رغم الحملات الواسعة التي نفذتها الحكومة السورية والجهود المكثفة التي استهدفت شبكات الكبتاغون عقب سقوط نظام الأسد، إلا أن هذه التجارة لم تختفِ، وأظهرت قدرة لافتة على التكيف مع الواقع الجديد، وفي حين انخفضت إلى حدها الأدنى في أغلب المحافظات السورية، فإنها وجدت بقعة جديدة “آمنة” للتصنيع والتهريب.
إذ تشير تقارير دولية إلى استمرار نشاط شبكات التهريب في الجنوب السوري، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في محاولات التصدير باتجاه الأردن تجاوز 325%، ما أعاد تسليط الضوء على السويداء بوصفها إحدى أبرز العقد النشطة في هذا الملف.
وفي ظل مشهد أمني معقد داخل المحافظة، تتداخل فيه مصالح الفاعلين المحليين مع حسابات دولة الاحتلال الإسرائيلي، تحولت السويداء إلى مساحة أعادت فيها شبكات نظام الأسد إنتاج نفوذها تحت مظلات جديدة، وتمكنت شبكات التهريب من إعادة تنظيم نفسها داخل المحافظة، فكيف حدث ذلك؟
إعادة تشكّل النفوذ الأمني في السويداء
لم تختفِ الشبكات الأمنية والعسكرية التابعة لنظام الأسد في السويداء عقب سقوطه، على العكس من ذلك، فقد أدى الوضع الأمني غير المستقر في المحافظة إلى إعادة تموضعها داخل البنى المحلية والعسكرية التي تشكّلت فيها، مستغلة الفراغ الأمني الذي أعقب انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد نفوذ المرجعيات المحلية داخل السويداء، تلك المحافظة التي تحولت إلى مأوى للفلول والضباط الفارين من العدالة.
فمع انهيار مركزية القرار الأمني عقب أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، استغلت شخصيات وعناصر مرتبطة سابقًا بالفرقة الرابعة والأمن العسكري الفرصة للعودة إلى المشهد من بوابة التشكيلات المحلية الناشئة بزعامة شيخ العقل حكمت الهجري. ساعدها في ذلك شبكة العلاقات العائلية والاجتماعية المتجذرة في المحافظة، إلى جانب قوة الروابط المحلية التي سهلت إعادة دمجها. كما برزت شخصيات ومجموعات كانت جزءًا من منظومة النظام السابق داخل تشكيلات “الحرس الوطني” التي أُعلن عن تأسيسها، في حين جرى استيعاب ضباط النظام الفارين ضمن الهياكل الجديدة.
وقد أسهم انتشار السلاح الذي بقي خارج السيطرة بعد سقوط النظام في تعزيز نفوذ هذه الفصائل، ما أتاح إعادة إنتاج شبكات القوة القديمة ضمن إطار محلي جديد وبمسميات مختلفة.
خلافات تضرب ميليشيا الهجري في السويداء بعد اعتقال جهاد الغوطاني و4 آخرين بتهمة تهريب محتجزين، وذلك عقب ساعات من إعلان الأمن الداخلي التابع للحكومة السورية تحرير ثلاثة أشخاص كانوا محتجزين لدى الميليشيا. pic.twitter.com/hei1OiIu5s
— نون سوريا (@NoonPostSY) June 5, 2026
هذا التحول لم يقتصر على انتقال هذه العناصر إلى مواقع جديدة داخل البنى المحلية، إذ سرعان ما انعكس أيضًا على طبيعة أنشطتها، فمع ما راكمته من خبرة وعلاقات خلال سنوات الحرب، خاصة في مجال تجارة المخدرات، تمكنت من إعادة توظيف هذه الخبرات بما يتلاءم مع الواقع الجديد ويحافظ على مصادر نفوذها.
وبحسب دراسة لمركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت (CTC)، فإن الشبكات التي كانت تدور في فلك الأجهزة الأمنية والجيش، ولا سيما الفرقة الرابعة، لم تفقد قدرتها على العمل مع تغير الظروف. فإلى جانب ما امتلكته من نفوذ وسلاح، احتفظت بخبرة واسعة في إدارة عمليات التهريب والتحكم بالمعابر غير الرسمية، إضافة إلى شبكة علاقات مع فاعلين محليين ومجموعات مسلحة، ما أسهم في استمرار نشاط تجارة المخدرات وإعادة تشكيله ضمن الواقع الجديد.
التدخل الإسرائيلي كبيئة حاضنة للمخدرات
في تقرير حديث بعنوان “إسرائيل تحمي المعقل الأخير لمهربي المخدرات في سوريا”، يربط المؤرخ والخبير الفرنسي في شؤون الشرق الأوسط جان بيير فيليو بين تصاعد نشاط شبكات التهريب في السويداء وبين التحولات الأمنية التي تلت سقوط نظام الأسد. ووفقًا لتحليله، يرى فيليو أن التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري، والذي جاء تحت ذرائع أمنية مختلفة من بينها حماية الدروز ومنع تمركز قوى معادية “جهادية” قرب الحدود، أسهم بشكل عملي في إضعاف قدرة السلطة السورية الجديدة على بسط نفوذها الكامل على المنطقة.
