مع تصاعد عمليات هدم المنازل التي تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بات هذا الإجراء جزءًا من الحياة اليومية للفلسطينيين، ضمن مسار مستمر يعيد تشكيل واقعهم السكني والاجتماعي، ويمتد تأثيره إلى ما يتجاوز البنية المادية، ليطال علاقتهم بالمحيط، حيث يتداخل مفهوم البيت مع منظومة من الإجراءات القانونية والعسكرية التي تتحكم بمصيرهم.
في هذا السياق، تعيش العائلات الفلسطينية حالة متابعة دائمة لمسار يبدأ بإخطارات رسمية ويتطور عبر مراحل قانونية وتنفيذية متسارعة، فيتحول البيت إلى ملف مفتوح داخل منظومة معقدة من القرارات والسياسات الميدانية، يؤثر على شعور الفلسطيني تجاه البيت، وتعريفه لهذا الحيز الخاص الذي تداخلته معه أطماع المستوطنين وسلطات الاحتلال.
تكشف الأرقام حجم هذا التصعيد؛ ففي عام 2025 وحده، نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي نحو 538 عملية هدم أدت إلى تدمير حوالي 1400 منشأة، بينها مئات المنازل المأهولة وغير المأهولة، إضافة إلى منشآت اقتصادية وزراعية، إلى جانب ما يقارب 1000 إخطار بالهدم، تركز بشكل خاص في القدس والضفة الغربية، ولا سيما مناطق (ج)، ضمن سياق مستمر لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني الديمغرافي والجغرافي.
ومع بداية عام 2026، تشير المعطيات الميدانية إلى استمرار الوتيرة التصاعدية، مع اتساع نطاق الهدم وتزايد حالات “الهدم الذاتي” في القدس، خصوصًا في سلوان، حيث يُجبر السكان على هدم منازلهم بأيديهم تحت ضغط الغرامات والتكاليف، في مشهد يلخص ذروة الإكراه المادي والنفسي.
في هذا الحوار الخاص لـ”نون بوست، يقدّم كل من وائل عبد الرحيم، المحامي والمستشار القانوني في مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، وناصر يوسف أبو مطر، الأخصائي النفسي ومدير مؤسسة “نفس التمكين” للاستشارات النفسية والاجتماعية، قراءة مزدوجة لهذه السياسة، تكشف كيف تُدار عمليات الهدم عبر سلسلة تبدأ من مراحل التخطيط ومنع الترخيص، ولا تنتهي عند لحظة التنفيذ، بل تمتد آثارها لتطال الحياة اليومية للأفراد والعائلات، وتنعكس على استقرارهم النفسي والاجتماعي بشكل عميق ومستمر.
كيف تصف سياسة هدم البيوت الفلسطينية؟ وما الذي تعكسه هذه السياسة على حياة العائلات في الضفة الغربية؟
بكل بساطة، تُعدّ سياسة هدم البيوت سياسة قديمة متجددة، بدأت منذ قدوم الاحتلال والاستعمار، بل وحتى قبل ذلك، بالاعتماد على منظومة قانونية معقدة تقوم على أوامر عسكرية وقوانين متعددة، إضافة إلى الاستناد أحياناً إلى قوانين سابقة للاحتلال في الضفة الغربية، مثل بعض القوانين الأردنية.
هذه الحالة تخلّف آثارًا سلبية هائلة، إلى جانب آثارها الوطنية، وتشكل عقبة كبيرة أمام حق شعبنا في تقرير مصيره وتحقيق استقلاله، وتمسّ بشكل مباشر الحق في السكن، بوصفه حقًا أصيلًا ومتجذرًا من حقوق الإنسان الأساسية، والمعترف به في مختلف الأديان، وكذلك في منظومة القانون الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
وتعكس هذه السياسة، ببساطة، أهداف الاحتلال الاستعمارية وسياسته الإحلالية، من خلال السعي إلى السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية، وفي الوقت ذاته التخلّص من الأعباء والمسؤوليات الناجمة عن رعاية السكان في الأراضي المحتلة.
