تبع سقوط نظام الأسد تفكيك مؤسساته الأمنية والعسكرية، وفتح الباب أمام إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وأجهزتها، لكن هل يعني التغيير على مستوى السلطة والهياكل بالضرورة تغيرًا فوريًا في طريقة عمل المؤسسات أو في آليات التعامل التي ترسخت داخلها على مدى عقود؟
فقد شهدت بعض المخافر ومراكز التوقيف خلال هذه المرحلة ممارسات أثارت انتقادات ومخاوف بشأن استمرار طرق التعامل المرتبطة بنظام الأسد، إذ انتهت بعض حالات الاحتجاز إلى وفاة موقوفين، وفق ما وثقته جهات حقوقية وإعلامية.
من هنا، يبحث هذا التقرير في ما إذا كانت عملية التغيير التي أعقبت سقوط الأسد قد طالت بنية المؤسسات وآليات عملها فعلًا، وما الذي تغير في أداء الموظفين والعناصر، وما الذي بقي حاضرًا من أشكال الممارسات التي تشكلت في ظل نظام الأسد، لنرى مدى انعكاس هذا التغيير على أداء المؤسسات وطريقة تعامل العاملين فيها مع المواطنين.
اختبار الممارسة
بدأت وزارة الداخلية إعادة بناء هياكلها بعد سقوط الأسد عبر إعادة تنظيم أجهزتها الأمنية، فدمجت جهازي الشرطة والأمن العام ضمن “قيادة الأمن الداخلي” في المحافظات، واستحدثت إدارات لتلقي شكاوى المواطنين ومتابعة التجاوزات المسلكية، إلى جانب تأسيس إدارة عامة للسجون والإصلاحيات، غير أن هذا التغيير أغفل السؤال الأهم حول الممارسة اليومية: كيف يتعامل العناصر مع صلاحياتهم؟ وما الآليات التي تضبط عملهم وتحاسبهم عند التجاوز؟ ففي هذه الأماكن تحديدًا-داخل المخافر وأقسام الشرطة- يتجلى الاختبار الحقيقي للتغيير ومدى لمس المواطن له.
خلال هذه الفترة شهدت أماكن الاحتجاز حالات وفاة لموقوفين، وقعت بعضها داخل مراكز التوقيف، فيما حدثت أخرى بعد الإفراج عن أصحابها، وأثارت هذه الحالات اتهامات بسوء المعاملة أو استخدام العنف أثناء التوقيف والتحقيق، بينها وفاة يوسف اللباد بعد توقيفه في دمشق عام 2025، وعبد الرحمن جعجول داخل مخفر الكلاسة في حلب في العام نفسه، ومحمد غميرة في قسم شرطة الحفة عام 2026.. تباينت فيها الروايات الرسمية والعائلية حول ملابسات وقائعها، وقد كشفت هذه الوقائع جانبًا من الاختبار الذي تواجهه المؤسسات الأمنية في الانتقال من تغيير البنية الإدارية إلى تغيير الممارسة اليومية، كما فتحت الأسئلة حول دور وزارة الداخلية في ضبط عمل عناصرها، وآليات التعامل مع الشكاوى داخل المخافر، ومسار التحقيق والمحاسبة عندما تقع انتهاكات.
