أعلنت فرنسا، الثلاثاء 22 سبتمبر/أيلول الجاري، استعدادها للمساهمة في تأمين البنية التحتية للطاقة في السعودية، ولا سيما في منطقة ينبع وعلى امتداد خط أنابيب “شرق–غرب”، الذي كان قد تعرض لاستهداف حوثي قبل أيام، ما أدى إلى تعطّل عدد من محطات الضخ به، ودفع شركة أرامكو إلى وقف بعض الإمدادات المقررة لعدد من المحطات الأوروبية خلال الشهر المقبل.
جاء الإعلان الفرنسي بعد يوم واحد فقط من تصريحات رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام، الذي كشف عن موافقة بلاده على تقديم دعم عسكري للسعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، مضيفًا أن القوات الجوية الملكية البريطانية ستوفر خدمة التزود بالوقود جوًا للطائرات السعودية، بموجب ترتيب يستمر لعدة أسابيع ويخضع لمراجعة مستمرة وفق تطورات الموقف.
لا يمكن التعاطي مع مثل هذه التحركات بوصفها مجرد مساعدات عسكرية فرنسية وبريطانية محدودة للسعودية، بل تُقرأ في إطار أوسع يتعلق بمحاولة أوروبية متزايدة لتثبيت حضور أمني مباشر في معادلة أمن الطاقة في الشرق الأوسط، فالتطورات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، منذ اندلاع حرب غزة، وصولًا إلى المواجهة الأمريكية الحالية مع إيران، فرضت جملة من التحديات الجديدة على أمن الطاقة والممرات الحيوية وحركة الإمدادات، ودفعت قوى دولية عدة إلى إعادة تقييم سياساتها وأولوياتها، وإعادة النظر في مواقعها وتحالفاتها داخل الإقليم.
من هنا، يكتسب التحرك الفرنسي–البريطاني تجاه السعودية دلالة تتجاوز إطار الدعم العسكري المباشر، ليطرح تساؤلًا أوسع حول طبيعة الدور الذي تسعى أوروبا إلى بنائه في الخليج خلال المرحلة المقبلة، وحول ما إذا كانت حماية منشآت الطاقة تمثل مجرد استجابة ظرفية للتهديدات الراهنة، أم بداية لتحول أعمق في الحضور الأمني الأوروبي في المنطقة.. فماذا تريد أوروبا من الخليج في هذا التوقيت؟
– وافق رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام على طلب سعودي لتقديم خدمات التزود بالوقود جوًا لأغراض دفاعية بعدما كثّف الحوثيون هجماتهم على المملكة.
– سترسل بريطانيا خلال الأيام المقبلة طائرة واحدة من طراز "فوييجر" بينما يقتصر دورها على دعم عمليات التزود بالوقود جوًا لفترة محدودة.
— نون بوست (@NoonPost) September 22, 2026
أوروبا تدافع عن امنها الاقتصادي
يأتي هذا التحرك الأوروبي بعد أيام قليلة من إعلان شركة أرامكو إبلاغ عدد من المصافي الأوروبية بعدم قدرتها على تسليم بعض الشحنات المقررة خلال أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وذلك في أعقاب الضربات الحوثية التي استهدفت عددًا من منشآتها ومحطات الضخ التابعة لها، وهي الخطوة التي أحدثت حالة من الارتباك داخل أوروبا ودفعتها إلى التحرك سريعًا للبحث عن بدائل تضمن استمرار تدفقات الخام وتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات السعودية.
ويتزامن ذلك مع وضع طاقوي أوروبي هش أصلًا، في ظل انخفاض مخزونات الغاز عن مستوياتها المعتادة، وارتفاع أسعار الوقود نتيجة التوترات الإقليمية المتصاعدة، ومع اقتراب فصل الشتاء، تتزايد مخاوف العواصم الأوروبية من أي اضطراب إضافي قد يطول إمدادات الطاقة القادمة من الخليج والشرق الأوسط، لما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات واسعة على القطاعات الصناعية والاقتصادية، فضلًا عن الأعباء المباشرة على المستهلك الأوروبي.
