قبل أن تضع الحرب الأمريكية على إيران أوزارها، بدأت دول الخليج التفكير في القواعد التي تريد أن تحكم اليوم التالي لواحدة من أخطر المواجهات التي شهدتها المنطقة منذ عقود.
فقد دفعت الحرب الصراع مع إيران إلى قلب المجال الأمني الخليجي، وأظهرت أن التهدئة السياسية والمظلة الأمريكية لا تكفيان وحدهما لمنع انتقال تبعات المواجهة إلى أراضي الدول الخليجية ومنشآتها وممراتها الحيوية.
ومن هنا برز اتجاه خليجي يبحث عن ترتيبات أمنية تكون إيران طرفًا فيها، ففي سبتمبر/أيلول 2026، دعت قطر إلى “نظام إقليمي للأمن الجماعي” يشمل طهران، وناقشت السعودية ميثاقًا إقليميًا لعدم الاعتداء، فيما طالبت الإمارات بحوار عربي–إيراني مباشر حول أمن المنطقة.
وتعكس هذه المواقف محاولة لإعادة تنظيم العلاقة مع إيران داخل قواعد تحد من انتقال صراعها مع الولايات المتحدة إلى الخليج، بعدما أظهرت الحرب أن استضافة القوات الأمريكية قد تضع الدولة المضيفة ضمن حسابات الرد الإيراني، وأن اضطراب هرمز والهجمات على المنشآت الحيوية قادران على نقل كلفة المواجهة سريعًا إلى الطاقة والتجارة والملاحة.
لذلك تبحث العواصم الخليجية عن معادلة تجمع تعزيز قدراتها الدفاعية واستمرار الشراكة مع واشنطن بتفاهمات مباشرة مع طهران تضبط حدود التورط في أي مواجهة مقبلة، وتنقل العلاقة مع إيران من إدارة التوتر وخفض احتمالات الصدام إلى وضع قواعد تقلل فرص انتقال الحرب إلى دول الخليج ومنشآتها.
ماذا غيّرت الحرب في التفكير الأمني الخليجي؟
في السنوات التي سبقت الحرب، جمعت السعودية والإمارات وقطر بين التهدئة مع إيران والارتباط الأمني بالولايات المتحدة، إذ أعادت الرياض علاقاتها الدبلوماسية مع طهران باتفاق بكين في مارس/آذار 2023، وسبقتها أبوظبي في استعادة التمثيل الدبلوماسي، فيما حافظت الدوحة على قنوات الاتصال والوساطة، بالتوازي مع استمرار الاعتماد العسكري على واشنطن.
وخلصت دراسة في مجلة “إنترناشونال أفيرز” أواخر 2025 إلى أن تنويع الشركاء الخليجيين ترافق مع استمرار اعتماد عميق على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية والتدريب والبنية الدفاعية والتسليح، لكن الثقة بهذه المعادلة بدأت تهتز قبل الحرب.
إذ أعادت هجمات إيران على منشآت النفط السعودية في سبتمبر/أيلول 2019 طرح سؤال استعداد واشنطن للرد عندما يتعرض حلفاؤها للضرب، ثم جاءت ضربة “إسرائيل” للدوحة عام 2025 لتضيف سؤالًا آخر حول قدرة العلاقة الوثيقة بالولايات المتحدة على عزل دول الخليج عن الصراع الإقليمي.
أما حرب 2026 فحوّلت هذه المخاوف إلى تجربة مشتركة، بعدما وجدت دول الخليج نفسها داخل المجال العملياتي لمواجهة لم تكن صاحبة قرار في إشعالها.
ظهر التحول الأوضح في النظرة إلى قواعد واشنطن، فطوال عقود ارتبط وجود القوات الأمريكية برفع كلفة الهجوم على الدولة المضيفة، لكن الحرب أبرزت جانبًا آخر من المعادلة حين تعاملت طهران مع البنية العسكرية للولايات المتحدة في الخليج باعتبارها جزءًا من القوة التي تواجهها، حتى مع تأكيد الحكومات الخليجية رفض استخدام أراضيها في عمليات هجومية.
وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري في سبتمبر/أيلول 2026 إن وجود القوات الدولية والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة “مهم جدًا” لكنه “غير كاف”، بينما دعا أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات دول المنطقة إلى زيادة قدرتها على حماية مصالحها مع استمرار الشراكة الأمريكية.

ويصل القلق نفسه إلى الدفاع الجوي والصاروخي، إذ خلص الباحث جان لوب سامان في دراسة لمعهد دول الخليج العربية في واشنطن، إلى أن أنظمة “باتريوت” و”ثاد” ستبقى ركيزة أساسية للدفاع، فيما تفرض كلفتها العالية ومحدودية أعدادها أمام موجات كبيرة من الصواريخ والمسيّرات الحاجة إلى قدرات اعتراض أكثر تنوعًا ومخزونات أكبر ومصادر تسليح أوسع.
وأعادت الحرب رسم علاقة أمن الخليج بالطاقة أيضًا، إذ تستطيع السعودية نقل جزء كبير من نفطها إلى البحر الأحمر عبر خط الشرق–الغرب، وتملك الإمارات منفذًا بديلًا عبر الفجيرة، بينما يبقى اعتماد قطر على مضيق هرمز أكبر بسبب صادرات الغاز الطبيعي المسال.
وقدر المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية “تشاتام هاوس”، أن قدرات السعودية والإمارات على تجاوز المضيق لا تعوض كامل التدفقات التي تمر عبره، فيما قالت قطر للطاقة في سبتمبر/أيلول إن الهجمات أخرجت نحو 17% من طاقة البلاد للغاز المسال وإن إصلاح قطارين متضررين قد يستغرق سنوات.
بهذا اتسعت الوظيفة الأمنية للحوار مع إيران، فبعد أن ركزت التهدئة قبل الحرب على منع تدهور العلاقات وتقليل فرص الاحتكاك، أصبحت النقاشات تتجه إلى وضع قواعد تضبط سلوك الطرفين عند اندلاع الأزمات وتحول دون انتقال المواجهة إلى الخليج.
ويرى مهران هاغيريان، الباحث المتخصص في سياسات الخليج في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية بالدوحة، أن الحرب عززت اعتقادًا كان يتشكل أصلًا لدى معظم دول المجلس بأن الردع العسكري والدعم الأمريكي يحتاجان إلى مسار سياسي موازٍ مع إيران لتقليل احتمالات التصعيد وتعزيز الاستقرار.
ويقدم خالد الجابر، المدير العام للمجلس نفسه، قراءة قريبة في دراسة صدرت في أبريل/نيسان 2026، إذ وضع “الدبلوماسية الوقائية” ضمن أدوات الردع إلى جانب تنويع الشراكات وبناء القدرات الوطنية. ويعني ذلك أن منع انتقال الحرب إلى الأرض الخليجية أصبح جزءًا من حساب الردع، إلى جانب اعتراض الهجوم والرد عليه.
الخليج وإيران.. ماذا يريد كل طرف من الآخر؟
تلتقي قطر والسعودية والإمارات عند هدف منع وصول الصراع الإيراني الأمريكي إلى أراضيها، لكن طبيعة الخطر تختلف من دولة إلى أخرى.
قطر هي الأكثر اقترابًا من طرح إقليمي واسع، وقد دعا أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر/أيلول 2026 إلى نظام للأمن الجماعي يقوم على السيادة وعدم التدخل والتسوية السلمية ويشمل إيران ضمن البيئة الأمنية للمنطقة.
تملك الدوحة دوافع مباشرة لهذا التوجه، فهي تستضيف بنية عسكرية أمريكية شديدة الأهمية ويعتمد اقتصادها الغازي على هرمز، كما بنت سياستها الخارجية على الوساطة وفتح القنوات مع الأطراف المتخاصمة.
وأظهرت الحرب أن هذه العناصر تحتاج إلى قواعد أكثر وضوحًا بشأن استخدام الأراضي والقواعد والمجال الجوي والمياه، خصوصًا عندما تنشب مواجهة بين واشنطن وطهران وتصبح المنشآت القطرية معرضة للرد رغم بقاء الدوحة خارج قرار الهجوم.
