نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي عقب ضربة إيرانية في مارس/آذار 2026
بعد الحرب.. لماذا تريد دول الخليج مظلة أمنية تضم إيران؟
نون بوست
الانتخابات تعيد الإسلاميين للمشهد في المغرب.. ماذا تعني قفزة العدالة والتنمية؟
نون بوست
المعضلة المستحيلة.. الشرق الأوسط بلا خيارات بعد حرب إيران
نون بوست
المجال العام في سوريا.. معركة الحشد والتضليل
نون بوست
“حجي حامد”.. رجل الظل الإيراني الذي يشرف على الفصائل العراقية 
نون بوست
أبوظبي والرياض.. مساران مختلفان إلى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
Kurdistan Region and Peshmerga leaders during the ceremony announcing the unification of forces in Erbil, September 21, 2026.
البيشمركة تغيّر هيكلها.. هل تتجاوز ولاءاتها الحزبية؟
نون بوست
أمن الطاقة يعيد أوروبا إلى الخليج.. ماذا وراء التحرك الفرنسي البريطاني؟
نون بوست
تراجع النفوذ الأمريكي بالشرق الأوسط: إيران واللحظات الأخيرة لنظام يحتضر
نون بوست
عندما تُعاقَب المحكمة لا أفرادها.. كيف تهدد واشنطن مستقبل العدالة الدولية؟
نون بوست
أزمة ترامب الخارجية الحقيقية اسمها الصين
The Port of Berbera in Somaliland is one of DP World’s most prominent investments on the Gulf of Aden, part of an Emirati expansion into African ports and trade corridors.
150 مليار دولار في أفريقيا.. ماذا تبني الإمارات وراء الموانئ والمناجم؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي عقب ضربة إيرانية في مارس/آذار 2026
بعد الحرب.. لماذا تريد دول الخليج مظلة أمنية تضم إيران؟
نون بوست
الانتخابات تعيد الإسلاميين للمشهد في المغرب.. ماذا تعني قفزة العدالة والتنمية؟
نون بوست
المعضلة المستحيلة.. الشرق الأوسط بلا خيارات بعد حرب إيران
نون بوست
المجال العام في سوريا.. معركة الحشد والتضليل
نون بوست
“حجي حامد”.. رجل الظل الإيراني الذي يشرف على الفصائل العراقية 
نون بوست
أبوظبي والرياض.. مساران مختلفان إلى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
Kurdistan Region and Peshmerga leaders during the ceremony announcing the unification of forces in Erbil, September 21, 2026.
البيشمركة تغيّر هيكلها.. هل تتجاوز ولاءاتها الحزبية؟
نون بوست
أمن الطاقة يعيد أوروبا إلى الخليج.. ماذا وراء التحرك الفرنسي البريطاني؟
نون بوست
تراجع النفوذ الأمريكي بالشرق الأوسط: إيران واللحظات الأخيرة لنظام يحتضر
نون بوست
عندما تُعاقَب المحكمة لا أفرادها.. كيف تهدد واشنطن مستقبل العدالة الدولية؟
نون بوست
أزمة ترامب الخارجية الحقيقية اسمها الصين
The Port of Berbera in Somaliland is one of DP World’s most prominent investments on the Gulf of Aden, part of an Emirati expansion into African ports and trade corridors.
150 مليار دولار في أفريقيا.. ماذا تبني الإمارات وراء الموانئ والمناجم؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

سوريا على المحك: كيف يعرّض “العلاج بالصدمة” استقرار ما بعد الأسد للخطر؟

سام هيلر
سام هيلر نشر في ٢٥ سبتمبر ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

احتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود قرب حلب في سوريا، أيلول/ سبتمبر 2026 -محمود حسانو / رويترز