ومن هنا يمكن فهم طبيعة التحرك الأوروبي تجاه ما يجري في السعودية، فالمسألة لم تعد تُقرأ فقط في إطار دعم شريك إقليمي يتعرض لتهديدات أمنية، وإنما باتت تُنظر إليها باعتبارها قضية تمس الأمن الاقتصادي الأوروبي بصورة مباشرة، وبهذا المعنى، فإن أوروبا عندما تتحرك للمساهمة في حماية منشآت الطاقة السعودية وتأمين تدفقاتها، فهي تدافع في المقام الأول عن استقرار اقتصادها وأمن إمداداتها، وعن قدرتها على تأمين احتياجاتها من الطاقة، بقدر قد يفوق اعتبارات التضامن السياسي أو العسكري مع الحليف السعودي.
لاعب أمني وليس اقتصادي فقط
يعكس هذا التحرك رغبة أوروبية متزايدة في تجاوز الدور الاقتصادي التقليدي في الخليج، والانتقال تدريجيًا نحو حضور أمني أكثر وضوحًا، فقد انخرطت فرنسا منذ سنوات في جهود حماية الملاحة في البحر الأحمر، وشاركت لاحقًا بقوات بحرية ضمن العملية الأوروبية “أسبيدس” التي أُطلقت في فبراير/شباط 2024 لحماية حرية الملاحة وتأمين السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وهي اليوم تبدو أمام خطوة أكثر تقدمًا، تنتقل فيها من حماية طرق التجارة والممرات البحرية إلى بحث المساهمة في حماية البنية التحتية للطاقة داخل السعودية نفسها.
ومثل هذا التحول، إذا تطور إلى ترتيبات أكثر استدامة، قد يفتح الباب أمام صيغة أمنية أوروبية مختلفة في الخليج، لا تقوم بالضرورة على الانتشار العسكري الواسع، وإنما على تقديم قدرات نوعية تشمل الدفاع الجوي والمراقبة والاستخبارات وحماية المنشآت الحيوية والبنية التحتية للطاقة، كما قد يصبح هذا النموذج قابلًا للامتداد مستقبلًا إلى دول خليجية أخرى، وفق طبيعة التهديدات واحتياجات كل دولة.
ورغم حرص باريس ولندن على التأكيد أن مساهمتهما ذات طابع دفاعي وليست هجوميًا، بما يعني عدم تحولها تلقائيًا إلى مشاركة في عمليات عسكرية ضد الحوثيين، فإن أهمية الخطوة تكمن في دلالتها السياسية والاستراتيجية؛ إذ تضع أوروبا بصورة أوضح داخل المعادلة الأمنية الخليجية، بدل بقائها شريكًا تجاريًا واستثماريًا في المقام الأول.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة التحرك ضمن مسعى أوروبي أوسع لإعادة بناء حضور سياسي وأمني في مناطق شهد فيها النفوذ الأوروبي تراجعًا خلال السنوات الماضية، من أفريقيا إلى الشرق الأوسط، بالتزامن مع صعود أدوار دولية وإقليمية منافسة، ومن ثم، قد ترى بعض العواصم الأوروبية في التوترات الحالية فرصة لإعادة تثبيت حضورها في الخليج، باعتباره منطقة ذات أهمية استثنائية لأمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية المرتبطة بالاقتصاد الأوروبي، إلى جانب ساحات أخرى مثل العراق ولبنان وسوريا وليبيا والسودان والقرن الأفريقي والساحل.
وهنا تصبح حماية منشآت الطاقة السعودية بالنسبة لأوروبا أكثر من مجرد استجابة لأزمة طارئة؛ فقد تمثل اختبارًا لإمكانية الانتقال من الشراكة الاقتصادية مع الخليج إلى شراكة أمنية أكثر عمقًا، بما يعيد للأوروبيين مساحة من التأثير في منطقة تعد إحدى أهم عقد الطاقة واللوجستيات في العالم.