ويخلص فيليو إلى أن هذه المعادلة خلقت فراغًا أمنيًا استغلته شبكات التهريب والعناصر المرتبطة ببنية النظام السابق لإعادة تنظيم نشاطها. فبينما كانت دمشق تحاول تفكيك شبكات الكبتاغون وملاحقة القائمين عليها، وجدت بعض هذه الشبكات في السويداء الفرصة السانحة لإعادة التموضع، مستفيدة من هشاشة الوضع الأمني وتعقيد التوازنات المحلية والإقليمية.
بعد أشهر من التصعيد والخطابات السياسية، تتحدث مصادر محلية في السويداء عن حالة “تذمر وتململ” داخل الأوساط المؤيدة لحكمت الهجري، وسط تدهور اقتصادي وخدمي وأمني، وتعثر واضح في المشروع الذي يطرحه داخل المحافظة.إليكم التفاصيل👇 pic.twitter.com/RoNOdPoN1C
— نون سوريا (@NoonPostSY) May 24, 2026
وأشار فيليو إلى الارتفاع الحاد في نشاط شبكات التهريب، مستندًا إلى بيانات تعكس حجم التصعيد؛ إذ تمكنت السلطات الأردنية بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2025 من إحباط 21 عملية تهريب فقط، قبل أن يشهد هذا الرقم قفزة كبيرة خلال الأشهر التسعة اللاحقة مع ضبط 128 شحنة إضافية. كما أسفرت هذه العمليات عن مصادرة ما يقارب 50 مليون حبة من الكبتاغون، وهي تجارة تحقق عوائد ضخمة نظرًا لانخفاض تكلفة إنتاج الحبة الواحدة التي تتراوح بين بضعة سنتات ودولار، مقابل أسعار مرتفعة في أسواق الخليج.
وفي السياق نفسه، يتناول الباحث الأمريكي تشارلز ليستر في مقاله المعنون “كيف تحولت السويداء المدعومة من إسرائيل إلى عاصمة للمخدرات في سوريا؟”، التحولات التي شهدتها المحافظة عقب سقوط نظام الأسد. ويشير إلى أن “إسرائيل” قدمت دعمًا مباشرًا لبعض الفصائل المسلحة، شمل عمليات إنزال للأسلحة والذخائر، في وقت كانت فيه السويداء تشهد واقعًا أمنيًا استثنائيًا أبعدها عمليًا عن نفوذ الحكومة السورية الانتقالية وأجهزتها الأمنية، بما في ذلك المؤسسات المعنية بمكافحة المخدرات. ويرى ليستر أن هذا الفراغ أسهم في توفير بيئة مواتية لتمدد أنشطة التهريب وتجارة المخدرات داخل المحافظة.
واعتبر الباحث الأمريكي المتخصص بالشأن السوري أن هذه السياسة جاءت بنتائج معاكسة للأهداف المعلنة؛ فبدلًا من المساهمة في بناء مؤسسات محلية مستقرة، نتج عنها نشوء بيئة أمنية هشة أتاحت لشبكات التهريب والجريمة المنظمة إعادة تنظيم نفسها وتوسيع نطاق نشاطها.
الرئيس أحمد الشرع:
📌 رؤيتنا لسوريا الجديدة تقوم على مبدأ لا مساومة فيه، وهو وحدة التراب السوري وسيادة الدولة على كامل أراضيها.
📌 لن نقبل بدويلات داخل الدولة، ولن نسمح بوجود أي سلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنية.
📌 بناء سوريا قوية مستقرة يتطلب حصر القوة والقرار… pic.twitter.com/XTbY82OGc8
— نون سوريا (@NoonPostSY) March 30, 2026
ويشير الباحث إلى أن عددًا من الشخصيات التي برزت داخل التشكيلات المحلية الجديدة سبق أن عملت في أجهزة النظام السابق أو ارتبطت بشبكات تهريب ومجموعات مسلحة نشطت خلال سنوات الحرب. ووفقًا له، استفادت هذه الشخصيات من الفراغ الأمني ومن الحماية التي تمتعت بها المحافظة لإعادة بناء نفوذها وتطوير أنشطة مرتبطة بتجارة المخدرات والتهريب.
ويشير ليستر إلى أن شبكات التهريب أظهرت قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات الأمنية، إذ انتقلت من الاعتماد على الأساليب التقليدية إلى استخدام وسائل أكثر تطورًا في نقل المخدرات والأسلحة عبر الحدود. ويرى أن هذا التطور جاء في ظل واقع اتسم بضعف سلطة الدولة واستمرار الانقسامات المحلية، ما أتاح نشوء اقتصاد غير رسمي تغذيه عمليات التهريب وشبكات الجريمة المنظمة. ونتيجة لذلك، باتت السويداء تمثل تحديًا أمنيًا متناميًا لا يقتصر تأثيره على الداخل السوري، بل يمتد إلى محيطه الإقليمي أيضًا.
