وقف أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر/أيلول، قبيل الذكرى التاسعة لإطلاق مشروع “صفر نفايات”، ليتحدث عن المشروع الذي تبنته وأطلقته زوجته أمينة في خطابه عن المناخ. وقال إن الحركة التي بدأتها أمينة أردوغان عام 2017 بشعار “العالم بيتنا المشترك” تحولت إلى حملة عالمية، ووصفها بأنها “أقوى جسر” تلتقي عنده طرق مواجهة أزمة المناخ.
وكانت أمينة أردوغان قد شاركت في افتتاح أسبوع المناخ في نيويورك بخطاب أخرج مشروعها “صفر نفايات” من صور حاويات الفرز وإعادة التدوير ووضعته في إطاره البيئي الأعم والأشمل. إذ تحدثت عن الاستهلاك المفرط والمنتجات قصيرة العمر، ومسؤولية الحكومات والشركات عن توفير بدائل قابلة للإصلاح وإعادة الاستخدام. وبعد يومين خاطبت حوار وكالة الطاقة الدولية حول تحول الطاقة، وربطت الطلب المتزايد عليها بثقافة الاستهلاك والرمي، وسألت: لماذا نحتاج إلى إنتاج المزيد من الطاقة أصلاً؟
حضور أمينة في نيويورك الأسبوع الماضي ومشاركاتها الفعالة حول المناخ والطاقة وأيضاً حماية الأطفال من شركات التكنولوجيا يعيداننا إلى قراءة سيرة امرأة خرجت من رحم مجتمع المحافظين وكان لها أثر في حياة زوجها السياسية والحياة العامة في تركيا، في بيئة بالغة التعقيد تعرضت فيها المرأة المحجبة للتضييق والإقصاء من الحياة العامة، قبل أن تصبح أحد الرموز المعبرة عن هوية الدولة التركية اليوم.
بين قمتين: من الهامش إلى تعريف صورة الدولة
تفصل اثنتان وعشرون سنة بين صورتين متعاكستين لأمينة أردوغان في قمتي الناتو. ففي إسطنبول عام 2004، استبعدها الرئيس أحمد نجدت سيزر من قائمة المدعوين إلى اجتماعات قادة الناتو ولقاءاتهم مع زوجاتهم بسبب حجابها، فيما شارك زوجها رجب طيب أردوغان في القمة رئيسًا لحكومة الدولة المضيفة.
وفي قمة أنقرة عام 2026، ظهر حجاب السيدة أمينة أردوغان في صدارة المشهد، وقدّمت الرئاسة التركية نفسها من خلاله إلى ضيوف الناتو، واختصرت الصورتان تحولًا عميقًا في طريقة رسم صورة الدولة وتحديد ملامح ممثليها.

كان حزب العدالة والتنمية قد وصل إلى الحكم عام 2002، وأصبحت الحكومة بيده ويتمتع بأغلبية في البرلمان، لكن ذلك لم يلغِ نفوذ الرئاسة والجيش وأجزاء من القضاء والبيروقراطية، ولا القواعد التي أبقت الحجاب خارج مساحات واسعة من الدولة. لذلك كشف استبعادها عام 2004 من البروتوكولات الرسمية لقمة الناتو أن الفوز في الانتخابات لم يكن كافيًا لتغيير البروتوكول الرسمي والصورة التي تقدم بها مؤسسات الجمهورية نفسها.
وتكرر الأمر عام 2007، عندما أرادت أمينة أردوغان زيارة الفنان نجات أويغور في مركز إعادة التأهيل التابع للقوات المسلحة في أنقرة، حيث كان يتلقى العلاج بعد إصابته بالشلل. إذ لم تتمكن من إتمام الزيارة بسبب حجابها، وفق ما روته زوجة الفنان لاحقًا، فالتقت بها خارج المركز.
كانت الجامعات والوظائف العامة وعدد من مؤسسات الدولة تفرض آنذاك قيودًا واسعة على ارتداء الحجاب، واشتد تطبيقها بعد تدخل الجيش ضد حكومة نجم الدين أربكان عام 1997. عدّت قطاعات من النخبة الكمالية الحجاب علامة على تمدد الإسلام السياسي داخل مؤسسات الجمهورية، فيما رأته النساء المحافظات حقًا في التعليم والعمل والحضور العام من دون التخلي عن هويتهن الدينية. وانعكس هذا الخلاف مباشرة على حياة المحجبات، فمنعت كثيرات من الدراسة أو العمل، واضطرت بنات أردوغان إلى متابعة تعليمهن الجامعي خارج تركيا.
