أثار تقرير نشره “نون بوست” بعنوان “قانون الجنسية السوري أمام البرلمان الجديد.. هل حان وقت التعديل؟” موجة واسعة من ردود الفعل، غلب عليها رفض تعديل القانون بما يسمح للأم السورية بمنح جنسيتها لأبنائها من زوج أجنبي.
وكشفت تعليقات الجمهور على منشورات الترويج للتقرير على منصات نون بوست الرقمية، عن تباين واضح في نظرة السوريين إلى القضية، ففي مقابل من اعتبروا الجنسية حقّاً لأبناء السورية أسوة بأبناء السوري، رأى آخرون أن زواج السورية من أجنبي لا ينبغي أن يمنح أبناءها حق الحصول على الجنسية، وربط بعضهم ذلك بمخاوف من “تغيير الأنساب” أو إحداث تغيير ديموغرافي في البلاد.
وطغت على التعليقات مخاوف مرتبطة بزواج بعض المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في الحرب من سوريات، سواء من قاتلوا في صفوف المعارضة أو في صفوف النظام البائد، إذ رأى كثير من المعلّقين أن منح الأم السورية حق نقل جنسيتها لأبنائها قد يفتح الباب أمام حصول أبناء هذه الزيجات على الجنسية السورية، وما قد يترتب على ذلك من آثار ديموغرافية، بحسب تعبيرهم.
كما عبّر آخرون عن رفضهم لأي تعديل قد يُفهم منه أنه يفتح الباب أمام تجنيس الفلسطينيين المقيمين في سوريا، رغم أن تعديل قانون الجنسية المتعلق بأبناء السوريات لا يعني بالضرورة تجنيس هذه الفئات.
وبينما دعا بعض المعلّقين إلى إخضاع منح الجنسية لشروط صارمة، اقترح آخرون منح أبناء السوريات إقامة دائمة تتيح لهم تسوية أوضاعهم القانونية وتسهيل شؤون حياتهم، من دون منحهم الجنسية الكاملة.
لكن إلى أي مدى تستند هذه المخاوف إلى أسس واقعية؟ وهل يمكن أن يؤدي منح الأم السورية جنسيتها لأبنائها إلى تغيير ديموغرافي كما يخشى بعض السوريين؟ وكيف ينظر الفقه الإسلامي إلى حق الأم في نقل جنسيتها لأبنائها، وإلى الزواج من الأجانب في هذا السياق؟
تُطرح هذه الأسئلة في وقت نصّ فيه الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس/آذار 2025 على مساواة المواطنين أمام القانون، ومنع التمييز بينهم على أساس الجنس، كما أكد في مادته الحادية والعشرين على ضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمرأة وحمايتها من جميع أشكال القهر والظلم والعنف.
View this post on Instagram
انطلاقًا من الجدل الذي أثاره التقرير السابق، يعود “نون بوست” إلى هذا الملف لتفكيك المخاوف التي طرحها المعلّقون، والتمييز بين منح الجنسية لأبناء الأم السورية وبين تجنيس الأزواج أو المقاتلين الأجانب، والبحث في الموقف الفقهي من منح الأم جنسيتها لأبنائها.
ورغم أن المطالبة بمنح الأم السورية حق نقل جنسيتها لأبنائها ليست جديدة، فإن الجدل حولها عاد إلى الواجهة مع المرحلة الانتقالية، فمنذ صدور قانون الجنسية الحالي عام 1969، بقي انتقال الجنسية محصورًا بالأب في معظم الحالات، بينما تكررت خلال العقود الماضية مطالبات من منظمات حقوقية ونسوية بإعادة النظر في هذه المادة، من دون أن تفضي إلى تعديل تشريعي.
هل يغير منح الجنسية النسب؟
ترى الباحثة في قضايا الفقه والأسرة، عابدة المؤيد العظم، في حديثها لـ”نون بوست”، أن الخلط بين مفهومي النسب والجنسية يقف وراء جانب من المخاوف المثارة حول تعديل قانون الجنسية، مؤكدة أن حصول الطفل على جنسية أمه لا يؤثر شرعًا في ثبوت نسبه إلى أبيه.