وقد شهدت هذه السياسة منعطفات مهمة، قانونية وسياسية، وكانت في مراحل عديدة انعكاسًا لتوجهات التيارات السياسية الحاكمة في إسرائيل، وكذلك لتصاعد القوة الاستعمارية والاستيطانية، وللتحريض المستمر ضد وجود الشعب الفلسطيني وهويته.
وفي المحصلة، يكاد المواطن الفلسطيني يقف وحيدًا في مواجهة هذه السياسة المتجذرة والمستمرة، بل والمتصاعدة. فقد شهدت هذه السياسة تحولات ملحوظة، خاصة بعد 7 أكتوبر في الضفة الغربية، حيث برزت تحديات إضافية، حتى من منظور قانوني. وبصفتنا محامين نتابع هذه الملفات، يمكن القول إن الجدوى القانونية لتوفير الحماية للبيوت المهددة بالهدم بدأت تتقلص، في ظل تصاعد الأوامر العسكرية وتبنّي سياسات قضائية تُسهّل وتُسرّع عمليات الهدم بمختلف أشكالها.
لماذا تتركز أوامر الهدم بشكل أكبر في القدس ومناطق (ج) في الضفة الغربية؟
بشكل عام، هناك جملة من الأسباب التي تفسّر تصاعد عمليات الهدم في مناطق معينة وانحسارها في مناطق أخرى، لكن من الضروري التأكيد أن جوهرها يرتبط بأهداف سياسية واستعمارية، حتى وإن اختلفت الأدوات القانونية المستخدمة في تنفيذها.
ومن المهم التمييز بين أنماط الهدم، فالهدم بحجة البناء دون ترخيص يتركز بشكل أساسي في مناطق (ج) في الضفة الغربية، وكذلك في القدس. غير أن المعادلة في القدس ترتبط بسياسات الضم، والقوانين التي فُرضت في هذا الإطار، إلى جانب تطبيق قوانين بلدية تُوصف بالتعسفية والعنصرية بحق الفلسطينيين. أما في الضفة الغربية، فيجري الهدم غالبًا بذريعة البناء دون ترخيص أو خارج المخططات الهيكلية المصادق عليها.
وفي الحالتين، تبقى الأهداف استعمارية بالدرجة الأولى، إذ يسعى الاحتلال إلى السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، مقابل تقليص الوجود السكاني الفلسطيني. ويأتي ذلك أيضًا في سياق مخرجات اتفاقية أوسلو، التي منحت صلاحيات التنظيم والتخطيط ومنح التراخيص في مناطق (ج)، باعتبارها مرحلة انتقالية كان يُفترض أن تنتهي عام 1999، إلا أن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع، ولم تُفضِ المفاوضات إلى حلول سياسية.
وبناءً عليه، استمرت سيطرة الاحتلال وأجهزته على هذا الملف، من خلال إدارة التخطيط والتنظيم، وتنفيذ سياسات الهدم والتضييق، وعدم تلبية الاحتياجات التنظيمية للقرى الفلسطينية في مناطق (ج). ومن الواضح أن الهدف يتمثل في توسيع المستوطنات والسيطرة على مزيد من الأراضي، وقد أسهمت هذه الاتفاقيات، إلى جانب الأوامر العسكرية والصلاحيات الممنوحة، في تسهيل هذه السياسات. وفي ظل تعثر الحلول السياسية، وبقاء القضية الوطنية في حالة مأزق، يصبح تركّز عمليات الهدم في مناطق (ج) أمرًا متوقعًا.
ومن جهة أخرى، هناك نمط مختلف يتمثل في الهدم العقابي، وهو امتداد لسياسات تعود إلى فترة الانتداب البريطاني، ويُطبَّق على امتداد الأراضي الفلسطينية التاريخية. ويستهدف هذا النوع من الهدم منازل المناضلين والأسرى والمقاومين، ولا يخضع للتقسيمات الإدارية (لا بين القدس والضفة، ولا بين مناطق “أ” و”ب” و”ج”)، بل يُنفَّذ استنادًا إلى أوامر عسكرية وقوانين طوارئ تعود إلى أربعينيات القرن الماضي.