وبين قمتي 2004 و2026 تغيرت موازين القوى داخل الدولة، وتراجعت القيود التي أبقت المحجبات خارج جامعاتها ومؤسساتها. والحجاب الذي كان سببًا في غياب زوجة رئيس الحكومة عن دعوة رسمية، أصبح جزءًا طبيعيًا من صورة الرئاسة وبروتوكولها. لقد وصل التيار الاجتماعي والسياسي الذي تنتمي إليه أمينة أردوغان إلى مركز المؤسسات ونقل الحجاب إلى عنصر طبيعي في صورة الرئاسة، بدأت جذور هذا التحول في البيئة الدينية والاجتماعية التي صاغت وعي أمينة أردوغان منذ سنواتها الأولى في إسطنبول.
النشأة في أسكودار والطريق إلى العمل الأهلي
نشأت أمينة غولباران في أوسكودار، على الضفة الآسيوية من إسطنبول، داخل حي حملت ساحاته ومساجده وأوقافه ذاكرة عثمانية ظلت حاضرة في الحياة اليومية. أحاطت بالمرفأ مساجد مهرماه سلطان وشمسي باشا ويني والده، وانتشرت في المرتفعات الجوامع والزوايا والمقابر التاريخية، فحافظ المكان على طابعه الديني والاجتماعي وسط أسواق المدينة وحركة سكانها.
وكانت إسطنبول آنذاك تعيش توسعًا عمرانيًا وتحولًا سكانيًا سريعًا، مع شق الطرق واتساع الأحياء وتدفق الوافدين من الأناضول. وسط هذه التحولات، عاشت أمينة في أسرة محافظة حافظت على عاداتها ومرجعيتها الدينية.

ولدت أمينة عام 1955، خامسة أبناء جمال وخيرية غولباران وابنتهما الوحيدة بين أربعة إخوة ذكور. تعود أصول الأسرة إلى سيرت، غير أن جدها انتقل إلى إسطنبول مطلع القرن العشرين، واستقرت العائلة لاحقًا في حي حجي جعفر قرب قراجة أحمد.
وعرفت نساء الحي والدتها باسم “خيرية العربية”، في إشارة إلى الأصل العربي للعائلة. عاشت الأسرة في بيت خشبي ذي حديقة، وحافظت على علاقات مع الجيران من دون انخراط واسع في الحياة الاجتماعية، وفق شهادات أبناء الحي.
وفي ذلك البيت بدأت أيضًا علاقتها بالمطبخ، إذ تقول إنها كانت تراقب أمها وجدتها أثناء إعداد الطعام وتحاول التقاط أسرار الوصفات منهما. وما زالت تحتفظ بعادة منزلية لافتة، إذ تجمع ماء مطر نيسان وتستخدمه في إعداد اللبن، إيمانًا بأنه يحمل البركة والصحة ثم ترسل منه إلى أقاربها.
بدأت أمينة تعليمها في مدرسة زينب كامل الابتدائية، ثم التحقت بمدرسة مدحت باشا المسائية للفنون، غير أن المصادر المتاحة لا تحسم ما إذا كانت قد تخرجت منها. وجاءت خبرتها اللاحقة من مشاركتها في الجمعيات والندوات والعمل الخيري، حيث شاركت في تنظيم الأنشطة والزيارات، وتحركت بين البيوت والأحياء، ووسعت شبكة علاقاتها. كما ظهر اهتمامها بالخياطة وتصميم ملابسها، واستفادت من هذه المعرفة لاحقًا في اختيار ملابسها وطريقة ارتداء الحجاب.
كانت أمينة في الخامسة عشرة حين طلب منها شقيقها الأكبر حسين تغطية رأسها. وروت لاحقًا أنها قاومت طلبه بشدة، لأنها لم تكن ترى حولها نموذجًا لفتاة محجبة تستطيع أن تواصل دراستها وتعيش حياة نشطة وعصرية في إسطنبول. حتى التقت بالكاتبة والصحفية شعلة يوكسال شنلار، فرأت أمامها امرأة محجبة ومثقفة وأنيقة، تشارك في الحياة العامة وتدافع عن أفكارها. غيّر ذلك اللقاء نظرتها إلى الحجاب، فقررت ارتداءه والاستمرار في نشاطها الاجتماعي.