ترجمة وتحرير: نون بوست

باتت المعاناة قاسمًا مشتركًا يثقل كاهل الجميع في سوريا اليوم فالناس من مختلف الطبقات والخلفيات بالكاد يستطيعون تحمّل كلفة الغذاء والإيجار والخدمات الأساسية، وهي مقومات الحياة الكريمة. والبلاد تحاول أن تترك وراءها نصف قرن من الاستبداد و14 عاماً من الحرب الأهلية، باتجاه نظام سياسي جديد وأكثر حرية. وهي تتعافى أيضاً من انهيار اقتصادي كان من الحدة والسرعة بحيث أسهم في نهاية المطاف في إسقاط الديكتاتور بشار الأسد عام 2024. غير أنه مع مضي البلاد في مرحلتها الانتقالية السياسية في ظل الرئيس أحمد الشرع، لم تزدد ظروف المعيشة لمعظم السوريين إلا سوءاً. فقد ارتفعت التكاليف بشدة، ولم يتحقق الازدهار الاقتصادي الموعود بعد الأسد. وقد منحت الحكومة السورية الجديدة المواطنين بعض الانتصارات الرمزية، ومنها إنهاء العزلة الدولية، لكنها لم تحقق لمعظم الناس مكاسب مادية. بل إن عدداً من خياراتها السياسية جعل حياتهم أشد صعوبة.

من بين جميع المشكلات التي تواجهها سوريا اليوم، بما فيها العنف بين المكوّنات المجتمعية واحتمال تفكك البلاد، يُعدّ الاقتصاد أكبرها. ومع ذلك أصرّت القيادة الجديدة للبلاد على إجراءات تقشفية جعلت كلفة المعيشة أشد وطأة على المواطن السوري العادي.

سوريا ليست بأي حال البلد الوحيد الذي يعاني أزمة في القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة. لكنها من أكثر دول العالم هشاشة من الناحية السياسية. فإذا عجزت الحكومة الجديدة عن تأمين احتياجات السوريين العاديين، فإنها تخاطر باندلاع اضطرابات قد تُخرج المرحلة الانتقالية في البلاد بعد الأسد عن مسارها.

تكاليف موجعة

أطاح مقاتلو المعارضة السورية بقيادة الفصيل الإسلامي هيئة تحرير الشام بحكومة الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024. وتولى الشرع، زعيم الهيئة، الرئاسة في نهاية المطاف، وأشرف منذ ذلك الحين على ترسيخ مؤسسات البلاد الجديدة وعلى تعافيها بعد الحرب. وقد حققت إدارته بعض المكاسب الحقيقية. فبعد عقود من العزلة السياسية، حصلت سوريا على دعم قوى إقليمية وعالمية، بما فيها الولايات المتحدة، وضمنت رفع معظم العقوبات الاقتصادية الدولية. وقد منعت حكومة الشرع، في الوقت الراهن، تفكك البلاد؛ فبعد أن هزمت القوات التي يقودها الأكراد في شمال شرقي سوريا في وقت سابق من هذا العام، تعمل الآن على إعادة دمج المنطقة التي كانت شبه مستقلة. وقد كبحت إلى حد كبير هجمات الانتقام وعمليات القتل الطائفي، رغم أن موالين للحكومة ارتكبوا العام الماضي مجزرتين بحق الأقليتين العلوية والدرزية. كما حمى الشرع سوريا في الغالب من تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حتى في الوقت الذي امتدت فيه إلى أماكن أخرى في المنطقة.

أما الجانب الذي قصّرت فيه الحكومة السورية الجديدة فهو إدارتها للاقتصاد. وبطبيعة الحال، كان إنعاش التجارة والصناعة سيمثّل تحدياً هائلاً لأي حكومة بعد الأسد. فقد أدت الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاماً إلى تشريد أكثر من نصف سكان البلاد وإلى انكماش الاقتصاد بأكثر من 50 بالمئة. وقدّر البنك الدولي أن الحرب تسببت في أضرار مادية تتجاوز قيمتها 108 مليارات دولار، تركز معظمها في ثلاث مدن حيوية اقتصادياً وفي محيطها، هي حلب ودمشق وحمص. ويرى البنك الدولي أن ثلثي السوريين يعيشون الآن في فقر، بدخل يقل عن 3.65 دولار للفرد في اليوم. وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعيش 90 بالمئة من السوريين في فقر، و66 بالمئة في فقر مدقع.