وتوضح العظم أن الفرق كبير بين النسب والجنسية من الناحية الشرعية، فالنسب هو صلة الدم والقرابة التي لا تنفصم، وهو أصول الإنسان وجذوره التي لا يمكن تغييرها أو الهروب منها، ولذلك يتبع الأولاد عائلاتهم ويُسجلون على أسماء آبائهم.
أما الجنسية فهي، كما تقول العظم، تنظيم اجتماعي طرأ على العالم حديثًا، يتمثل في وثيقة تثبت الانتماء القانوني والسياسي لدولة معينة، ويمكن تغييرها أو التخلي عنها أو حمل أكثر من جنسية، بخلاف النسب الذي يبقى ثابتًا.
الجدل الدائر حول تعديل قانون الجنسية لا يعود، في جوهره، إلى إشكال فقهي، وإنما إلى اعتبارات اجتماعية وثقافية تتذرع بالدين لتبرير المنع
وبناءً على ذلك، تؤكد الباحثة أنه لا يوجد رابط مؤثر بين النسب والجنسية، إذ إن حصول الطفل على جنسية أمه لا يمس نسبه إلى أبيه، لأن الجنسية لا تعدو كونها وثيقة قانونية تنقل البيانات الشخصية كما هي، من دون أن تغير صلة الدم أو الانتماء العائلي.
كما أن رابطة الدم والجينات الأصلية “هوية” لا يمكن تبديلها، في حين يمكن لأي إنسان، ولو نظريًا، حمل جنسية أي دولة في هذا العالم والتطبيع معها.
وتستشهد العظم بعدد من الأمثلة التاريخية لإثبات أن الانتساب إلى الأم لا يتعارض مع أحكام الشريعة، مشيرة إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية اشتهر بالانتساب إلى جدته، كما لُقب الصحابي عبد الله بن أم مكتوم باسم والدته، رغم ثبوت نسبه إلى أبيه، معتبرة أن ذلك يدل على أن الانتساب إلى المرأة جائز شرعًا، ولا يحمل أي مساس بثبوت النسب.

وترى أن منح الأم جنسيتها لابنها لا يعني سوى نقل انتمائه القانوني من دولة إلى أخرى، وليس نقله من أب إلى آخر، مشيرة إلى أن ذلك يسهل على الأبناء الدراسة والعمل والزواج والتنقل، كما يساهم في الحفاظ على تماسك الأسرة عبر تمكين الأبناء من البقاء إلى جانب والدتهم.
وتضيف أن الفقه الإسلامي القديم لم يتناول مفهوم الجنسية أو تعدد الانتماءات القانونية، باعتبارهما من المفاهيم الحديثة المرتبطة بقيام الدولة الوطنية، إلا أن عددًا من الفقهاء المعاصرين بحثوا هذه المسألة وأجازوا حمل أكثر من جنسية أو التجنس عند الحاجة، مثل طلب الرزق أو الإقامة أو الاستقرار، متسائلة: إذا كانت هذه الضرورات تبرر اكتساب الجنسية في حالات أخرى، فلماذا لا تنطبق على أبناء السوريات؟ وتستند في ذلك إلى القاعدة الفقهية التي تقول: “الأصل في الأمور الإباحة”، معتبرة أن من يمنع ذلك مطالب بإقامة الدليل.
وتعتبر العظم أن الجدل الدائر حول تعديل قانون الجنسية لا يعود، في جوهره، إلى إشكال فقهي، وإنما إلى اعتبارات اجتماعية وثقافية تتذرع بالدين لتبرير المنع، وترى أن الخوف من التغيير، ولا سيما عندما يتعلق بحقوق المرأة، يساهم في تضخيم المخاوف ونشر تصورات لا تستند، من وجهة نظرها، إلى أساس شرعي.