يوسف لباد لاجئ سوري في ألمانيا عاد إلى بلده وبعد أيام فقط لقي مصرعه.. مطالبات سورية للكشف عن ملابسات مقتله على يد الأمن السوري العام، ومصادر تؤكد أن وزير الداخلية السوري أمر بفتح تحقيق عاجل. pic.twitter.com/fiT4JpCI3s
— نون سوريا (@NoonPostSY) July 30, 2025
وقد اختلفت مسارات التحقيق في هذه الوقائع بين تحقيق قضائي وآخر يجري داخل المؤسسة الأمنية، ففي قضية يوسف اللباد، أشرف المحامي العام في دمشق على التحقيق منذ بدايته، وشُكّلت لجنة طبية ثلاثية لتحديد سبب الوفاة، قبل أن تُحال نتائج التحقيق إلى القضاء المختص. وفي وفاة عبد الرحمن جعجول داخل مخفر الكلاسة؛ أعلن الأمن الداخلي في حلب تشكيل لجنة للتحقيق وعرض الجثمان على الطبابة الشرعية، من دون أن تعلن المصادر الرسمية التي تناولت الواقعة نتائج نهائية للمحاسبة، أما قضية محمد غميرة، فقد تجاوزت الواقعة نطاقها المحلي وحظيت بمتابعة واسعة من ناشطين وفاعلين في الثورة السورية وعلى منصات التواصل، وسط تصاعد المخاوف والانتقادات من تكرار ممارسات ارتبطت بأجهزة سلطة الأسد داخل أماكن التوقيف، وهو ما دفع وزارة الداخلية إلى تشكيل لجنة للتحقيق انتهت إلى ثبوت صفع غميرة أثناء التحقيق وإحالة المحقق المعني إلى النيابة العامة، وقد توسع التحقيق ليشمل مسؤولين آخرين في القسم.
لكن اختلاف مسارات التحقيق وحده يطرح تساؤلًا مهمًّا حول مدى كفاية الإجراءات الداخلية عندما يكون المتهم بالتجاوز تابعًا للجهاز الأمني نفسه، فكيف يجب التعامل معه؟ وماهي الإجراءات اللازمة؟
يوضح الباحث والمحلل السياسي والقاضي السابق ورئيس “محكمة دار العدل” في حوران خلال فترة المعارضة في درعا، عصمت عبسي، في حديثه لـ”نون بوست”، أن الإجراءات الداخلية وحدها لا تكفي، لأنها تُدار غالبًا من المؤسسة نفسها التي يُفترض أن تحاسب، ما يجعلها عرضة للتعتيم أو التخفيف، مؤكدًا أن الضمانات الجوهرية تبدأ باستقلال التحقيق، بحيث تتولاه النيابة العامة أو لجنة قضائية مستقلة تضم أطباء شرعيين مستقلين ومحامين، مع الفصل بين جهة الاتهام وجهة التحقيق، كما يشير إلى ضرورة تجميد صلاحيات المشتبه فيهم فورًا لمنع التأثير على الشهود أو السجلات، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام لضمان المساءلة.
أين الرقابة المستقلة؟
يُعد غياب الرقابة المستقلة عاملًا أساسيًا في استمرار التجاوزات داخل أروقة الشرطة ومراكز التوقيف، فالأمر يمتد من مجرد صلاحيات الأمن إلى وجود طرف محايد يرصد تطبيق هذه الصلاحيات، ويتعامل بجدية مع التجاوزات الصادرة عن منتسبي المؤسسة ذاتها.
وتبدأ المشكلة من التفاصيل اليومية التي ترافق عملية التوقيف: من يوثق سبب التوقيف ومكانه؟ ومن يتأكد من إبلاغ ذوي الموقوف؟ ومن يراجع ظروف التحقيق ومدته؟ وكيف يستطيع الموقوف أو عائلته تقديم شكوى بشأن سوء المعاملة؟ وإلى أي جهة تُرفع الشكوى عندما يكون الطرف المشكو منه تابعًا للمؤسسة التي تتولى التحقيق فيها؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند وقوع إصابة أو وفاة داخل مكان التوقيف، فيما تثير هذه الحوادث سؤالًا آخر حول ما إذا كانت التجاوزات حالات فردية أم أنها تعكس نمطًا أوسع داخل المؤسسة، وفي هذا الإطار، يوضح عصمت عبسي لـ”نون بوست” أن التمييز بين الخطأ الفردي والنمط المؤسسي يعتمد على التكرار والانسجام بين الحالات، فإذا تكررت حالات مماثلة داخل الجهاز نفسه أو خلال فترة زمنية قصيرة من دون محاسبة فعلية للمديرين، فقد يشير ذلك إلى وجود نمط مؤسسي، لكنه يرى أن هذا المعطى غير متوافر في الحالات المطروحة حاليًا.