العلاقة بين التدخل الإسرائيلي وشبكات تهريب المخدرات
في إطار الجدل المثار حول الفرضيات التي طرحها كل من تشارلز ليستر وجان بيير فيليو، تحدثت “نون بوست” إلى الباحث والخبير في الشأن السوري، الدكتور عبد الرحمن الحاج، الذي اعتبر بأن الربط بين تنامي أنشطة إنتاج وتهريب المخدرات في السويداء والجنوب السوري عمومًا وبين الدور الإسرائيلي هو ربط غير مباشر. موضحًا أن التدخل الإسرائيلي المستمر أسهم في خلق حالة من الهشاشة الأمنية سمحت لشبكات إنتاج وتهريب المخدرات، التي توسعت خلال عهد نظام الأسد، بمواصلة نشاطها واستغلال الظروف القائمة.
وأضاف أن حاجة الميليشيات إلى الموارد المالية، إلى جانب انتشار الفوضى الأمنية، ساهمت كذلك في ازدهار هذه الأنشطة، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من النشاط المرتبط بالمخدرات بات يتركز اليوم في السويداء.
واعتبر الحاج أن هذا التقييم يستند إلى مؤشرات ميدانية متعددة، من بينها عمليات ضبط شحنات المخدرات والكميات المصادرة، سواء عبر البيانات الرسمية السورية أو من خلال العمليات الأمنية التي تنفذها الأردن على جانبي الحدود، إضافة إلى ما ترصده الجهات البحثية والأمنية السورية من معطيات وتحليلات.
وفي إجابته عن التساؤل المتعلق بمدى تأثير الدعم الإسرائيلي لبعض الفصائل في إعاقة بسط نفوذ السلطات السورية الجديدة مقابل العوامل المحلية، أكد الحاج أن التدخل الإسرائيلي فرض وضعًا أمنيًا خاصًا في السويداء، لكنه لم ينجح في فرض واقع سياسي دائم.
ورجح أن يكون استمرار هذا الوضع محدودًا زمنيًا، مشيرًا إلى تراجع الدعم الإسرائيلي لبعض المجموعات المحلية وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل المحافظة، فضلًا عن وجود مفاوضات مرتبطة بترتيبات أمنية في الجنوب قد تفتح الطريق أمام معالجة ملف السويداء وإعادة دمجها ضمن سلطة الدولة.
شنت الطائرات الحربية الأردنية غارات على المدينة الرياضية شرقي بلدة الكفر بريف السويداء الجنوبي، والتي تستخدمها ميليشيات الهجري مستودعا لتخزين الأسلحة.
وأشار الإعلام السوري الرسمي إلى تنفيذ غارة قرب تل قليب في قرية الكفر الخاضعة لسيطرة الهجري في ريف السويداء الجنوبي.
وتأتي غارات… pic.twitter.com/lDf7R3w84u
— نون سوريا (@NoonPostSY) December 26, 2025
وعن العلاقة بين القوى المحلية الحالية وشبكات النظام السابق، يرى الحاج أن الروابط القائمة تتجاوز حدود التحالفات الظرفية، إذ تستند، بحسب تقديره، إلى اعتبارات طائفية من جهة، وإلى الحاجة إلى خبرات عسكرية وأمنية من جهة أخرى. واعتبر أن هذه العلاقة مرتبطة باستمرار حالة الهشاشة الأمنية الراهنة، مرجحًا تراجعها مع عودة مؤسسات الدولة وبسط نفوذها، ولا سيما أن عددًا من الشخصيات المرتبطة بهذه الشبكات مطلوب للمساءلة بسبب أدوارها خلال عهد الأسد.
وفي تقييمه لملف المخدرات في الجنوب السوري، اعتبر الحاج أن شبكات التهريب والإنتاج تعيش حاليًا مرحلة صراع من أجل البقاء، وتشهد تنافسًا وصراعات داخلية تشبه ما يحدث في شبكات الجريمة المنظمة حول العالم، بما في ذلك حوادث الاغتيال والعنف المتكررة. لكنه شدد على أن خطورة هذه الشبكات تكمن في إمكانية توظيفها من قبل أطراف خارجية تسعى إلى تقويض الاستقرار الأمني في الجنوب أو إيجاد موطئ قدم لقوى متطرفة أو جماعات مرتبطة بأجندات إقليمية مختلفة.
وختم الحاج بالتأكيد على أن أنشطة المخدرات في الجنوب لا تمثل حتى الآن تهديدًا سياسيًا مباشرًا، لكنها تشكل تحديًا أمنيًا متناميًا يرتبط، في نظره، باستمرار التدخل الإسرائيلي، معتبرًا أن أي تغيير في هذا الواقع الأمني سينعكس مباشرة على حجم ونشاط هذه الشبكات.