قدمت شنلار لجيل كامل من النساء المحافظات نموذجًا حضريًا جديدًا، إذ كتبت في الصحافة، وجابت المدن لإلقاء المحاضرات، وصممت غطاء رأس ومعطفًا طويلًا انتشرا باسم “شعلة باشي”. وأصبحت مثالًا على إمكانية الجمع بين الحجاب والتعليم والحضور في الحياة العامة. كما تعرضت بسبب كتاباتها ونشاطها للمحاكمة والسجن، ودخلت في مواجهات متكررة مع مؤسسات الجمهورية.
تجاوزت علاقة أمينة بها التأثر بمظهرها، فقد توطدت الصلة بينهما، وانخرطت أمينة في “جمعية السيدات المثاليات” التي أسستها شنلار حتى وصلت إلى منصب نائبة الرئيس. كما تابعت أنشطة الاتحاد الوطني للطلبة الأتراك وجمعية السيدات للعلم والثقافة.
أتاحت هذه الجمعيات للنساء المحافظات مساحة للعمل خارج البيت ضمن بيئة قريبة من قيمهن العائلية والدينية. واكتسبن خبرة في الخطابة والتنظيم وإدارة العلاقات في الاجتماعات والندوات والأنشطة الخيرية، وكانت تلك الدوائر بداية أمينة غولباران في العمل الاجتماعي، ومنها انتقلت لاحقًا إلى مساحات أوسع من النشاط العام.
السياسة التي بدأت من أبواب البيوت
مساء الرابع عشر من أغسطس/آب هذا العام، وصل رجب طيب أردوغان إلى احتفال حزب العدالة والتنمية بمناسبة مرور ربع قرن على تأسيسه ممسكاً بيد زوجته أمينة. صعدا معاً إلى المنصة وحيّيا الحشود، هنا كانت أمينة رفيقة الطريق الطويل من قبل أن يولد العدالة والتنمية ومن أيام حزب الرفاه، سيدة محافظة بجذور عربية بدأت الانخراط في الشأن العام قبل أن تتعرف على زوجها الذي سيصبح رئيساً، ولعبت دورها ببراعة مع صعود زوجها السياسي والتيار الذي يمثله.
استبقت أمينة أردوغان الذكرى الـ 25 للتأسيس بتغريدة وصفت فيها ربع القرن بأنه مسيرة نمت بثقة الشعب واكتسبت معناها بالأعمال والخدمات التي لامست حياة الناس، وتمنت أن يظل “نهج القضية والخدمة” الذي حمله الحزب حاضراً في قلوب الشعب لسنوات مقبلة.
دخلت أمينة غولباران العمل السياسي من الباب الاجتماعي، قبل أن تعرفها تركيا زوجة لرئيس بلدية أو رئيس حكومة. وعندما تولى رجب طيب أردوغان رئاسة فرع حزب الرفاه في إسطنبول، انضمت إلى مجلس الإدارة التأسيسي للفرع النسائي في الولاية، وشاركت في الحركة النسائية التي أسهمت لاحقًا في نجاح الحزب الانتخابي.
اعتمد حزب الرفاه على كوادره النسائية للوصول إلى البيوت والتحدث إلى نساء لم يكنّ يحضرن عادةً الاجتماعات والتجمعات السياسية. زارت الناشطات العائلات وتحدثن إلى ربات المنازل وسجلن مشكلات الأحياء وحاجات سكانها. وأقامت هذه الزيارات صلة يومية بين الحزب وسكان المناطق الشعبية، كما أتاحت لكوادره النسائية التعرف عن قرب إلى أوضاع العائلات ونقلها إلى مسؤولي الحزب.
ومع اتساع التنظيم، أصبحت زيارات من باب إلى باب جزءًا أساسيًا من عمل حزب الرفاه في إسطنبول. وتشير دراسة عن مشاركة النساء في أحزاب التيار المحافظ إلى أن نحو 18 ألف امرأة كنّ يعملن على حشد الأصوات للحزب في المدينة. وكان هذا التنظيم الميداني أحد عوامل صعود حزب الرفاه في المدن الكبرى، وظهر أثره بوضوح في انتخابات عام 1994، حين فاز رجب طيب أردوغان برئاسة بلدية إسطنبول.
