في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تدخل باكستان على خط الأزمة المتصاعدة بين السعودية والحوثيين، بعدما بلغ التوتر بين الطرفين مستويات غير مسبوقة، وباتت تداعياته تتجاوز حدود اليمن إلى تهديد الأمن السعودي، سواء على مستوى الملاحة أو منشآت الطاقة، خاصة مع سيطرة الحوثيين على عدد من المواقع الاستراتيجية التي عززت حضورهم بالقرب من باب المندب والبحر الأحمر.
وفي 17 سبتمبر/أيلول الجاري، أعلنت الخارجية الباكستانية موقفها من التطورات، مؤكدة ضرورة وقف الأنشطة الحوثية في المنطقة في ظل ما وصفته بخطورة الأوضاع في باب المندب، لكنها في الوقت نفسه شددت على أن الطريق إلى احتواء الأزمة يجب أن يمر عبر الحوار والدبلوماسية، بعيدًا عن الخيارات القسرية التي قد تقود إلى مزيد من التصعيد.
وفي السياق ذاته، أفادت وكالة «رويترز» بأن إسلام أباد نقلت رسائل إلى طهران تطالبها باستخدام ما لديها من نفوذ للحد من الهجمات الحوثية على السعودية، بالتزامن مع تكثيف قائد الجيش الباكستاني عاصم منير اتصالاته بالمسؤولين الإيرانيين، وهي تحركات تضع باكستان بصورة متزايدة في موقع الوسيط الساعي إلى تهدئة الأجواء ومنع الأزمة من الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ولا يمكن فصل هذا التحرك الباكستاني عن الموقع الجديد الذي باتت تشغله إسلام أباد باعتبارها أحد أضلاع تحالف مكة الثلاثي إلى جانب السعودية وتركيا، فالأزمة الحالية تفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز فرص نجاح الوساطة نفسها، لتشمل دوافع باكستان من وراء هذا التحرك، والأدوات التي يمكن أن تستخدمها للتأثير في أطراف الأزمة، ومدى قدرة تحالف مكة على مواجهة أول اختبار عملي له بعد تأسيسه.
ومن هنا، تبدو الأزمة الراهنة مرشحة لأن تكون اختبارًا مبكرًا لقدرة التحالف على الانتقال من الالتزامات المكتوبة إلى الفعل السياسي والأمني على الأرض، كما قد تسهم نتائجها في رسم جانب من ملامح مستقبله ودوره الإقليمي، فهل تنجح إسلام أباد في احتواء أزمة لم تعد تقتصر على المواجهة السعودية–الحوثية المباشرة إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؟
وساطة تحت الضغط
تنطلق إسلام أباد في تحركها الدبلوماسي لخفض التوتر بين الحوثيين والرياض مدفوعة بجملة من الاعتبارات التي تجعل من هذا المسار خيارًا سياسيًا شبه حتمي، في مقدمتها العلاقة الاستراتيجية التي تربطها بالسعودية، وهي علاقة تحرص باكستان على صونها وعدم تعريضها للاهتزاز، لما تمثله المملكة من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري في حساباتها الإقليمية.
وقد ازدادت حساسية هذا الالتزام بعد توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب الماضي، بما يفرضه من التزامات جديدة على إسلام أباد تجاه حليفها السعودي، ويضعها أمام اختبار مبكر لطبيعة هذا التحالف وحدود التزامات أعضائه.
– حثّ قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إيران على استخدام نفوذها لوقف هجمات الحوثيين على السعودية ومنشآتها النفطية بينما ذكّر بالتزامات إسلام آباد الدفاعية تجاه الرياض من دون توجيه تهديد محدد.
– كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" نقلًا عن مصدرين مطلعين أن منير كرر طلبه خلال محادثاته مع… pic.twitter.com/kdqK1pzhtG
— نون بوست (@NoonPost) September 18, 2026
وفي المقابل، تحاول باكستان تجنب الانزلاق إلى معادلة تفرض عليها الاختيار بين الرياض وطهران، فعلى الرغم من متانة علاقاتها بالسعودية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، فإنها تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات مهمة مع إيران، تستند إلى حدود مشتركة طويلة، فضلًا عن تفاهمات أمنية وطاقوية ومصالح متشابكة تجعل من الصدام مع طهران خيارًا شديد الكلفة بالنسبة لإسلام أباد.
ومن هنا، تبدو الوساطة الباكستانية محاولة لتطويق الأزمة قبل تجاوزها خطوطًا يصعب التراجع عنها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التوازن الدقيق في علاقاتها مع الطرفين، كما تمنح هذه التحركات إسلام أباد فرصة لترسيخ موقعها كوسيط إقليمي قادر على التحرك بين معسكرات متباعدة، خاصة في ضوء الدور الذي اضطلعت به مؤخرًا في فتح قنوات اتصال بين طهران وواشنطن وسط التصعيد القائم بينهما.
أي أوراق بحوزة إسلام أباد؟
تدخل إسلام أباد هذه المهمة وهي تمتلك مجموعة من الأوراق التي تمنحها مساحة للحركة وتساعدها على الاضطلاع بدور الوسيط، غير أن قيمة هذه الأوراق ترتبط أساسًا بقدرتها على نقل الرسائل وتهيئة الأرضية للتفاهم، أكثر من قدرتها على فرض تسوية أو إلزام أي من أطراف الأزمة بالاستجابة، ومن ثم، تظل تلك الوساطة رهينة استعداد الأطراف نفسها للتجاوب، في ظل غياب أدوات مباشرة تتيح لإسلام أباد فرض مسار سياسي بعينه.
وتأتي في مقدمة هذه الأوراق العلاقة القوية التي تربط باكستان بطرفي المعادلة الإقليمية المحيطة بالأزمة، فمن جهة، ترتبط بالسعودية بشراكات وتفاهمات استراتيجية واسعة، ومن جهة أخرى تحافظ على قناة مفتوحة ومباشرة مع إيران، بما يتيح لها توظيف هذه العلاقة في محاولة دفع طهران إلى استخدام ما لديها من نفوذ على الحوثيين لخفض التصعيد، سواء تجاه السعودية أو في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
هذا الموقع بين الرياض وطهران يمنح إسلام أباد ميزة مهمة في نقل الرسائل بين الطرفين، وهو ما برهنت عليه بالفعل تقارير إعلامية أشارت إلى نقل باكستان تحذيرًا سعوديًا إلى إيران يطالبها باستخدام نفوذها للحد من الهجمات الحوثية، بالتوازي مع اتصالات أجراها قائد الجيش الباكستاني مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تناولت سبل استعادة المسار الدبلوماسي واحتواء التصعيد.
وتستند باكستان كذلك إلى رصيد من الخبرة في التعامل السياسي مع إيران، وهو ما يمنحها قدرًا من الثقة والحضور لدى طهران، فقد لعبت إسلام أباد خلال الأشهر الماضية دورًا في الاتصالات المرتبطة بالمسار الإيراني- الأمريكي، كما حافظت على وتيرة من الزيارات والاتصالات المتبادلة مع المسؤولين الإيرانيين، وهو ما أسهم في تعزيز فهمها لطريقة تحرك طهران وحساباتها ومداخل التأثير عليها، وهو عامل مهم في أي محاولة للوساطة في أزمة ترتبط إيران بأحد أطرافها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولا تقتصر أوراق إسلام أباد على الجانب الدبلوماسي وفقط؛ إذ يضيف ثقلها العسكري ومتانة شراكاتها الدفاعية مع السعودية بعدًا آخر إلى تحركها، فمكانة المؤسسة العسكرية الباكستانية، إلى جانب الحضور والتعاون الدفاعي مع الرياض، يمنحان الرسائل التي تحملها إسلام أباد وزنًا إضافيًا، ويجعلان تحركها مختلفًا عن وساطة تقوم على الاتصالات السياسية وحدها.