وبحلول السنوات القليلة الأخيرة من حكم الأسد، كانت الأوضاع قد أصبحت بائسة. بل إن الانهيار الاقتصادي أسهم في تداعي النظام من الداخل في كانون الأول/ ديسمبر 2024، إذ تخلى جنود سوريون شبه جائعين عن خطوط الجبهة أمام تقدم المعارضة. وفي ظل هذه الظروف، ستواجه حتى حكومة تملك موارد وفيرة ويقودها خبراء صعوبة في إعادة تشغيل الاقتصاد الآن. وحكومة الشرع ليست أياً من الأمرين.

يتصدّر الملف الاقتصادي قائمة الأزمات العاصفة بسوريا اليوم فالشعب الذي أثقلت كاهله عقودٌ من سوء الإدارة وويلات الحرب، يجد نفسه اليوم عاجزاً حتى عن توفير أبسط مقومات العيش الكريم حيث تفوق كلفة المعيشة بكثير دخل المواطن العادي. وبناءً على سعر الصرف غير الرسمي الحالي، قدّر برنامج الأغذية العالمي أن الاحتياجات الشهرية لأسرة سورية من خمسة أفراد، بما فيها الغذاء والخدمات الأساسية، تكلّف نحو 197 دولاراً. ويضع المركز السوري لبحوث السياسات، وهو مركز أبحاث مقره دمشق، خط الفقر المدقع الشهري عند نحو 255 دولاراً. ومع ذلك، فإن الحد الأدنى الرسمي للأجور الشهرية يعادل 95 دولاراً فقط. ويعتمد كثير من السوريين على التحويلات المالية من أقارب لهم في الخارج لتدبّر أمورهم.

ومما زاد الأمر سوءاً أن كلفة المعيشة في سوريا كانت ترتفع باطّراد. وقد حسب برنامج الأغذية العالمي أن كلفة الضروريات ارتفعت بنسبة 34 بالمئة بين تموز/ يوليو 2025 و2026. وقد تراجعت القوة الشرائية للسوريين أكثر بفعل ضعف العملة، التي تعززت في البداية بعد كانون الأول/ ديسمبر 2024، لكنها اقتربت منذ ذلك الحين من أدنى مستوياتها في عهد الأسد.

يفتقر أكثر من 80 بالمئة من السوريين إلى إمكانية موثوقة للوصول إلى غذاء كافٍ. وقد وجد تقييم مشترك أجرته الحكومة وبرنامج الأغذية العالمي بعض التحسن على هذا الصعيد بين 2024 و2025، ولكن فقط من حيث ارتفاع نسبة السوريين الذين يتمتعون بالأمن الغذائي من 11.1 إلى 18.4 بالمئة. وبعد جفاف شديد حدّ من الإنتاج الزراعي في 2025، يُفترض أن تُحسّن الأمطار الغزيرة هذا العام توافر الغذاء المزروع محلياً. لكن من غير الواضح ما إذا كان السوريون قادرين فعلاً على الشراء من الأسواق المحلية.

كما ارتفعت كلفة السكن ارتفاعاً هائلاً. فبحسب المركز السوري لبحوث السياسات، زادت الإيجارات بنحو 66 بالمئة بين أيار/ مايو 2025 وأيار/ مايو 2026. وبعد أن حاولوا العيش في أماكن أخرى، عاد كثيرون إلى منازل وأحياء حطّمتها الحرب، بعدما وجدوا أنفسهم عاجزين عن تحمّل الإيجارات في المناطق الأقل تضرراً. وتُثقل التكاليف أيضا كاهل السوريين من الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى العليا، الذين يتعيّن عليهم مواجهة إيجارات تضاعفت مرتين أو ثلاث مرات، إضافة إلى ارتفاع الأقساط المدرسية.