الزواج والأسرة في سنوات الصعود
رأت أمينة غولباران رجب طيب أردوغان للمرة الأولى وهو يخطب في مؤتمر عام 1977. وكان حينها يرأس فرع الشباب لحزب السلامة الوطني في إسطنبول، ويُعرف بخطابته ومشاركته في اللقاءات الإسلامية وقراءته الشعر على المنابر. جلست أمينة في الصفوف الأولى بصفتها ناشطة في جمعية السيدات المثاليات، ولاحظ كل منهما الآخر ثم تولت شعلة يوكسال شنلار، التي كانت تعرف كليهما، الوساطة بينهما.
واجه الزواج اعتراضًا من والدة أردوغان، تنزيلة هانم، التي كانت تفضل لابنها زوجة من البحر الأسود ترتدي الشرشف. وتدخلت شنلار مرة أخرى، وخاطبت أردوغان بوصفه شابًا نشطًا ينتظره مستقبل سياسي، ورأت أن المرأة التي ستقف إلى جانبه يجب أن تكون قادرة على الحركة والظهور معه. اختار أردوغان النموذج الذي تمثله امرأة محجبة تنشط في الجمعيات على النموذج التقليدي بعد خلاف مع والدته، وتزوج أمينة في 4 يوليو/تموز 1978.
أنجب الزوجان أحمد براق ونجم الدين بلال وإسراء وسمية. وخلال سنوات نشأة الأبناء، اتسع نشاط أردوغان السياسي، ورافقته أمينة في مراحله المختلفة، من العمل الحزبي إلى رئاسة بلدية إسطنبول عام 1994، ثم رئاسة الحكومة، وصولًا إلى رئاسة الجمهورية عام 2014.
وفي حديث مطول عن طفولته وعائلته، يقول بلال أردوغان إن أبناء الأسرة كبروا في بيت استغرق العمل السياسي كثيرًا من وقت الأب والأم؛ فقد شاركت أمينة منذ الثمانينيات في الفروع النسائية لحزب الرفاه. وكان الأبناء يفهمون هذا الانشغال بوصفه عملًا من أجل حرية التدين والتعليم وخدمة البلد وبناء دولة أكثر قوة وثقة بهويتها. ويقول بلال إنهم تربوا على أن الالتزام الديني يرتبط بعمل يفيد الناس والمجتمع.
ويضيف أن والدته حرصت على أن يعتمد أبناؤها على أنفسهم، وأن يتحلوا بالجرأة والمبادرة ويتعرفوا إلى العالم خارج محيطهم. وهي التي شجعته في سن مبكرة على السفر خلال الصيف لتعلم اللغة، ثم دفعته إلى الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة، رغم أن الفكرة لم تكن مطروحة لديه آنذاك.
ويربط بلال هذه النزعة بجدته لأمه، التي كانت تعاتب أحفادها عندما يترددون أو يفتقدون الجرأة. ويقول إن والدته شجعت أبناءها على التعرف إلى العالم مع الحفاظ على هويتهم الدينية، وربطت النجاح الشخصي بخدمة الناس والبلد. كما يربط بين هذه التربية وبين اتجاه عدد من أبناء الأسرة لاحقًا إلى العمل في التعليم وخدمة الشباب والثقافة ومؤسسات المجتمع المدني.
سنوات البلدية واتساع المبادرات الاجتماعية
بعد فوز رجب طيب أردوغان برئاسة بلدية إسطنبول عام 1994، اتسع حضور أمينة أردوغان في الأنشطة الاجتماعية المرتبطة بالمدينة. كانت قد أمضت سنوات في العمل مع الفروع النسائية لحزب الرفاه وبين العائلات والأحياء، ثم أصبحت زوجة لرئيس بلدية أكبر مدن تركيا. وكان الحزب يخوض للمرة الأولى اختبار إدارة إسطنبول، معتمدًا على الصلات التي بنتها كوادره مع سكان الأحياء خلال سنوات العمل الميداني.
ومن المبادرات التي ارتبطت باسم أمينة في تلك المرحلة موائد الإفطار التي جمعت عائلات فقيرة وميسورة حول مائدة واحدة. كانت الفكرة تقوم على دعوة أسر من أوضاع اجتماعية مختلفة لتناول الإفطار معًا خلال شهر رمضان، واستمرت بلديات حزب العدالة والتنمية لاحقًا في إحياء هذا التقليد. وإلى جانب ما حملته هذه الموائد من معنى ديني واجتماعي، أبقت مسؤولي الحزب والبلدية على اتصال مباشر بالعائلات وسكان الأحياء.