وفي السياق نفسه، يرى عضو مجلس الشعب السوري والناشط السياسي عقيل حسين أن وقوع بعض الأخطاء والتجاوزات داخل المؤسسات الحكومية، ومنها مؤسستا الأمن والشرطة التابعتان لوزارة الداخلية، أمر متوقع، معتبرًا أن هذا النوع من المؤسسات قد يشهد أخطاء وتجاوزات بحكم طبيعة عمله. لكنه يميز بين التجاوزات الفردية والانتهاكات الممنهجة، ويقول إن هناك “سياسة واضحة وصارمة” من جانب وزارة الداخلية لمتابعة أداء مؤسستي الأمن والشرطة ومحاسبة من يثبت ارتكابه تجاوزات.
ويضيف حسين أن هذه المتابعة أدت، وفق تقديره، إلى “تراجع كبير وواضح” في عدد ومستويات حالات التجاوز التي شهدتها مؤسسات وزارة الداخلية، معتبرًا أن الحالات الحالية تندرج ضمن تصرفات فردية من بعض الضباط أو عناصر الشرطة، ولا تعكس سياسة ممنهجة. ويرى أن هذا المسار يعكس توجهًا واضحًا نحو القطيعة مع سياسات النظام السابق في التعامل مع المواطنين.
أمّا في ما يتعلق بدور القضاء والنيابة العامة، يرى عصمت أن “دورهما لا يقتصر على التعامل مع الانتهاكات بعد وقوعها، بل ينبغي أن يمتد إلى الرقابة على إجراءات التوقيف منذ بدايتها”، مقترحًا إنشاء سجل وطني مركزي وفوري للمحتجزين يتيح للقضاء تتبع عمليات التوقيف والنقل، وضمان وصول المحامي والأسرة إلى الموقوف منذ اللحظة الأولى، إلى جانب تفعيل الفحوص الطبية المستقلة والإلزامية، كما يشير إلى أهمية التدقيق في نزاهة العاملين قبل تعيينهم أو ترقيتهم، بما يحول دون انتقال ممارسات المرحلة السابقة إلى المؤسسات الجديدة.

عنف متوارث
ترتبط هذه التجاوزات أيضًا بثقافة مجتمعية طالما ربطت الهيبة بالخوف، فالضرب والإهانة والتخويف كانت وسائل شائعة للتربية داخل الأسرة والمدرسة، وامتدت لتشمل بيئات العمل والمجتمع، ومع الوقت حمل الأفراد هذه المفاهيم معهم إلى مواقع العمل، وتحديدًا داخل المؤسسات الأمنية.
يظهر هذا السلوك في طريقة التعامل مع الموقوفين وفي كيفية استخدام الموظفين لصلاحياتهم وفق تصوراتهم الخاصة للانضباط والعقاب، ومن هنا تظهر أهمية التدريب والرقابة والمساءلة في ضبط الممارسة الأمنية، إلى جانب وضع ضوابط واضحة لاستخدام القوة بما يحفظ كرامة الموقوفين وحقوقهم.
من جهة أخرى، لا تعني معارضة نظام الأسد سياسيًا بالضرورة رفض العنف في جميع أشكاله، فقد يعارض الشخص النظام سياسيًا، بينما يتقبل في الوقت نفسه سلوك مثل الضرب والإهانة في حياته اليومية لذلك ينبغي ترسيخ ثقافة مهنية جديدة تقوم على التدريب المستمر والرقابة والمساءلة، وتنظم ممارسة السلطة واستخدام القوة، وبالتالي تأسيس علاقة قائمة على احترام حقوق المواطنين بين الدولة وأفراد المجتمع.