إصلاحات غير ناضجة

ورغم أن جزءاً كبيراً من معاناة سوريا يمكن عزوه إلى دمار الحرب وإلى عقود من سوء الإدارة في عهد الأسد، فإن بعض مشكلات البلاد هو نتاج سياسات حكومة الشرع. فقد أطلق قادة البلاد الجدد برنامج “علاج بالصدمة” للتحرير الاقتصادي، من دون أن يأخذوا في الحسبان بشكل كامل، على ما يبدو، الهشاشة الشديدة والفقر اللذين يعاني منهما معظم السوريين.

في السنوات الأخيرة والأكثر عوزاً من عمر حكومة الأسد، خفّضت بشدة الدعم الذي لم تعد قادرة على تحمّل كلفته. وقد ذهبت حكومة الشرع إلى أبعد من ذلك. فبعد أشهر من توليها السلطة، رفعت سعر الخبز المدعوم من الدولة، وهو الغذاء الأساسي في النظام الغذائي السوري، بنحو 1400 بالمئة. ورغم أن الدولة أبقت منذ ذلك الحين سعر ربطة الخبز القياسية ثابتاً، فإنها قلّصت مراراً كمية الخبز في كل ربطة. وفي مطلع هذا العام، رفعت الحكومة تعرفة الكهرباء بشكل هائل، وصلت في بعض الحالات إلى 800 بالمئة. وقد نقل هذا التسعير الجديد عملياً كلفة إعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء في البلاد إلى المستهلكين والشركات؛ وتوقف كثيرون ببساطة عن دفع فواتير مرتفعة إلى حد يستحيل معه دفعها.

وقامت السلطات السورية الجديدة، في وقت مبكر، بمواءمة أسعار الوقود مع المتوسطات العالمية، ما رفع بشدة كلفة الزراعة والنقل وقطاعات أخرى. وفي 13 أيلول/ سبتمبر، رفعت الحكومة أسعار الوقود مجدداً، بنسبة 40 بالمئة في حالة الديزل، مشيرة إلى أسواق الطاقة العالمية وإلى أعمال الإصلاح الجارية في مصفاة سورية رئيسية. واندلعت احتجاجات في أنحاء البلاد رداً على رفع الأسعار. وهي أكبر المظاهرات منذ الإطاحة بالأسد.

وحاولت حكومة الشرع تعويض التضخم بزيادة رواتب القطاع العام: ففي آذار/ مارس وحده، أقرّت زيادة بنسبة 50 بالمئة. غير أن فائدة هذه الأجور الأعلى تتضاءل بفعل استمرار التضخم، كما أنها لم تُوزَّع بالتساوي. فقد سرّحت الحكومة مئات الآلاف من موظفي عهد الأسد العام الماضي، في الوقت الذي وظّفت فيه كثيراً من الموالين لها، بمن فيهم في الجيش وأجهزة الأمن التي أُعيد تشكيلها حديثاً.

كما فتحت حكومة الشرع البلاد أمام معظم الواردات، مفكّكة ضوابط صارمة كانت تحافظ على احتياطيات العملة الأجنبية وتحمي المصنّعين المحليين. ويجد المنتجون السوريون الآن، الذين يعملون أصلاً في ظروف غير مواتية،  صعوبة في منافسة السلع المستوردة الرخيصة.

عمل الهواة

التحديات الاقتصادية التي تواجه حكومة الشرع هائلة. فقد ورثت دولة كانت مفلسة فعلياً. وقد توقعت الحكومة بعض الإيرادات من الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب المرتبطة بالاستهلاك، وتعمل على جعل سوريا مركزاً تجارياً إقليمياً عبر تطوير الطرق وخطوط السكك الحديدية والبدء بمشاريع أنابيب جديدة. وقد استعادت السيطرة على شمال شرقي البلاد، الغني نسبياً بالموارد الطبيعية والأراضي الزراعية. لكن استعادة إنتاج النفط والغاز في الشمال الشرقي ستتطلب استثمارات كبيرة، وقد تشكّل زيادة إنتاج القمح استنزافاً صافياً لخزينة الحكومة.