انتهت رئاسة أردوغان لبلدية إسطنبول عام 1998. وبعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، واصلت أمينة نشاطها واتسع نطاق عملها من إسطنبول إلى حملات في مجالات التعليم والأسرة ومساعدة المحتاجين. واعتمدت في تنظيم هذه الأنشطة على خبرتها السابقة في العمل داخل الأحياء، وعلى علاقاتها الممتدة مع النساء اللواتي شاركن في الفروع الحزبية والعمل الاجتماعي.
حملات التعليم والأسرة
مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، انتقل نشاط أمينة أردوغان إلى حملات وطنية في تعليم الفتيات ومحو الأمية وحماية الأطفال ودعم الأسر محدودة الدخل، وصارت المبادرات الاجتماعية المساحة الأبرز في حضورها العام إلى جانب مرافقة زوجها في نشاطه السياسي.
كان “مركز التنمية المجتمعية” TOGEM من أوائل هذه المشروعات. تأسس في أوسكودار عام 2005 تحت رعايتها، وبدأ بتقديم المنح والملابس والأثاث إلى الأسر، ثم تحول عام 2012 إلى “جمعية التنمية المجتمعية للتعليم والتكافل الاجتماعي TOGEMDER”.
وتشغل أمينة منصب الرئيسة الفخرية للجمعية، التي وسعت نشاطها إلى التدريب المهني وإنشاء المدارس والمراكز التعليمية. وشغّل مشروع “لا مدرسة بلا صف تمهيدي” 12 روضة متنقلة، وأسهم في إنشاء 749 وحدة للتعليم قبل المدرسي. كما درّب مشروع “نحن المستقبل” عشرة آلاف شخص على حماية الأطفال من الاعتداء الجنسي، ووصل برنامج مدرسي آخر إلى 400 طفل وأسرهم.
ارتبط اسم أمينة على المستوى الوطني بحملة “هيا يا فتيات إلى المدرسة” التي أطلقتها وزارة التعليم بالتعاون مع اليونيسف عام 2003 للوصول إلى الفتيات المحرومات من التعليم بسبب الفقر والظروف العائلية والاجتماعية. تولت رعاية الحملة والترويج لها، وقال رجب طيب أردوغان لاحقًا إنها قادتها، فيما تنسب الأرقام الحكومية إلى الحملة إدخال 350 ألف فتاة إلى التعليم.
وفي عام 2008 انتقلت إلى محو أمية النساء عبر حملة “الأم والابنة في المدرسة”، التي اختارت أمينة اسمها وتولت رعايتها. وضمن الحملة فتحت وزارة التعليم حتى سبتمبر/أيلول 2012 ما مجموعه 174,472 دورة محو أمية، شارك فيها أكثر من مليونين ونصف المليون امرأة، وحصل نحو مليون ونصف المليون منهن على شهادة محو أمية. وأعطت هذه الأرقام الحملة مكانة خاصة بين مشروعاتها، لأنها وصلت إلى نساء تجاوزن سن التعليم النظامي ولم يحصلن سابقًا على فرصة دخول المدرسة.
وعادت أمينة إلى القضية عام 2018 مع “حملة محو الأمية” التي أعلنتها مع رجب طيب أردوغان، ثم تولت وزارة التعليم فتح الدورات في المدارس ومراكز التعليم الشعبي والقرى. وبحلول سبتمبر/أيلول 2020 وصلت الحملة إلى أكثر من مليون شخص، وتعلم أكثر من 800 ألف منهم القراءة والكتابة للمرة الأولى، وشكلت النساء 85 في المئة من المشاركين.
وفي عام 2021 رعت حملة “أين توقفنا؟” التي أطلقها الفرع النسائي لحزب العدالة والتنمية، ووجهت النساء المنقطعات عن الدراسة إلى المدارس المفتوحة ومراكز التعليم الشعبي للحصول على شهادة أو تعلم مهنة.

وفي 2012 أطلقت وزارة الأسرة، تحت رعاية أمينة، مشروع “سفراء القلوب” لتوسيع نظام الأسر الحاضنة، وجمعت أمينة زوجات الولاة من المحافظات الإحدى والثمانين للمساهمة في التعريف بالمشروع وتشجيع الأسر على المشاركة في احتضان الأطفال المحتاجين للرعاية، وفي 10 يونيو/حزيران 2026، أعلنت الوزارة وجود 9,277 أسرة حاضنة ترعى 11,022 طفلًا.