كما تمتلك باكستان ميزة أخرى تتمثل في قدرتها على التحرك إلى جانب وسطاء إقليميين آخرين، وليس بالضرورة في منافسة معهم، وهنا تبرز عُمان باعتبارها عنصرًا مكملًا يمكن أن يعالج إحدى نقاط الضعف الرئيسية في الوساطة الباكستانية، وهي غياب قناة اتصال مباشرة ومؤثرة مع الحوثيين، فبينما تستطيع إسلام أباد التحرك عبر طهران والرياض، يمكن لمسقط أن توفر القناة الأكثر مباشرة مع الحوثيين، بما يسمح ببناء مسار وساطة متعدد الأطراف يربط بين السعودية وإيران والحوثيين، ويمنح الجهد الباكستاني قدرًا أكبر من الفاعلية والمرونة.
اختبار عملي لاتفاق مكة
يمثل التصعيد الحوثي الأخير أول اختبار عملي لاتفاق مكة الدفاعي، ومن ثم يصعب فصل الدور الذي تحاول إسلام أباد الاضطلاع به عن طبيعة التزاماتها تجاه هذا التحالف، وقد عبّر وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف عن هذا المعنى بصورة مباشرة عندما علّق على هذا التصعيد تجاه الرياض بالقول إن الوقت قد حان لوضع اتفاق مكة موضع التنفيذ، مؤكدًا في الوقت نفسه أن التزام باكستان بحماية السعودية والأماكن المقدسة يظل ثابتًا ومستمرًا، ولا يرتبط فقط بوجود اتفاق رسمي من عدمه.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التحرك الباكستاني باعتباره محاولة لتقديم أول تفسير عملي لطبيعة التحالف الجديد، خصوصًا في ظل التساؤلات التي أُثيرت منذ تأسيسه حول مدى جديته، وما إذا كان سيظل إطارًا رمزيًا أم سيتحول إلى آلية قابلة للاستخدام في الأزمات الفعلية، فمبدأ الدفاع المشترك المنصوص عليه في الاتفاق لا يعني بالضرورة – وفق تلك القراءة- الانتقال الفوري إلى الحرب أو المواجهة العسكرية، بل قد يبدأ بأدوات أقل تصعيدًا، في مقدمتها الردع السياسي، والضغط الدبلوماسي، ومحاولات الاحتواء والوساطة الوقائية.
وبهذا المعنى، قد توفر الأزمة اليمنية فرصة أمام باكستان لاختبار مفهوم أوسع لتحالف مكة، بحيث لا يقتصر دوره على الرد العسكري بعد وقوع الهجوم، وإنما يمتد إلى منع الأزمات من بلوغ المرحلة التي يصبح فيها هذا الرد ضروريًا، وهي مقاربة تبدو أكثر واقعية في ظل الكلفة العالية لأي انخراط عسكري مباشر، فضلًا عن اختلاف حسابات ومقاربات الدول الأعضاء تجاه أزمات المنطقة، وهو ما يجعل من الدبلوماسية الوقائية أداة لا تقل أهمية عن الردع العسكري في الحفاظ على تماسك التحالف وفاعليته.
– صرح وزير الدفاع الباكستاني، خواجة محمد آصف، بأن الوقت قد حان لتنفيذ "اتفاق مكة" إثر تصاعد هجمات جماعة الحوثي باتجاه المملكة العربية السعودية.
– شدد على أن حماية المملكة والمقدسات الإسلامية واجب أخلاقي وعقائدي مستمر لباكستان، ولا يرتبط بوجود اتفاقية رسمية فقط.