ما الذي يحدث منذ لحظة تسليم إشعار الهدم حتى تنفيذ القرار على أرض الواقع؟
بشكل مختصر، تبدأ هذه الإجراءات بإصدار إخطارات وقف العمل، بحيث يبدو المشهد وكأنه يستند إلى نصوص قانونية واردة في قانون تنظيم المدن والقرى الأردني لعام 1966، إضافة إلى أوامر عسكرية عُدّلت لاحقًا في السبعينيات والتسعينيات، وحتى في الألفية. وقد أسهمت هذه الأوامر في خلق بيئة قانونية معقدة وصعبة أمام الفلسطينيين في مسار الترخيص والمتابعة.
وتقوم هذه المنظومة على تمييز واضح بين فئتين تعيشان في الإقليم ذاته: الشعب الفلسطيني من جهة، والمستوطنون غير القانونيين المقيمون في الضفة الغربية من جهة أخرى. وفي المقابل، يدّعي الاحتلال وجود مسار قانوني وإجراءات تتيح لمن يتلقى أوامر الهدم أو إخطارات وقف العمل فرصة الاعتراض.
لكن في الواقع، نحن أمام منظومة متكاملة تقودها أذرع وزارة الحرب الإسرائيلية، ممثلة بالإدارة المدنية، ولجان التفتيش، ومجلس التنظيم الأعلى، وهي جهات يغلب على تشكيلها مستوطنون وممثلون عن الجيش. كما أن البنية القضائية نفسها تتأثر بتوجهات اليمين المتطرف، الذي بات له تأثير واضح على قرارات المحاكم، سواء الإدارية أو ما يُسمّى بمحكمة العدل العليا أو المحاكم المركزية.
وقد شهدت الفترة الأخيرة تعديلات قانونية قلّصت من جدوى التوجه إلى المحاكم في معظم الحالات. فعلى الصعيد الإجرائي، تُقدَّم طلبات ترخيص والتماسات وفق القوانين المعمول بها، رغم طابعها التمييزي، إلا أن التحديات تتزايد بشكل ملحوظ، فالمحاكم تفرض كفالات مالية مرتفعة على كل من يسعى للطعن في أوامر الهدم أو طلب تجميدها، كما أن وتيرة البت في الملفات أصبحت أسرع بكثير مقارنة بالسنوات السابقة، حيث كان بالإمكان كسب الوقت وتأجيل التنفيذ لفترات طويلة.
في السابق، كان التدخل القانوني يوفّر نوعًا من الحماية على المدى البعيد، سواء من خلال السعي للحصول على ترخيص أو توسيع المخططات الهيكلية، أما اليوم فقد تغيّر المشهد بشكل كبير، إذ تسارعت الإجراءات ووصلت في كثير من الحالات إلى طرق مسدودة في المسار القانوني.
ورغم أنه لا يزال، نظريًا وشكليًا، هناك إطار يتيح التوجه إلى اللجان والمحاكم، فإن الجدوى والمردود القانوني لهذه المسارات يشهدان تراجعًا ملحوظًا في المرحلة الراهنة.
ما الخيارات المتاحة أمام العائلات بعد استلام إشعار الهدم؟ وهل يمكن إيقاف القرار؟
هناك محددات للإجابة عن هذا السؤال، مثل طبيعة ملكية الأرض، ووجود أو عدم وجود أوامر عسكرية على الأرض المقام عليها المبنى موضوع الملف. لكن في نهاية المطاف، هذه العوامل تحدد المسار القانوني للملفات فقط.
فعلى سبيل المثال، في حالات الهدم العقابي، من النادر جدًا إلغاء هذا النوع من القرارات أو تجميده لفترات طويلة، لأنه يُبرَّر باعتبارات الردع العام والوضع الأمني وقوانين الطوارئ. وفي معظم الحالات، تصادق المحكمة العليا الإسرائيلية على هذه الأوامر، حيث تتجاوز نسبة المصادقة على أوامر الهدم العقابي 99%.
نظريًا، يمكن للمواطن التوجه إلى المحاكم وتقديم التماسات لوقف أو تجميد أوامر الهدم، كما هو الحال في ملفات مناطق (ج). لكن عمليًا، تختلف المعالجة من ملف إلى آخر بحسب التفاصيل، مثل موقع المبنى، كونه قريبًا من مستوطنة أو معسكر أو طريق عام، أو وقوعه ضمن أراضٍ مصنفة كـ”أراضي دولة”، إضافة إلى وضوح الملكية أو وجود مخالفات في المواصفات الفنية.