لم تدعم الحكومات الأجنبية سوريا بالقدر الذي ربما توقعته دمشق. فقد ساعدت الولايات المتحدة في إعادة ربط سوريا بالشبكات المالية الدولية وشجّعت الاستثمار في البلاد، لكنها لم تقطع التزامات كبيرة لتعافيها، ولم تعقد مؤتمراً لـ”أصدقاء سوريا” لحشد المانحين، كما فعلت مع العراق، على سبيل المثال، عام 2016. وقدمت دول خليجية، مثل السعودية وقطر، بعض المساعدات، بما فيها دعم لرواتب القطاع العام، لكنها لم توافق على إبقاء سوريا صامدة مالياً. كما أن قدرتها على مواصلة دعم سوريا موضع تساؤل، إذ تتعامل هذه القوى مع تداعيات الحرب على إيران.

وقدّم البنك الدولي منحاً، لكن قرار حكومة الشرع الابتعاد عن القروض الدولية قد حرم سوريا على الأرجح من سيولة إضافية في المدى القريب. ولم توضح الحكومة سبب رفضها الاقتراض الدولي، وإن كان الشرع قد قال إنه لا يريد لسوريا أن “تعيش على المساعدات، أو على القروض المسيّسة”. وقد تراجعت المساعدات الإنسانية على أي حال؛ ففي وقت سابق من هذا العام، أجبرت التخفيضات في تمويل المانحين، وخصوصاً من الولايات المتحدة، برنامج الأغذية العالمي على إنهاء برنامجه للخبز المدعوم وخفض المساعدات الغذائية العامة إلى النصف.

يفتقر أكثر من 80 بالمئة من السوريين إلى إمكانية موثوقة للوصول إلى غذاء كافٍ.

تصوّر الشرع تعافياً تدفعه الاستثمارات الخاصة لا المساعدات. لكن يبدو أنه اعتقد أن الاستثمارات ستتدفق بصورة أكبر. فكثير من مذكرات التفاهم التي أعلنتها حكومته في البداية مع مستثمرين محتملين لم يتحول إلى التزامات حقيقية. وما زالت عقبات كبيرة تعترض الاستثمار الأجنبي: فالوضع الأمني لا يزال غير مستقر، وتفتقر سوريا إلى الأطر القانونية والتنظيمية وإلى نظام مالي يعمل بكامل طاقته. والاستثمارات التي أُعلن عنها تميل نحو مشاريع عقارية ضخمة تبدو منفصلة عن احتياجات البلاد التنموية.

تفتقر حكومة الشرع إلى الخبرة الاقتصادية فالرئيس يعتمد على حفنة من قدامى هيئة تحرير الشام كمستشارين رئيسيين وصانعي سياسات. وتقتصر خبرتهم في الحكم على إدارة جيب صغير خاضع لسيطرة المعارضة في شمال غربي سوريا بين عامي 2017 و2024. وقد جرّد الشرع مؤسسات الدولة القديمة، مثل وزارتي الاقتصاد والنقل، من صلاحياتها، وركّزها في حفنة من الكيانات المستحدثة والمبهمة المرتبطة بالرئاسة، بما فيها ما يسمى “الصندوق السيادي” الذي يُفترض أن يدير محفظة ضخمة من أصول الدولة والممتلكات التي جرى الاستيلاء عليها من شخصيات أعمال مرتبطة بالأسد.