أما السعودية فتقترب من المسألة عبر ملف عدم الاعتداء، فبحسب صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، ناقشت الرياض خلال سبتمبر/أيلول 2026 فكرة ميثاق إقليمي مع إيران، بالتزامن مع عودة الحوثيين إلى صدارة القلق الأمني السعودي.
وفي 22 سبتمبر/أيلول طالبت مجموعة السبع إيران بوقف تسليح الحوثيين ودعمهم، فيما تحركت الرياض عبر بكين للضغط على طهران من أجل كبح الهجمات الحوثية.
وتقيس الرياض قيمة أي تفاهم بقدرته على كبح أدوات الضغط غير المباشرة، وفي مقدمتها الحوثيون، بعدما أثبتت الصواريخ والمسيّرات قدرتها على تهديد الأراضي السعودية والمنشآت النفطية والملاحة في البحر الأحمر.

وتتحرك الإمارات من زاوية مختلفة قليلًا، إذ تجمع بين الحوار مع إيران وتقليل تعرض اقتصادها لأي انهيار جديد في العلاقة. وقال أنور قرقاش في سبتمبر/أيلول إن إعادة بناء الثقة مع طهران تحتاج سنوات، ودعا إلى حوار عربي–إيراني مباشر حتى لا تبقى قضايا أمن المنطقة جزءًا تابعًا للمفاوضات بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة.
في الوقت نفسه توسع أبوظبي البنية المرتبطة بالساحل الشرقي وخطوط الأنابيب والسكك والممرات التجارية البديلة لتقليل أثر اضطراب هرمز. ويرتبط هذا التوجه بطبيعة الاقتصاد الإماراتي القائم على التجارة والخدمات والربط العالمي، وهي قطاعات تتأثر سريعًا بأي اضطراب طويل في الملاحة أو حركة النقل.
ووصف المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية هذا الاتجاه بعد الحرب بمفهوم “الاتصال المحصّن”، أي الحفاظ على الانفتاح التجاري والمالي مع زيادة القدرة على مواصلة العمل أثناء الأزمات عبر مسارات بديلة واحتياطيات وقدرات دفاعية أكبر.
في الجهة المقابلة، ربطت طهران موقفها من دول الخليج بمدى استخدامها في العمليات العسكرية الأمريكية ضدها، ففي مارس/آذار 2026 قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده ستوقف استهداف الدول المجاورة ما لم تنطلق هجمات عليها من أراضي تلك الدول، قبل أن تعود القيادة العسكرية الإيرانية في سبتمبر/أيلول للتحذير من أن الدول التي تشارك في أي هجوم جديد قد تعامل بوصفها طرفًا في النزاع.
وفي تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن يوم 14 سبتمبر/أيلول 2026، رأى الباحث الإيراني–الأمريكي فالي نصر أن الضربات الإيرانية للبنية العسكرية الأمريكية هدفت في جانب منها إلى خفض قدرة واشنطن على استخدام قواعدها الإقليمية ضد إيران.
وتكمن إحدى أكبر العقد في تعريف المشاركة في الحرب، فقد قالت دول الخليج إنها رفضت استخدام أراضيها وأجوائها في عمليات هجومية ضد إيران، ومع ذلك تعرضت للهجمات.
وأشارت دراسات لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن إلى أن الحساب الإيراني قد يشمل أشكال الدعم الاستخباري واللوجستي للقوات الأمريكية، حتى من دون انطلاق الهجوم نفسه من الدولة الخليجية.
لذلك سيحتاج أي اتفاق مستقبلي إلى تحديد واضح للأفعال التي تجعل الدولة المضيفة طرفًا في الهجوم، حتى لا يبقى الحكم على ذلك مرتبطًا بتقدير إيراني يتغير مع كل أزمة.
وتظهر المشكلة نفسها في مضيق هرمز، ففي 22 سبتمبر/أيلول ربطت إيران استعدادها لإعادة فتح المضيق بتخفيف الضغط العسكري الأمريكي ورفع الحصار عن موانئها، بعدما تعاملت خلال الحرب مع حركة الملاحة باعتبارها جزءًا من أدوات الضغط على خصومها.