ورغم هذا التمايز بين الملفات، تبقى المحصلة العامة واحدة تقريبًا، وهي عدم منح التراخيص في معظم الحالات، ضمن سياسة ممنهجة ومدروسة تراكمت عبر سنوات. كما أن المسار القانوني يتضمن تفاصيل دقيقة، مثل الالتزام بإخطارات وقف العمل، أو صدور أوامر هدم في مراحل معينة، أو شطب الالتماسات من قبل المحكمة، أو فرض كفالات مالية باهظة.
وبالتالي، فإن هذه الخيارات متاحة قانونيًا، لكن الجدوى العملية منها محدودة جداً في حماية هذه البيوت على المدى البعيد، خاصة مع صدور أوامر عسكرية وتعديلات قضائية متتالية تُضيّق هذا المجال بشكل مستمر. وهذا ما يجعل اللجوء إلى هذه الأدوات قائمًا، لكن دون الاعتماد عليها كحل فعّال طويل الأمد.
وفي بعض الحالات، يدفع هذا الواقع إلى التفكير بأدوات أخرى للحماية أو للنضال، بما فيها أدوات القانون الدولي، مع أن التعامل بشكل عام يتم ضمن منظومة القانون المحلي الإسرائيلي وما يتيحه أو يحدّه.
كيف يقيّم المركز سياسة إجبار العائلات على هدم منازلها بأنفسها؟
تُطبّق هذه السياسة بشكل أساسي في القدس، حيث يجد المواطن نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تتولى البلدية تنفيذ الهدم وما يترتب عليه من تكاليف باهظة جدًا وغرامات إضافية، أو أن يُجبر على هدم المبنى بنفسه. وهذا بحد ذاته يكشف عن الوجه القاسي لهذه السياسة، ويضع المواطن أمام من أصعب المواقف التي يمكن أن يواجهها تحت الاحتلال.
وللأسف، في بعض الحالات أيضًا في الضفة الغربية ومناطق (ج)، يجد المواطن نفسه أمام خيارات مشابهة ولكن بشكل مختلف، إذ قد يُضطر إلى هدم أجزاء من المبنى، وليس كله، بهدف إثبات الالتزام بإخطارات وقف العمل منذ لحظة صدورها. كما توجد حالات قام فيها أصحاب المنازل بإزالة بعض الأعمال بعد صدور الإخطار، لتقليل الخسائر وتفادي الضرر الأكبر بدلًا من الوقوع في ضرر أشد.
وفي المحصلة، تعكس هذه السياسات حجم التضييق الذي يعيشه الفلسطيني في مواجهة منظومة الهدم والاحتلال.
رغم كل الجهود القانونية، لماذا تنتهي الكثير من هذه القضايا بهدم المنازل؟ وما الذي يمكن أن يغيّر هذا الواقع؟
بشكل عام، يمكن القول إن هذا السؤال يختصر مجمل ما تم تناوله منذ بداية المقابلة. لكن الإجابة عنه لا يمكن حصرها في الإطار القانوني أو القضائي فقط، بل تتجاوزه إلى البعد الأوسع المرتبط بطبيعة الصراع.
فمن حيث الجوهر، هناك أسباب تُطرح في هذا السياق، ترتبط بسياسات يُنظر إليها ضمن إطار أوسع يتعلق بالسيطرة والتهجير. وبالتالي فإن التعامل مع هذه القضية لا يقتصر على الأدوات القانونية، بل يرتبط أيضاً بالنضال الوطني وحق تقرير المصير، وكيفية مواجهة ما ينتج عن الاحتلال، بما في ذلك سياسة هدم البيوت.