وساندت أمينة مشروعات تديرها جهات أخرى، منها حملة AÇEV “السابعة متأخرة جدًا” للتوعية بأهمية التعليم المبكر. كما حضرت تقديم مشروع بلدية غازي عنتاب “لا تجعلوهن عرائس، أرسلوهن إلى المدرسة”، الذي أعاد 41 فتاة إلى التعليم، ورعت مشروع “لا مدرسة بلا مكتبة”، الذي أنشأ 16,361 مكتبة خلال شهرين، وشاركت في إطلاق «حملة المرجان» لمواجهة العنف ضد النساء.
“صفر نفايات” من المجمع الرئاسي إلى الأمم المتحدة
أطلقت أمينة أردوغان مشروع “صفر نفايات” في 27 سبتمبر/أيلول 2017 بالتعاون مع وزارة البيئة والتحضر، وبدأ تطبيقه في المجمع الرئاسي ومبنى الوزارة. قام المشروع على تقليل النفايات قبل إنتاجها، وإعادة استخدام المواد وفرز ما تبقى منها في المصدر. تولت أمينة رعايته والتعريف به في المناسبات المحلية والدولية، بينما أدارت الوزارة الجانب الفني ووسعت نطاق التطبيق ليشمل المؤسسات والبلديات.
وفي يوليو/تموز 2019 أصدرت الوزارة “لائحة صفر نفايات” التي ألزمت المؤسسات العامة والجامعات والمدارس والمستشفيات والمنشآت التجارية والصناعية والمجمعات السكنية الكبيرة بإنشاء أنظمة للفرز والجمع وتسجيل كميات النفايات، واستحدثت شهادة تمنح للجهات المستوفية للشروط.
حملت أمينة المشروع إلى الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2022، ووقعت مع الأمين العام أنطونيو غوتيريش “إعلان النوايا الحسنة العالمي لصفر نفايات”. وقدمت تركيا لاحقًا مشروع قرار شاركت في رعايته 105 دول أخرى، واعتمدته الجمعية العامة في 14 ديسمبر/كانون الأول 2022 من دون تصويت، معلنة الثلاثين من مارس/آذار يومًا دوليًا لصفر نفايات.
وفي مارس/آذار 2023 تولت أمينة رئاسة المجلس الاستشاري للشخصيات البارزة المعني بصفر نفايات، وهو مجلس من 12 عضوًا أنشئ لولاية مدتها ثلاثة أعوام لنشر التجارب المحلية والوطنية الناجحة.

وبحسب بيانات وزارة البيئة المنشورة في مارس/آذار 2026، استردت تركيا 90 مليون طن من النفايات منذ انطلاق المشروع حتى نهاية 2025. وارتفعت نسبة الاسترداد من 13 في المئة عام 2017 إلى 37.53 في المئة عام 2025، ووصل النظام إلى 217 ألف مبنى ومجمع، فيما تلقى 28 مليون شخص تدريبات مرتبطة بالفرز وتقليل النفايات. وتقدر الوزارة القيمة الاقتصادية للمواد المستردة بنحو 365 مليار ليرة تركية.
وفي 10 يونيو/حزيران 2019 أطلقت أمينة حركة “صفر نفايات الأزرق” لمواجهة النفايات البحرية، ووضعت الوزارة خططًا للعمل في المحافظات الساحلية الثماني والعشرين. وخلال خطة العمل الخمسية الأولى جُمِع 245 ألف طن من المخلفات من الشواطئ وسطح البحر وقاعه، وبدأت خطة ثانية تغطي الفترة من 2025 إلى 2029.
وساندت في مايو/أيار 2020 حملة “احمِ غذاءك وتمسك بمائدتك” لمواجهة فقد الغذاء وهدره. ركزت الحملة على تنظيم التسوق وكميات الطهي وحفظ الطعام والاستفادة من البقايا، ووصلت إلى أكثر من 21 مليون شخص وجمعت 790 ألف تعهد فردي بعدم هدر الغذاء.
واتخذ اهتمام أمينة أردوغان بالمطبخ مسارًا ثقافيًا ودبلوماسيًا أيضًا، وتقول إن فكرة إعداد كتاب حديث عن المطبخ التركي بدأت عندما أرادت أن تقدمه هدية لزوجات القادة خلال زياراتها الخارجية، فاكتشفت غياب مرجع يعرّف بتنوع المائدة التركية. وكانت تستعد لهذه اللقاءات بقراءة ما يتعلق بمطابخ الدول التي تزورها، ثم تسأل مضيفاتها عن البذور وطرق الإنتاج والمكونات والعادات المرتبطة بتقديم الطعام.
