بوست (@NoonPost) July 31, 2026
الصدام مع المجتمع المسلم
في الأشهر الأولى التي أعقبت استيلائه على السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، حرص تراوري على بناء علاقة إيجابية مع الأوساط الإسلامية، فأظهر تدينه في خطاباته، وأكد احترامه للإسلام ودوره في المجتمع، وهو ما أسهم في تحسين صورته.
كما وجد عدد من العلماء والدعاة في خطابه المناهض للنفوذ الغربي امتدادًا لتطلعاتهم، فقدم بعضهم دعمًا معنويًا له، ودعوا إلى طاعته، وأشادوا بما اعتبروه نياته الطيبة مقارنة بأسلافه الذين كانوا وفق ما يردد مجرد عملاء للغرب.
غير أن العلاقة بدأت تتغير تدريجيًا مع استمرار الحرب ضد الجماعات الجهادية واتساع المقاربة الأمنية للدولة، إذ اتجهت السلطة إلى إعادة تنظيم المجال الديني نفسه، وبدأت بالتضييق على المساجد والدعاة واعتقال شخصيات مؤثرة، ودخلت البلد في مرحلة جديدة قد يكون عنوانها الأبرز هو الانقلاب على ممثلي الثقافة العربية والإسلامية.

وشكل عام 2026 نقطة تحول في سياسة الدولة تجاه إدارة الشأن الديني، ففي 19 مارس/آذار وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون الحريات الدينية الذي استهدف وضع إطار قانوني أكثر صرامة لتنظيم ممارسة الشعائر الإسلامية داخل المؤسسات العامة، مثل الإدارات الحكومية والثكنات العسكرية، إذ كانت الوزارات والمؤسسات الرسمية تشهد بانتظام أداء الصلاة داخل أوقات العمل الرسمية.
ونص المشروع على حظر إنشاء أماكن عبادة داخل هذه المؤسسات، والحد مما وصفته الحكومة بـ“التلوث الضوضائي” الناتج عن استخدام مكبرات الأذان، إلى جانب إخضاع بعض الأنشطة الإسلامية لإجراءات تنظيمية وترخيصية.
وتضمن المشروع عقوبات بالسجن والغرامة على عدد من الممارسات التي صُنفت تجاوزات، كما وسعت الدولة نطاق إشرافها ليشمل إنشاء دور العبادة، وتنظيم عمل الجمعيات الدينية، والرقابة على التمويل، ومتابعة القيادات الدينية والتعليم الشرعي، وهو ما مثل قطيعةً كبيرةً مع النهج السابق في التعامل مع الدين حين كانت سلطة الدولة تمتنع عن التنظيم أو التدخل بهذا الشكل في الشأن الديني.
وفي 20 يونيو/حزيران 2026، أقر البرلمان بالإجماع قانون الحريات الدينية، وبالتوازي مع إعداد هذا القانون، شرعت السلطات في تشديد الرقابة على منظمات المجتمع المدني والجمعيات، إذ قررت في 15 أبريل/نيسان 2026 حل 118 منظمة بدعوى مخالفة القوانين المنظمة لعملها، كما علقت نشاط 1056 منظمة أخرى في الفترة بين أبريل ويونيو 2026.
وقال مسؤولون حكوميون إن تلك الإجراءات تهدف إلى منع التطرف والحفاظ على حقوق جميع الطوائف الدينية، ووصفت الحكومة هذه الإجراءات بأنها تعزز النظام العام، وتحافظ على التماسك الاجتماعي، وترسخ الطابع العلماني للدولة.
لكن منظمات حقوق الإنسان اعتبرتها تمثل جزءًا من نمط أوسع لتضييق المجال المدني في البلاد، ويرى محللون أن السلطات أصبحت تنظر إلى الأنشطة الإسلامية داخل المؤسسات الحساسة ولا سيما الثكنات العسكرية باعتبارها تتيح فرصًا للتأثير أو الاختراق من قبل الجماعات الجهادية.