أما من الناحية الإجرائية والتفصيلية، فكل ملف يختلف عن الآخر بحسب موقعه وظروفه. على سبيل المثال، في بعض مناطق الضفة الغربية، يبرز التركيز في فترات معينة على منطقة الأغوار، باعتبارها منطقة حدودية ذات بعد استراتيجي، ومعظم مساحاتها مصنفة كـ”أراضي دولة”. في هذه الحالة تصبح المتابعة القانونية أمام المحاكم أكثر صعوبة، لأن الأساس القانوني يُبنى على اعتبار المبنى قائماً على أراضٍ مصنفة كأراضي دولة، إلى جانب عدم وجود تراخيص، ما يؤدي إلى رفض الطلبات وفرض غرامات أو كفالات.
وحتى في الحالات التي تكون فيها الأرض ملكية خاصة، تظهر إشكاليات إضافية، مثل الادعاء بأن مقدم الطلب لا يملك كامل الأرض، أو أنه أحد الورثة فقط ضمن مجموعة ورثة. ومنذ عام 2020، أصبح يُشترط في بعض الملفات أن يكون طلب الترخيص مقدماً من جميع الشركاء أو الورثة، مع وجود إفراز قانوني واضح ومصادق عليه، وهو ما شكّل تحديًا كبيرًا أمام المواطنين.
ويزداد هذا التعقيد في ظل واقع الأراضي في الضفة الغربية، حيث إن الاحتلال، منذ عام 1967، أوقف عمليات تسوية وتسجيل الأراضي التي كانت تقوم بها الحكومة الأردنية قبل الاحتلال، ما أدى إلى بقاء مساحات واسعة دون طابو أو إفراز رسمي. وفي المقابل، يُطلب اليوم تقديم طلبات ترخيص وفق شروط تتطلب إثبات ملكية كاملة وواضحة، وهو ما يصطدم بواقع قانوني معقد أصلًا.
هذه الشروط والإجراءات مجتمعة تزيد من صعوبة الملفات، وتحد من إمكانية توفير حماية قانونية فعّالة لها، ما ينعكس في النهاية على ارتفاع حالات الهدم.
نفتح هنا جانبًا آخر من الملف، يتعلق بالبعد النفسي والاجتماعي، من خلال محاورة الأخصائي النفسي ناصر يوسف أبو مطر لفهم هدم المنازل كسياسة تمتد آثارها إلى الحياة النفسية والاجتماعية للفلسطينيين، تبدأ من لحظة الإخطار حيث يدخل الأفراد في حالة من القلق والترقب، وتنعكس لاحقًا على استقرار العائلات والأطفال وشعورهم بالأمان.
كيف يؤثر تهديد العائلة بهدم منزلها منذ لحظة الإشعار على شعورها بالأمان والاستقرار؟
حين يُقال للإنسان إن بيته سيُهدم، فالأمر لا يتعلق بجدرانٍ وسقف، بل بحياة كاملة. هذا ليس هدمًا لبيت، بل هدمٌ لحلمٍ بُني على مدار سنوات طويلة. فالبيت هو الأمان، وهو الطمأنينة، وهو المكان الذي تتكوّن فيه الذاكرة وتُحفظ فيه تفاصيل الحياة، الطفولة، والذكريات، وكل ما يمنح الإنسان شعوره بالاستقرار.
منذ تلك اللحظة، لا يُهدم البيت فقط، بل يُهدم إحساس الإنسان بحياته. وهنا تبدأ المأساة. فالهدم يعني التشريد، والبحث القسري عن مأوى جديد، قد يكون خيمة أو منزلاً آخر، مع ما يرافق ذلك من أعباء اقتصادية ومادية واجتماعية ثقيلة.
لكن الأثر الأعمق هو الصدمة. هدم البيت ليس خسارة مادية فحسب، بل جرح نفسي قاسٍ، هو محو للذكريات، وكسر للاستقرار، وفقدان لكل ما كان يشكّل معنى المكان، رائحته، زواياه، تفاصيله الصغيرة التي صنعت حياة كاملة. هذه ليست مجرد خسارة، بل اقتلاعٌ من الجذور.
وحين يُهدم البيت، يُدفع الإنسان إلى الخوف والقلق والتوتر، ويُترك في مواجهة المجهول. يفقد مكانه، ويفقد معه جزءاً من تاريخه وهويته. وهذا الصراع، بين ما بناه عبر سنوات وما فُقد في لحظة، هو من أشدّ ما يمكن أن يمر به الإنسان، طفلاً كان أم بالغاً.