استجابة للضغوط الشعبية
إلى جانب آليات الرقابة والتحقيق داخل مؤسسات الدولة، ظهر خلال هذه المرحلة عامل آخر في التعامل مع التجاوزات، تمثّل في ارتفاع مستوى الاعتراض الشعبي وتحول بعض الحالات إلى قضايا رأي عام، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي والوقفات الاحتجاجية، ويضع الناشط والصحفي السوري غسان ياسين هذا التفاعل في إطار علاقة جديدة بين المجتمع والمؤسسات الحكومية، خصوصًا في الملف الأمني، في ظل الذاكرة السورية المرتبطة بممارسات الاعتقال والتوقيف خلال عهد الأسد.
وفي سؤال لـ”نون بوست” حول تأثير هذه التجاوزات في ثقة الناس بالمؤسسات والحكم الجديد، وما إذا كان ارتفاع مستوى الاعتراض والمطالبة بالمحاسبة يعكس تحولًا في علاقة المجتمع بالمؤسسات الأمنية، يجيب ياسين أن اعتراض الناس على عمليات التوقيف كان مرتفعًا جدًا، وأن هذه الاحتجاجات أسهمت، بحسب تقديره، في دفع الحكومة إلى مراجعة بعض إجراءاتها.
ويرى ياسين أن استجابة الحكومة لهذه القضايا كانت جيدة وفي تطور، مشيرًا إلى أن تحول أي مشكلة إلى قضية رأي عام كان يتبعه اتخاذ إجراءات من جانب الحكومة، سواء عبر وزارة العدل أو وزارة الداخلية، مضيفًا أن الأمور اتجهت مع مرور الوقت نحو الأفضل، وإن حالات التوقيف من دون مسار قضائي أو قانوني واضح بدأت تختفي تقريبًا، كما أصبحت هناك استجابات في حالات الاعتقال، بحيث أصبح من الممكن في حالات لاحقة معرفة مكان وجود الشخص المختفي أو المعتقل.
ويربط ياسين هذا التطور بالضغوط الشعبية، قائلًا إن تحول أي قضية إلى قضية رأي عام يدفع الحكومة إلى مراجعة مسارها وأدائها وتقديم حلول، ويرى أن هذه الحلول “مرضية وكافية” قياسًا إلى أن عمر الحكومة سنة ونصف، متوقعًا أن تصبح الأمور أفضل مع مرور الوقت.
وفي ما يتعلق بارتفاع مستوى الاعتراض والمطالبة بالمحاسبة، يقول ياسين “إن الناس تريد في النهاية الوصول إلى حالة مقبولة قانونيًا وقضائيًا ومجتمعيًا، يكون فيها موضوع التوقيف واضحًا، ويضمن للموقوف حقه في الدفاع عنه بواسطة محامٍ. ويرى أن الوصول إلى هذه الصيغة يحتاج إلى بعض الوقت، لكنه يعتبر أن وسائل الاحتجاج التي استخدمت، ومعظمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى جانب بعض الوقفات الاحتجاجية “أدت الغرض المطلوب”.
ويصف ياسين هذه العلاقة بأنها صيغة يمكن التعويل عليها بين مجتمع خرج وأسقط نظام الأسد، بعد 14 عامًا من “الخراب الذي تركه النظام الهارب”، وبين حكومة جديدة عمرها سنة ونصف تحاول ضبط الوضع الأمني في ظل هشاشة المرحلة الأولى من التحرير، ثم الانتقال إلى مأسسة عملها، مضيفًا أن وزارة الداخلية تشهد “عملية مأسسة أكثر من جيدة وهذا أمر يعوّل عليه”.
لا يمكن إنكار أن مؤسسات الدولة دخلت مرحلة إعادة تشكيل شملت هياكلها وإجراءاتها وآليات الرقابة والمحاسبة فيها، فيما تبقى الحوادث اليومية والاحتكاكات داخل هذه المؤسسات المحك الذي يكشف حجم التغيير الملموس الذي ينشده الناس، والذي قامت الثورة من أجله، الأمر الذي يعوّل عليه السوريون في مسار إعادة بناء الدولة.