ويظهر غياب الخبرة. فالإعلانات السياسية الكبرى، مثل رفع أسعار الوقود هذا الشهر، تأتي مفاجئة ويبدو أنها تصدر من دون دراسة حقيقية أو استشارة خارجية. ورغم أن البيانات الاقتصادية الموثوقة ظلت زمناً طويلاً صعبة المنال في سوريا، فإن حكومة الشرع قدّمت أحياناً أرقاماً مشكوكاً فيها. ففي آذار/ مارس، أعلن الشرع بنفسه أن الاقتصاد السوري نما بين 30 و35 بالمئة في العام السابق. وقدّر المركز السوري لدراسات السياسات أن معدل النمو الفعلي في 2025 لم يتجاوز 0.3 بالمئة.

الصبر يوشك على النفاد

ورغم أن سياسات حكومة الشرع لم تُغلق الباب أمام تعافٍ في نهاية المطاف، فإنها على الأرجح أخّرته وجعلت حياة السوريين العاديين أصعب. وإذا لم تُلبَّ الاحتياجات الأساسية قريباً، فقد يفقد الناس ثقتهم بالنظام السياسي القائم في البلاد بعد الأسد.

وبحسب استطلاعات أجرتها مجلة “سوريا في المرحلة الانتقالية” (Syria in Transition)، لم يوافق 52 بالمئة من السوريين على أداء حكومتهم في حزيران/ يونيو، ارتفاعاً من 44 بالمئة في نيسان/ أبريل. وقالت غالبية المشاركين في نيسان/ أبريل وحزيران/ يونيو إنهم واجهوا صعوبة في تغطية نفقات معيشتهم مرة واحدة على الأقل في الشهر، وفي نيسان/ أبريل (وهو آخر شهر تتوافر بشأنه بيانات)، قال 66 بالمئة إن الحكومة لا تفعل ما يكفي لكبح الأسعار المرتفعة. وبين نيسان/ أبريل وحزيران/ يونيو، قفز عدد المشاركين المتشائمين بشأن مسار البلاد من 30 إلى 46 بالمئة.

فور سقوط الأسد، كان السوريون مستعدين لالتماس الأعذار لأوجه قصور حكومتهم الجديدة. وبعد قرابة عامين، يبدون أكثر استعداداً للتعبير عن إحباطهم. ومن المرجح ألا يتخذ هذا السخط شكل كفاح مسلح، لأن السوريين، في مجملهم، تعبوا من الحرب. لكنهم ينظمون بشكل متزايد احتجاجات وإضرابات أصغر نطاقاً للمطالبة بتخفيف الأعباء الاقتصادية وتحسين الخدمات العامة.

ليس لدى السوريين احتياطيات لا تنتهي من الصبر على حكومة الشرع كما تُضيف الضائقة الاقتصادية إلى قابلية سوريا العامة للاشتعال، ما قد يجعل القضايا السياسية والطائفية الأخرى أكثر قابلية للانفجار. وتحاول حكومة الشرع الآن إعادة دمج الشمال الشرقي الكردي، بما في ذلك عبر ضم الميليشيات الكردية إلى الجيش الوطني. لكنها في الوقت نفسه تُلغي الدعم في المنطقة التي كانت شبه مستقلة، والتي كان لها نظامها الاقتصادي الخاص لسنوات، ما يرفع بشكل هائل كلفة الوقود وغيره من الضروريات على السكان هناك. وعلى الساحل المتوسطي، في المقابل، تحاول السلطات إقامة علاقة عملية مع الطائفة العلوية في وقت يشتد فيه الضغط الاقتصادي. فالعلويون لا يواجهون فقط ضغوط غلاء المعيشة نفسها التي يواجهها مواطنوهم السوريون، بل عانوا كذلك بصورة غير متناسبة من تسريح موظفي القطاع العام ومن حلّ الجيش وأجهزة الأمن التابعة للأسد. ويخشى كثيرون منهم مغادرة قراهم بسبب مخاوف أمنية. وفي الساحل وفي غيره، تشكّل الأسعار المرتفعة والبطالة الجماعية وصفة لعدم الاستقرار الاجتماعي.