وفي عام 2021 دفعت بإعداد كتاب “المطبخ التركي بوصفات عريقة”، الذي جمع 218 وصفة بمشاركة طهاة وباحثين في تاريخ الطعام، وأضافت إليه وصفتين تحمل كل منهما قصة من حياتها: حلوى دقيق الحمص المحمّص التي أعادتها من مذاق عرفته قرب أبواب المدارس في طفولتها، وشراب الزنجبيل الذي أخذت وصفته من السيدة الأولى في مالي بعد أن قُدّم لها خلال مأدبة رسمية.

وفي عام 2017 أطلقت مشروع “تراثنا من البذور المحلية” وشكلت وزارة الزراعة فرقًا لجمع البذور من القرى، وفحصها وتكثيرها وحفظها في بنك البذور التركي. وجمع المشروع 1,537 عينة بين عامي 2020 و2022. وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ارتفع عدد الأصناف المحلية المسجلة إلى 49 صنفًا، وأتيحت بذور 11 منها في متاجر الائتمان الزراعي.
وفي 31 يناير/كانون الثاني 2023 رعت أمينة أردوغان “الحملة الوطنية لكفاءة استخدام المياه” بتنسيق من وزارة الزراعة والغابات. شملت الحملة الاستخدام المنزلي والمدن والمصانع والقطاع الزراعي، وشجعت تحديث وسائل الري وتقليل الفاقد والاستفادة من مياه الأمطار. وأتبعتها الوزارة بوثيقة عمل استراتيجية.
الدبلوماسية الإنسانية ومشاريع الدعم خارج حدود البلاد
رافقت أمينة أردوغان زوجها في كثير من رحلاته الخارجية، وكان برنامجها يشمل دور الأيتام والمستشفيات ومراكز تدريب النساء ومشروعات الوكالة التركية للتعاون والتنسيق “تيكا”، إلى جانب لقاءات زوجات القادة وممثلات الجمعيات المحلية. وأصبحت هذه الزيارات الجزء الأبرز من حضورها خارج تركيا.
في 19 أغسطس/آب 2011 وصلت أمينة إلى مقديشو ضمن الوفد الحكومي الذي زار الصومال في ذروة المجاعة. وفي مخيم أقامه الهلال الأحمر التركي، تحدثت إلى النساء والأطفال وشاركت في توزيع طرود الغذاء. وكانت الرحلة من أوائل المرات التي ظهرت فيها داخل منطقة أزمة، بعيدًا عن قاعات الاستقبال والبرامج البروتوكولية المعتادة.
وبعد عام، توجهت مع وزير الخارجية أحمد داود أوغلو وابنتها سمية إلى إقليم أراكان في ميانمار. وفي 10 أغسطس/آب 2012 زارت مخيم باندوبا الذي كان يؤوي آلافًا من الروهينغا، واطلعت على أوضاعهم وشاركت في توزيع مساعدات الهلال الأحمر.
وعندما دفعت موجة العنف عام 2017 مئات الآلاف من الروهينغا إلى بنغلاديش، توجهت أمينة في سبتمبر/أيلول إلى مخيم كوتوبالونغ قرب كوكس بازار، برفقة وزيري الخارجية والأسرة ومسؤولي “تيكا” والهلال الأحمر و”آفاد”، والتقت اللاجئين ووزعت مساعدات ضمن شحنة غذائية تركية بلغت 55 طنًا في مرحلتها الأولى.
بمرور الوقت، أخذ حضور أمينة في أفريقيا مسارًا أكثر استدامة من زيارات الإغاثة العاجلة. فقد التقت خلال مرافقتها للرئيس في زياراته الإفريقية النساء العاملات في الحرف المحلية وزارت دور الأيتام والمراكز الصحية والتعليمية.
ومن إحدى هذه الزيارات خرج المشروع الأكثر تعبيرًا عن مبادرتها الشخصية في الخارج. ففي إثيوبيا عام 2015 علمت أن بعض الوسطاء يشترون أعمال النساء اليدوية بمبالغ متدنية ثم يبيعونها بأسعار مرتفعة في متاجر خارج القارة. وتروي في كتابها أنها ناقشت خلال رحلة العودة مع وزير الخارجية فكرة إنشاء سوق عادل يصل بين المنتجات الأفريقية والمشترين في تركيا.