لهذا، فإن هدم البيت ليس إجراءً عابرًا، بل تجربة قاسية تمسّ جوهر الإنسان، وتترك أثرًا عميقًا يمتد إلى كل تفاصيل حياته.
ما الذي يعيشه الأطفال نفسيًا خلال فترة الانتظار قبل الهدم؟
بشكل عام، حين يُقال للإنسان إن بيته سيُهدم، سواء كان طفلًا أو بالغًا، فإن الأثر يتجاوز الخبر ذاته. الطفل يلتقط ما في عيون الكبار من قلق وخوف وارتباك، ومع توتر الوالدين ينتقل إليه هذا الشعور مباشرة، ليعيشه قبل وقوع الهدم بوقت طويل.
ينعكس هذا القلق على تفاصيل حياته اليومية، فتتراجع قدرته على التركيز والتحصيل الدراسي، ويظهر في سلوكه على شكل توتر وعصبية وخوف مستمر. كما يصبح شديد التعلّق بالمكان. هذه زاويتي، هنا أنام، وإلى أين سأذهب الآن؟ فيدخل في مواجهة مبكرة مع شعور مجهول ومفتوح.
هدم البيت لا يعني فقدان مأوى فقط، بل يترك أثرًا نفسيًا عميقًا. تُمحى تفاصيل الحياة دفعة واحدة، الألعاب، مقتنيات الطفولة، والذكريات الصغيرة التي منحت المكان معناه وهويته.
منذ لحظة الإخطار تبدأ المأساة، ومع التنفيذ تتحول إلى واقع مستمر من القلق والتوتر والصراع الداخلي بين ما كان قائمًا وما فُقد فجأة.
وفي المحصلة، لا يُهدم بيت فقط، بل تُمسّ حياة كاملة، وتتشكل لدى الإنسان مشاعر خوف واضطراب عميقة، قد تتطور إلى غضب تجاه من تسبب في هذا الفقد، لأنه لم يدمّر مكاناً فحسب، بل اقتلع ذاكرةً وحلمًا من جذورهما.
ماذا يخسر الإنسان حين يُهدم بيته؟
بشكل واضح، المسألة لا تتعلق بهدم جدران، بل بضرب أساس الحياة. الإنسان يحتاج إلى مأوى ليشعر بالأمان والاستقرار، وعندما يُنتزع هذا المأوى، يُنتزع معه هذا الإحساس بالكامل. هذا المكان ليس مجرد سكن، بل هو حياة عاشها الإنسان منذ طفولته حتى كبره، بكل ما فيها من تفاصيل وذكريات وعلاقات.
ما يحدث هو محو لهذا التاريخ في لحظة واحدة. في هذا المكان نشأ، تعلّم، وبنى علاقاته مع عائلته وأصدقائه، وارتبط بكل زاوية فيه. وعندما يُزال، يجد نفسه فجأة أمام واقع غير واضح، خاصة الطفل الذي لا يفهم لماذا تغيّر كل شيء من حوله.
ولا يتوقف الأثر عند الواقع، بل يمتد إلى الذاكرة. تبقى الأصوات التي اعتاد سماعها، نداء الأم، حضور الأب، تفاصيل الأيام، وحتى رائحة المكان التي كانت تمنحه شعورًا بالألفة. كل زاوية كانت تحمل معنى، وفقدانها يترك أثرًا عميقًا في النفس.
في المحصلة، ما يحدث ليس فقدان مكان فقط، بل اقتلاع لحياة كاملة بكل ما فيها من أمان وذكريات واستقرار.
ما أبرز المشاعر أو التغيرات النفسية التي تظهر على العائلات بعد هدم المنزل؟
أول ما يحدث هو انتقال قسري من مكان إلى آخر، وهذا بحد ذاته يخلق حالة من التفكك وعدم الاستقرار. تبدأ معه أعباء اقتصادية جديدة تشمل البحث عن مأوى، ودفع إيجارات وتكاليف إضافية، في ظل ظروف أصعب من السابق. هذا الواقع ينعكس مباشرة على الحياة اليومية من توتر، حدّة، واضطرابات في النوم والأكل، وضغط مستمر على الأسرة.