السعودية توسع دائرة شركائها
على الجانب السعودي، قد ينسجم هذا العرض الأوروبي مع توجه المملكة نحو توسيع دائرة شركائها الأمنيين، وهو أحد التحولات التي فرضت نفسها على حسابات دول الخليج منذ اندلاع الحرب الحالية، فقد أظهرت التطورات المتلاحقة أن الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية وحدها لم يعد كافيًا لمواجهة طبيعة التهديدات الجديدة، خصوصًا مع تعرض عواصم ومنشآت خليجية لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية والحوثية.
ويأتي هذا الحراك الأوروبي في وقت تحدثت فيه تقارير إعلامية عن تردد أمريكي في الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثيين، رغم طلبات سعودية بهذا الاتجاه، وقد يدفع مثل هذا التردد الرياض إلى البحث عن شركاء أمنيين إضافيين يساندون الولايات المتحدة، ويوسعون من هامش خياراتها الاستراتيجية، بدل بقاء المنظومة الأمنية السعودية معتمدة بصورة شبه حصرية على طرف واحد.
ومع ذلك، من الصعب النظر إلى أي مظلة أمنية أوروبية محتملة باعتبارها بديلًا كاملًا للمظلة الأمريكية، في ظل عمق الشراكة الاستراتيجية والعسكرية بين واشنطن ودول الخليج، لكن الدور الأوروبي قد يتحول إلى عنصر مكمل لها، عبر تنويع شبكة الأمن السعودية وإضافة طبقات بريطانية وفرنسية وأوروبية، بجانب طبقات صينية باكستانية تركية، إلى منظومة الحماية القائمة.
ضربات الحوثيين تربك صادرات النفط السعودية وتضغط على مساراتها الحيوية.. فهل تنجح الرياض في تأمين بدائل آمنة ومستدامة؟
اقرأ المزيد في المادة التاليةhttps://t.co/fZP5JhEftV pic.twitter.com/7bWoBnfiqa
— نون بوست (@NoonPost) September 21, 2026
تأمين بدائل لمسارات الطاقة المهددة
هناك بُعد لوجستي آخر يرتبط مباشرة بأمن مسارات الطاقة، ويتمثل في المساعي الأوروبية للبحث عن بدائل أكثر أمانًا لمسارات الإمداد التقليدية المهددة، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي تحول خلال الأزمات المتعاقبة إلى إحدى أبرز أوراق الضغط الإيرانية في معادلة الطاقة الإقليمية.
ومن هذا المنطلق، تزداد أهمية خط أنابيب “شرق–غرب” السعودي، الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يتيح تجاوز مضيق هرمز والوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر مسار بديل أكثر استقرارًا حال تعرض الممرات التقليدية لأي اضطرابات أو تهديدات.
وعليه، يمكن فهم اهتمام فرنسا وبريطانيا بتأمين هذا المسار باعتباره يتجاوز حماية منشآت سعودية بعينها، ليصل إلى حماية أحد أهم البدائل الاستراتيجية لتدفق النفط نحو الأسواق الأوروبية في أوقات الأزمات، ومع استمرار حالة عدم اليقين في الخليج، قد يدفع هذا الواقع بعض الدول الأوروبية إلى دراسة ترتيبات أمنية أطول أمدًا داخل السعودية أو حول منشآت ومسارات الطاقة المرتبطة بها، بما يضمن استمرارية الإمدادات ويقلل من تعرضها للمخاطر.
وإذا تطور هذا المسار فعلًا، فقد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل جزئية لخريطة النفوذ الأجنبي في الخليج، مع بروز تموضع أوروبي أكثر حضورًا إلى جانب الوجود الأمريكي التقليدي، ليس فقط لحماية الشركاء، بل أيضًا لتأمين المصالح الأوروبية المرتبطة بالطاقة والتجارة والممرات الحيوية.