وتلفت إلى ما تراه مفارقة في تقبل حصول بعض الرجال على جنسيات أجنبية عبر الزواج، في مقابل الاعتراض على منح الأم السورية جنسيتها لأبنائها، رغم أن الهدف، بحسب رأيها، هو حماية الأسرة وتسهيل حياة الأبناء.
إرث الحرب يطغى على النقاش
من جانبه، يرى الباحث في علم الاجتماع والآثار الاجتماعية للصراعات طلال مصطفى، أن الجدل الذي أثاره مقترح تعديل قانون الجنسية لم يتركز على مضمون التعديل نفسه، وإنما انصرف إلى مخاوف أوسع تتعلق بالتغيير الديموغرافي والهوية الوطنية، وهي مخاوف يعتبر أنها تشكلت خلال سنوات الحرب أكثر مما ترتبط بالنص القانوني المقترح.
ويقول الباحث، في حديثه لـ”نون بوست”، إن غالبية التعليقات التي رافقت النقاش لم تتناول التعديل من زاوية حقوق أبناء الأم السورية أو معالجة الثغرة القانونية التي تحرمهم من الجنسية، بل ركزت على احتمال حصول أبناء زيجات سوريات من مقاتلين أجانب أو من جنسيات معينة، مثل الشيشانيين أو الأفغان أو العراقيين، على الجنسية السورية، مشيرًا إلى أن هذا التحول في النقاش يعكس انتقاله من إطار قانوني إلى هواجس تتعلق بالتوازنات السكانية ومستقبل الهوية السورية.
ويفسر الباحث هذا التخوف بكونه امتدادًا لتجربة السوريين خلال أكثر من عقد من الحرب، وما رافقها من نزوح وتهجير، ووجود مقاتلين أجانب، وتحولات ديموغرافية شهدتها مناطق مختلفة من البلاد، فضلًا عن حالة الاستقطاب السياسي التي طبعت سنوات الصراع.
ويضيف أن هذه التجربة تركت أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي، بحيث أصبح أي نقاش يتعلق بالجنسية أو الهوية يُقرأ من خلال إرث الحرب، لا من خلال مضمونه القانوني.
ويلفت إلى أن توقيت طرح تعديل القانون خلال المرحلة الانتقالية ساهم أيضًا في تضخيم هذه المخاوف، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، وانخفاض مستوى الثقة بالمؤسسات، مشيرًا إلى أنه لو طُرح التعديل في ظروف أكثر استقرارًا، لربما اتجه النقاش نحو الجوانب القانونية والحقوقية للقانون بدل انشغاله بالهواجس المرتبطة بالمقاتلين الأجانب أو التغيير الديموغرافي.
ويوضح الباحث أن التعليقات كشفت كذلك عن مخاوف اقتصادية، إذ ربط بعض المعلقين بين توسيع دائرة الحاصلين على الجنسية وبين احتمال زيادة الأعباء المعيشية، معتبرًا أن هذا النوع من الخطاب يتكرر في مجتمعات عديدة تمر بأزمات اقتصادية أو سياسية، حيث تُحمَّل فئات معينة مسؤولية الأزمات القائمة، كما حدث في دول استقبلت أعدادًا كبيرة من اللاجئين.
ورغم تفهمه للخلفيات التي أنتجت هذه المخاوف، يؤكد الباحث أنها، من وجهة نظره، لا تستند إلى مضمون تعديل قانون الجنسية بقدر ما تعكس آثار الحرب والانقسام السياسي والمرحلة الانتقالية، معتبرًا أن جوهر النقاش ينبغي أن ينصب على معالجة التمييز القائم بين أبناء الأم السورية وأبناء الأب السوري في حق الحصول على الجنسية، بدل الخلط بين هذا الحق وبين ملفات أخرى، مثل تجنيس المقاتلين الأجانب أو التغيير الديموغرافي.
وبين الفقه الذي لا يرى مانعًا شرعيًا، والقراءة الاجتماعية التي تعزو المخاوف إلى سنوات الحرب، يبقى تعديل قانون الجنسية أحد الملفات المفتوحة في سوريا، وسط استمرار الجدل حول حق الأم السورية في نقل جنسيتها إلى أبنائها.