هذا السلوك يجعل التفاوض حول منع الاحتكاك وضمان مرور السفن وآليات الاتصال وإدارة الحوادث أقرب إلى الواقع من ترتيبات تسحب من إيران قدرتها على التأثير في المضيق بالكامل.
وتصبح المسألة أكثر صعوبة عند الحوثيين والصواريخ، فقد رأت دراسة لمعهد الشرق الأوسط في يوليو/تموز أن طهران تتجه إلى إعادة تشكيل شبكة حلفائها بما يربط ساحات الضغط من الخليج وهُرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، فيما تبقى الصواريخ والمسيّرات في قلب العقيدة الإيرانية بعد حرب أظهرت حجم الفارق بينها وبين الولايات المتحدة و”إسرائيل” في القوة الجوية والتكنولوجيا العسكرية.
ومن تقاطع هذه المطالب تظهر ملامح مقايضة يمكن أن تقوم على احتفاظ دول الخليج بعلاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة مع وضع حدود أوضح لاستخدام أراضيها في مهاجمة إيران، مقابل التزام طهران بالفصل بين وجود القوات الأمريكية واستهداف الدولة المضيفة، مع تحييد البنية المدنية والملاحة عن الرد.
وتبقى الصواريخ وشبكات الحلفاء وهرمز العقد الأصعب، لأن طهران تعتبرها أدوات تمنحها القدرة على الرد في مواجهة التفوق الأمريكي والإسرائيلي.
إلى أين يمكن أن يصل الرهان الخليجي؟
يرجح خبراء ومراكز بحث أن يبدأ أي تفاهم قابل للحياة من منع تحويل الخليج إلى ساحة للمواجهة، لكن هذا المستوى يحتاج إلى اتفاق واضح على حدود استخدام القواعد والمجال الجوي، وعلى الحالات التي تجعل الدولة الخليجية مشاركة في عملية عسكرية، إلى جانب قواعد تمنع استهداف البنية المدنية وتفتح قنوات اتصال مباشرة عند الأزمات.
وفي سبتمبر/أيلول 2026 اقترح مركز ستيمسون الأمريكي المتخصص في الأمن الدولي، إعادة تنظيم اتفاقات القواعد الأمريكية في الخليج بحيث تميز بوضوح بين استخدامها للدفاع والملاحة وبين استخدامها لشن عمليات هجومية ضد إيران.
كما دعا إلى قنوات اتصال مباشرة تسمح لطهران بالتمييز بين وجود القوات الأمريكية وبين مشاركة الدولة المضيفة في الحرب، وهي نقطة برزت بقوة بعدما لم تحمِ تصريحات الحياد الخليجي بعض الدول من الهجمات الإيرانية.
وتزداد فرص صمود أي اتفاق عندما تكون التزاماته قابلة للرصد، مثل استخدام القواعد في الهجمات أو استهداف منشآت وممرات حيوية، على اعتبار أن ذلك يضع حدودًا أوضح للمسؤولية من التعهدات العامة بحسن الجوار وعدم التدخل. وقد يتوسع هذا المسار لاحقًا إلى قواعد للملاحة وحماية البنية المدنية وتفاهمات بشأن ساحات التوتر الإقليمية.
واقترح مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية إنشاء قناة دائمة بين مجلس التعاون وطهران وربطها بترتيبات حول هرمز تشمل إيران والعراق وأصحاب المصلحة البحريين، في محاولة لنقل الحوار من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى تفاهمات تضبط التعامل معها قبل اندلاعها.
لكن نجاح هذا المسار يتوقف على مقدار التوازن في الالتزامات، لأن الدول الخليجية تطلب تقييد الأدوات التي تمنح إيران جانبًا كبيرًا من قدرتها على الضغط، بينما تعتبر طهران هذه الأدوات ضمانة في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي.
وتبدو قدرة إيران على التفاوض حول حدود استخدام هرمز أو الحلفاء أو الصواريخ أكبر من استعدادها للتخلي عن هذه الأدوات، ما يجعل الخلاف على السلوك المتوقع منها أكثر واقعية من الخلاف على امتلاك القوة نفسها.