– كشفت إسلام… pic.twitter.com/Xzj1EHmokc
— نون بوست (@NoonPost) September 17, 2026
ماذا عن التحديات المحتملة؟
تواجه المهمة الدبلوماسية التي تتصدى لها إسلام أباد جملة من التحديات التي قد تحد من قدرتها على دفع الوساطة إلى نهايتها المطلوبة، في مقدمتها مسألة الحياد ذاتها، إذ قد ينظر الحوثيون إلى باكستان بوصفها أقرب إلى الرياض بحكم الشراكة الدفاعية التي تجمعهما، وهو ما قد يضعف من قدرتها على تقديم نفسها كوسيط يقف على مسافة متساوية من أطراف الأزمة، ويحد بالتبعية من استعداد الحوثيين للانخراط الكامل في المسار الذي تقوده.
كما تدخل باكستان هذه الوساطة وهي تراهن بدرجة كبيرة على قدرة طهران على التأثير في الحوثيين وضبط إيقاع تحركاتهم، وهو رهان يظل محدودًا بطبيعته ولا يمكن البناء عليه بشكل كامل، فقد أظهرت الحركة خلال الفترات الأخيرة هامشًا واسعًا من الاستقلال في قراراتها، وتحركت في كثير من الأحيان وفق حسابات براغماتية مرتبطة بمصالحها المباشرة، وهي مصالح لا تتطابق بالضرورة مع أولويات إيران أو تقديراتها الإقليمية، ومن ثم، فإن نجاح إسلام أباد في إقناع طهران بالتهدئة لا يعني تلقائيًا أن يلتزم الحوثيون بالمستوى نفسه من الاستجابة.
وتزداد المهمة تعقيدًا بالنظر إلى أن الأزمة الراهنة لم تعد محصورة في إطار سعودي–حوثي أو حتى سعودي–إيراني، بل أصبحت جزءًا من مشهد إقليمي أوسع تتشابك فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مع ملفات باب المندب ومضيق هرمز والبحر الأحمر وأمن الملاحة الدولية واستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في بعض دول الخليج.
وبهذا المعنى، فإن أي تهدئة قابلة للاستمرار تحتاج عمليًا إلى تفاهمات متعددة المستويات، تشمل بدرجات متفاوتة السعودية والحوثيين وإيران، وربما الولايات المتحدة وعُمان أيضًا، وهو ما يجعل مهمة إسلام أباد أكثر تعقيدًا، لأنها لا تتعامل مع أزمة ثنائية محدودة، بل مع شبكة من المصالح والحسابات المتداخلة التي يصعب فكها عبر قناة دبلوماسية واحدة.
في المحصلة، تجد باكستان نفسها، ومعها تحالف مكة، أمام اختبار شديد الحساسية في هذه المرحلة، فنجاح إسلام أباد في احتواء الأزمة قد يجنّب التحالف الدخول مبكرًا في استحقاقات أمنية وعسكرية معقدة، ويخفف عنه ضغوطًا قد تفرضها التزاماته الدفاعية في توقيت لا تبدو فيه كلفة التصعيد سهلة على جميع الأطراف.
ومن هذا المنطلق، يُرجح أن توظف باكستان ما لديها من قنوات سياسية وعلاقات إقليمية وأوراق دبلوماسية من أجل إنجاح مسار التهدئة، ليس فقط لحماية مصالحها وعلاقاتها مع السعودية وإيران، وإنما أيضًا للحفاظ على تماسك التحالف الجديد ومنحه فرصة لإثبات فاعليته بعيدًا عن الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة.
وعليه، تبدو الوساطة الحالية اختبارًا مبكرًا لمدى قدرة تحالف مكة على الانتقال من إطار سياسي ودفاعي معلن إلى آلية قادرة على إدارة الأزمات واحتوائها قبل وصولها إلى نقطة المواجهة العسكرية، ومن ثم، فإن نتائج التحرك الباكستاني قد تتجاوز الأزمة الراهنة لتلقي بظلالها على صورة التحالف ومصداقيته ومستقبل حضوره الإقليمي.. فهل تنجح إسلام أباد في تجاوز هذا الاختبار؟