وفي عام 2016 أسست أمينة “سوق الحرف اليدوية والبيت الثقافي الأفريقي” في حي حمام أونو التاريخي في أنقرة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والسفارات التركية في القارة، ويجلب البيت منتجات النساء من الدول الأفريقية ويبيعها من دون غاية ربحية، ثم يعيد العائد إلى صانعاتها.
ضم في بدايته منتجات من ثماني عشرة دولة، من بينها المنسوجات والسلال والحلي والمنحوتات والأدوات المنزلية. ثم وسع أنشطته إلى المعارض والندوات وورش الحرف والتعريف بالموسيقى والطعام والتقاليد الأفريقية، وأصبح ملتقى للسفراء والطلاب والوفود الأفريقية الزائرة لتركيا.
ووثقت أمينة جانبًا من هذه التجربة في كتاب “رحلاتي إلى أفريقيا” عام 2021، الذي جمع ملاحظاتها عن المجتمعات التي زارتها وصور النساء والأطفال ومشروعات التنمية التركية. وخصصت حقوق الكتاب المالية لدعم النساء والأطفال في مجالات التعليم والصحة والثقافة عبر البيت الأفريقي، كما رعت إصدار كتاب عن المطبخ الأفريقي وآخر عن الأمثال الأفريقية.
استخدمت أمينة علاقاتها مع زوجات القادة لحشد مواقف مشتركة حول القضايا التي تبنتها تركيا، وفي مقدمتها فلسطين. ظهر ذلك للمرة الأولى خلال الحرب الإسرائيلية على غزة 2009، حين دعت في يناير/كانون الثاني 2009 إلى اجتماع “نساء من أجل السلام في فلسطين” في إسطنبول تحت شعار “مدّي يدك يا إنسانية”.
وجمعت في الاجتماع زوجات قادة ومسؤولات من الأردن وقطر ولبنان وسوريا وباكستان وليبيا وأذربيجان، وأصدرن دعوة إلى وقف الهجمات الإسرائيلية وانسحاب القوات من غزة ورفع الحصار عنها.

وأيضًا بعد اندلاع الحرب على غزة عام 2023، استضافت في 15 نوفمبر/تشرين الثاني قمة “قلب واحد من أجل فلسطين” في مكتب الرئاسة بقصر دولمة بهتشة التي شاركت فيها زوجات قادة وممثلات عن خمس عشرة دولة حضوريًا.
وقرأت أمينة البيان المشترك الذي طالب بوقف فوري لإطلاق النار، وحماية المستشفيات والمدارس ومخيمات اللاجئين والمنشآت التابعة للأمم المتحدة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية. كما طالبت في كلمتها بمحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية، ثم ناقشت مع الشيخة موزا بنت ناصر في الدوحة خطوات متابعة المبادرة.
تبدو سيرة أمينة أردوغان جزءًا من التحول الذي شهدته حياة النساء المحافظات في تركيا خلال العقود الأخيرة، فقد أفسح لهن حزب الرفاه ثم حزب العدالة والتنمية مجالًا واسعًا داخل العمل الحزبي، وساعدت سياسات الحزب بعد وصوله إلى الحكم على إزالة قيود أبعدت المحجبات عن التعليم والعمل والسياسة.
شاركت النساء في صنع هذا التحول وقربن خطاب الأحزاب من فئات بقيت بعيدة عن السياسة. وكان اهتمامهن بالأسرة مدخلًا إلى قضايا التعليم والطفولة والفقر والتكافل، فخرجت خبرتهن من نطاق البيت إلى العمل العام.
وفي كلامها عن المرأة، تعترض أمينة على جعل الوظيفة واللقب المقياس الوحيد للنجاح، وعلى التعامل مع الأمومة والعمل المنزلي كأنهما أقل قيمة. كما ترفض استخدام الدين والعادات لإبعاد النساء عن الدراسة والعمل والسياسة.
وترى أن المرأة تستطيع أن تحضر في المجتمع وتحافظ في الوقت نفسه على أسرتها وهويتها. رافقتها هذه الأفكار منذ أيام الجمعيات النسائية وأبواب البيوت في إسطنبول وظلت حاضرة بعدما وصلت إلى موقعها الحالي في قلب الدولة.