ويحذر الباحث السعودي صالح الخثلان، من مركز الخليج للأبحاث، من أن يؤدي هذا المسار إلى ما يسميه “فنلدة الخليج”، وهو تعبير مستمد من تجربة فنلندا خلال الحرب الباردة، حين حافظت على استقلالها ونظامها السياسي لكنها راعت بدرجة كبيرة حساسيات الاتحاد السوفيتي في سياستها الخارجية والأمنية.
ويخشى الخثلان أن تتكرر الفكرة بصورة خليجية، فتدخل ردة الفعل الإيرانية في حساب القرارات الكبرى وتدفع بعض الدول إلى تعديل تحالفاتها أو خياراتها مسبقًا لتفادي صدام مع طهران. ويضع هذا التحذير معيارًا حاسمًا لأي ترتيب مقبل، يتعلق بمدى توازن القيود التي تتحملها إيران مع القيود التي تقبل بها دول الخليج.
ويبرز اليمن كأحد الاختبارات الحاسمة لهذا المسار، فإذا استخدمت طهران نفوذها لخفض الهجمات الحوثية ووقف نقل أسلحة تستخدم ضد السعودية والملاحة، يصبح من الممكن قياس أثر إشراكها في ترتيبات الأمن.
أما استمرار الهجمات بالتوازي مع فصل إيران نفسها عن مسؤولية الحوثيين، فيحد من قيمة أي اتفاق لعدم الاعتداء، لأنه يترك إحدى أهم الساحات التي دفعت الرياض إلى البحث عن تفاهمات مع طهران خارج نطاق الضبط.
ويمثل هرمز اختبارًا موازيًا، لأن استخدام المضيق ورقة تفاوضية خلال الحرب أكد أنه جزء من القوة الإيرانية، فيما سيقاس نجاح أي ترتيب جديد بقدرته على إبقاء الملاحة مفتوحة عندما تتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.

وتبقى القواعد العسكرية الاختبار الثالث، إذ يحتاج الخليج إلى قبول إيراني واضح بالفصل بين استضافة القوات الأمريكية وبين المشاركة في هجوم عليها.
وفي الداخل الخليجي توجد عقبة أخرى، إذ يرى مهران هاغيريان الباحث المتخصص في سياسات الخليج في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية بالدوحة أن الحرب أبرزت اختلاف السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان في تقدير التهديد والاستعداد لتحمل المخاطر، فيما دعا مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية إلى تنسيق أكبر في تبادل المعلومات والإنذار وصنع القرار الأمني.
وتدفع هذه الفوارق نحو تفاهمات ثنائية أو بين مجموعات محدودة من الدول مع إيران خلال المرحلة الأولى، قبل الوصول إلى اتفاق شامل بين طهران ومجلس التعاون.
وتصف الباحثة كريستين سميث ديوان، من معهد دول الخليج العربية في واشنطن، الاتجاه الذي يتشكل بمفهوم “الولايات المتحدة زائد” حيث تستمر الشراكة الأمريكية ضمن شبكة أوسع من القدرات الوطنية والشركاء الإقليميين والقنوات مع إيران.
وسيحدد ما تفضي إليه هذه التحركات ما إذا كانت المنطقة أمام تحول فعلي في أمن الخليج أو جولة أكثر تنظيمًا من التهدئة، إذ تبحث دول مجلس التعاون عن قواعد تمنع استخدام أراضيها ومنشآتها وممراتها في الصراع بين إيران والولايات المتحدة، فيما تريد طهران ضمانات تحميها من استخدام الجغرافيا الخليجية في أي هجوم عليها مع الاحتفاظ بأدوات الردع التي تمنحها وزنها الإقليمي.
ويبدو التفاهم على حدود التورط أقرب من بناء نظام أمني شامل، لكن نجاحه سيبقى مرتبطًا بقدرة الطرفين على تحويل هذه المطالب إلى التزامات متبادلة تمنع الحرب المقبلة من تحويل الخليج مرة أخرى إلى إحدى ساحاتها.