الأطفال هم الأكثر تأثرًا. تظهر لديهم مشكلات في التحصيل الدراسي، وصعوبات داخل المدرسة، وميول إلى الانطواء والابتعاد عن الآخرين، مع تراجع في اللعب والتفاعل. يشعر الطفل أن العالم من حوله لم يعد آمنًا، خاصة حين يرى عائلته عاجزة عن حمايته أو الحفاظ على ما كان يملكه.
وليس الأمر مجرد فقدان مكان، بل فقدان لمسار حياة كامل بُني عبر سنوات. في القدس، وتحديداً في سلوان، شهدنا عائلات أُجبرت على هدم منازلها بنفسها. هذا المشهد يختصر حجم القهر، أن يُدفع الإنسان لهدم ما بناه بيده، وأن يتحمل كلفة ذلك، وكأنه يُجبر على محو جزء من حياته بنفسه.
ومع تدهور الظروف، تصبح حتى أبسط التفاصيل اليومية تحديًا، وهذا كله ينعكس مباشرة على سلوك الأطفال وعلاقاتهم، وقد يولّد أنماطًا من التوتر والعنف.
هذه التجربة تمثل قمة الضغط الإنساني، إذ يُطلب من إنسان أن يهدم ما بناه بجهده وتعبه، أو أن يتحمل تبعات قاسية لذلك. وهذا يولّد شعورًا عميقاً بالقهر، قد يتحول إلى اضطرابات نفسية وأثر صحي طويل الأمد. فالبيت لم يُبنَ بسهولة، بل عبر سنوات من العمل والجهد، وكل تفصيلة فيه تحمل قيمة ومعنى.
كيف يمكن دعم العائلات نفسيًا لتجاوز هذه التجربة والاستمرار في حياتهم؟
لدعم الأطفال نفسيًا بشكل إيجابي، يجب أولاً توفير رعاية نفسية واجتماعية متخصصة لهم من خلال أخصائيين يرافقونهم بشكل مباشر. كما يجب أيضًا أن يخضع الأهالي، من آباء وأمهات، لجلسات دعم نفسي تساعدهم على تخفيف الضغوط وتعزيز قدرتهم على التكيّف والصمود النفسي.
ومن المهم جدًا أن يحتضن الأهل أطفالهم بشكل أكبر، وأن يفتحوا معهم تواصلاً صريحًا وهادئًا يشرح ما يحدث بلغة بسيطة ومفهومة، مع احترام مشاعرهم والإصغاء لهم دون تقليل أو إنكار لما يشعرون به. فعندما يسأل الطفل: لماذا حدث ذلك؟ يجب أن تكون الإجابة صادقة وواضحة، دون إخفاء أو تجاهل، وبأسلوب يراعي عمره وإحساسه.
كما يُنصح بتشجيع الأطفال على التعبير عن أنفسهم من خلال اللعب والحركة والنشاط، لأن هذه الوسائل تساعدهم على تفريغ التوتر بشكل طبيعي. ومن الضروري أيضًا الحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان، مثل أوقات النوم والدراسة والراحة، لأن استعادة هذا النظام يمنح الطفل شعوراً بالأمان والاستقرار بعد فقدانه.
إلى جانب ذلك، يجب منح الأطفال مساحة للراحة والحزن، وتقبّل مشاعرهم دون رفض أو ضغط، حتى لو ظهرت على شكل سلوكيات غير معتادة أو لعب قاسٍ أحيانًا، فهي انعكاس طبيعي للضغط الذي يعيشونه.
كما يجب تعزيز مفاهيم الحماية والرعاية الذاتية لديهم، وتعليمهم كيف يحافظون على سلامتهم ويتعاملون مع مشاعرهم، مع توفير بيئة آمنة قدر الإمكان، لأن الإحساس بالأمان هو الأساس في استقرار الطفل النفسي.
وفي المحصلة، أهم ما يحتاجه الطفل في هذه المرحلة هو الاحتواء، والهدوء، وعدم الضغط عليه، وترك مساحة له ليعبّر عن مشاعره ويتعافى تدريجيًا ضمن بيئة داعمة ومستقرة.