وقد برز الإمام محمد إسحاق كيندو نائب رئيس الحركة السنية في بوركينا فاسو وأحد أبرز علماء السنة، كأبرز المنتقدين لقانون الحريات الدينية، معتبرًا أنه يمس حرية العبادة، وبعد يومين من انتقاده العلني، اعتقلته قوات الأمن في 26 مايو/أيار 2026، في خطوة أثارت ردود فعل واسعة داخل الأوساط الإسلامية.
ولم يكن اعتقال كيندو الحالة الوحيدة، إذ اختفى إمام مدينة بوبو ديولاسو محمود بارو منذ 31 مارس/آذار 2026 عقب انتقاده المشروع نفسه، دون أن تعلن السلطات رسميًا عن مكان وجوده، كما توفي الناشط محمدي باغيان بعد توقيفه في واغادوغو في اليوم ذاته، وهو ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بشأن تعاملها مع الأصوات المعارضة.
وأدى اعتقال كيندو إلى اندلاع احتجاجات في العاصمة واغادوغو، طالب خلالها المصلون بالإفراج عنه، غير أن السلطات ردت بإغلاق أكبر مسجد تابع للتيار السني في العاصمة بدعوى الحفاظ على النظام العام، كما استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، واعتقلت نحو 100 من أنصار كيندو، ونُقلتهم إلى معسكرات للتدريب المدني والوطني بحسب الرواية الرسمية.
كيف تؤثر السياسات الجديدة على المجتمع المسلم؟
أثارت هذه السياسات الجديدة مخاوف من اتساع الفجوة بين الحكومة وقطاعات من المجتمع المسلم، لا سيما أن عددًا من العلماء الذين دعموا تراوري عقب وصوله إلى السلطة دخلوا لاحقًا في خلاف معه بسبب اعتقال بعض الأئمة، والسياسات الجديدة الخاصة بإدارة الشأن الديني.
يرى مراقبون أن اعتقال الأئمة، وإغلاق بعض المساجد، وتعليق نشاط بعض الجمعيات الإسلامية يعكس توسعًا في المقاربة الأمنية، بحيث أصبحت الدولة تنظر إلى الأطر الإسلامية والاجتماعية التقليدية كمصدرًا محتملًا للتهديد.
ويؤكد منتقدو السياسة الجديدة لحكومة بوركينا فاسو أنها تجاوزت حدود التنظيم الإداري إلى تقييد بعض مظاهر الحرية الدينية، وأنها ستسهم في تعميق التوتر بين السلطة وقطاعات من المجتمع المسلم. ورغم أنه رسميًا لا يُسمح ببناء أي مكان للعبادة دون ترخيص إداري، لكن بعض الأفراد يُنشئون مساجد سرية، ويحولون ساحات منازلهم إلى مصلى.
ويحذر خبراء في شؤون الساحل من أن التضييق على الجمعيات والرموز الإسلامية المعتدلة قد يمنح الجماعات الجهادية مادة دعائية تستثمرها في تعزيز خطاب المظلومية واستقطاب الشباب، مستفيدة من أي شعور بالإقصاء أو الاحتقان داخل المجتمع. كما أن تعليق أنشطة الجمعيات الإسلامية الشبابية والخيرية قد يخلق فراغًا تستطيع الجماعات الجهادية استغلاله داخل المجتمعات المحلية.
أيضًا يحذر خبراء من أن استمرار التفاوت الملحوظ بين عدد المسلمين ومستوى تمثيلهم المنخفض في الحياة العامة سيخلق توترات. وبالتزامن مع تزايد الوعي السياسي للمجتمع المسلم، يرى باحثون مختصون بالشأن البوركيني أن السلفية الجهادية ستظل التحدي الأمني الأبرز للبلاد لسنوات قادمة.
ويشير هؤلاء إلى أن الحفاظ على التماسك الاجتماعي وتجنب تكرار سيناريو مالي يتطلبان من الدولة الاعتراف بالنشاط الإسلامي كواقع سياسي جديد، ومعالجة المظالم المشروعة للمسلمين، غير أن تحقيق ذلك يظل تحديًا في بلدٍ أخفقت فيه حكومات ما بعد الاستقلال في بناء روابط فعالة مع المجتمع المسلم.