إن سوريا فقيرة وعنيفة لا تصبّ في مصلحة أحد فبعد سنوات من البؤس وسفك الدماء، تحتاج البلاد أخيراً إلى فرصة للتعافي. والآن، وبينما تحاول حكومة الشرع إنعاش الاقتصاد، يتعيّن عليها أن تفعل ذلك مع وضع الاستقرار الاجتماعي في الحسبان. ويجب على السلطات أن تعطي الأولوية للقدرة على تحمّل التكاليف حتى لا يكون الأكثر ضعفاً في البلاد ضحايا لإصلاحات التحرير الاقتصادي. وينبغي للحكومة استحداث دعم جديد للخبز والكهرباء والنقل والزراعة والإنتاج الصناعي بينما تخرج البلاد من الانهيار الاقتصادي. أما شركاؤها الدوليون فعليهم، في المقابل، أن يزوّدوا دمشق بالموارد اللازمة لتحقيق نتائج ملموسة للمواطنين العاديين، وأن يوفروا شبكة أمان اجتماعي فيما تمضي في الإصلاحات الهيكلية. ولن يكفي الاستثمار في الطاقة والعقارات لإحياء سوريا.

كما تحتاج الحكومة إلى فتح مزيد من قنوات التواصل مع الجمهور لبناء الثقة وإدارة السخط بينما يتحمّل السوريون مرحلة انتقالية كان من المحتم دائماً أن تكون صعبة. وهذا يعني التواصل بصراحة وشفافية بشأن مبررات قراراتها الاقتصادية، والتشاور مع الشركات السورية، وتمكين البرلمان المشكَّل حديثاً من أداء دور رقابي حقيقي.

لم يبدد الارتياح الشعبِيّ لرحيل الأسد مرارةَ الواقع فنفادُ صبر السوريين بات مسألة وقت أمام حكومة الشرع. إن لم تترجم القيادة الجديدة هذه اللحظة الفارقة إلى تحسن عاجل في حياة المواطنين اليومية، فإنها تضع رصيدها الشعبي على محك الخطر.

اسم المصدر: فورين أفيرز

الوسوم: أزمة المدنيين في سوريا ، أزمة سوريا ، الاقتصاد السوري ، الشأن السوري
الوسوم: الاقتصاد السوري ، الشأن السوري ، ترجمات
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
سام هيلر
بواسطة سام هيلر باحث متخصص في الشأن السوري
متابعة:
باحث متخصص في الشأن السوري
المقال السابق دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي عقب ضربة إيرانية في مارس/آذار 2026 بعد الحرب.. لماذا تريد دول الخليج مظلة أمنية تضم إيران؟

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترجمات

ترجمات

تقارير يترجمها "نون بوست" من الصحافة الدولية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • المعضلة المستحيلة.. الشرق الأوسط بلا خيارات بعد حرب إيران
  • تراجع النفوذ الأمريكي بالشرق الأوسط: إيران واللحظات الأخيرة لنظام يحتضر
  • أزمة ترامب الخارجية الحقيقية اسمها الصين
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

المعضلة المستحيلة.. الشرق الأوسط بلا خيارات بعد حرب إيران

المعضلة المستحيلة.. الشرق الأوسط بلا خيارات بعد حرب إيران

دينا أصفندياري دينا أصفندياري ٢٤ سبتمبر ,٢٠٢٦
المجال العام في سوريا.. معركة الحشد والتضليل

المجال العام في سوريا.. معركة الحشد والتضليل

محمد بشير محمد بشير ٢٤ سبتمبر ,٢٠٢٦
تراجع النفوذ الأمريكي بالشرق الأوسط: إيران واللحظات الأخيرة لنظام يحتضر

تراجع النفوذ الأمريكي بالشرق الأوسط: إيران واللحظات الأخيرة لنظام يحتضر

مارك لينش مارك لينش ٢٣ سبتمبر ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version