برزت تركيا خلال العقد الماضي كقوة صاعدة في سوق التسليح الآسيوي، حتى أصبحت وجهة تفضلها دول جنوب شرق آسيا والدول الإسلامية التي تمثل تسعًا من أصل أكبر عشر دول استيرادًا للسلاح التركي. ووسط هذا الزخم، تصدرت ماليزيا قائمة الشركاء الراغبين في اقتناء العتاد العسكري التركي، لا سيما في قطاعات المركبات المدرعة والمنظومات البحرية والطائرات المسيرة.
رغم البعد الجغرافي بين تركيا وماليزيا، فإن علاقاتهما تستند إلى إرث تاريخي يعود إلى القرن السادس عشر حين استنجد سلاطين الملايو بالعثمانيين لمواجهة الغزو البرتغالي، وخلال فترتي الاستعمار الهولندي والبريطاني، امتدت هذه الصلات لتشمل مراسلات سياسية وتطلعًا نحو إسطنبول كرمزًا للوحدة الإسلامية.
غير أن سقوط الدولة العثمانية أفضى إلى انقطاع تلك الروابط التاريخية، ثم شهد العصر الحديث انطلاقة جديدة للتقارب بين البلدين عقب استقلال ماليزيا عام 1957 وإقامة علاقاتها الدبلوماسية مع تركيا عام 1964، تلاها تبادل للزيارات الرسمية منذ عام 1977، وصولًا إلى الحراك الذي قاده رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد خلال زياراته المتكررة لتركيا في أعوام 1983 و1994 و1997.
بشكل عام، اتسمت العلاقات التركية الماليزية بالجمود حتى مطلع الألفية، قبل أن تدخل مرحلة تحول جذري طالت المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا عام 2002، وتكللت بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة عام 2014، وتخفيضات وإعفاءات جمركية، وإعفاء متبادل من تأشيرات الدخول، وأصبحت تركيا ثالث أكبر شريك تجاري لماليزيا في غرب آسيا، بينما باتت ماليزيا الشريك التجاري الأول لتركيا بين دول رابطة جنوب شرق آسيا.
إلى جانب البعد الاقتصادي، اتسع نطاق التنسيق الثنائي ليشمل المجالات التعليمية والسياحية والثقافية والبحثية، فضلًا عن تبني مواقف دبلوماسية موحدة في المحافل الدولية تجاه قضايا العالم الإسلامي، كالدفاع عن حقوق الروهينغا في ميانمار والأويغور في الصين، ودعم القضية الفلسطينية، وما يجري في غزة، والمطالبة بتقليل اعتماد العالم الإسلامي على القوى الكبرى.
وشهدت السنوات الأخيرة تحولًا استراتيجيًا في العلاقات الدفاعية بين البلدين، إذ أصبحت ماليزيا سابع أكبر شريك دفاعي لتركيا، وامتد هذا التعاون من التنسيق الأمني والاستخباراتي إلى توطين الصناعات الدفاعية الماليزية وتبادل الخبرات الدفاعية مع تركيا، مع تركيز ماليزيا على مشاريع التصنيع المشترك في مجالات المدرعات، والسفن الحربية، وأنظمة الحرب الإلكترونية.
من مدرعة “إيه في-8” عام 2011 إلى تأسيس “أسيلسان ماليزيا” 2017
بدأ التعاون الدفاعي بين تركيا وماليزيا عام 2000 عندما تولت شركة FNSS التركية توريد مركبات مدرعة إلى الجيش الماليزي عبر شركة DefTech الماليزية، وشملت الصفقة التي بلغت قيمتها 278 مليون دولار توريد مركبات قتالية مدرعة ومجنزرة وأخرى مزودة بقذائف هاون عيار 120 ملم من طراز “ACV-300”.
لكن عام 2011 مثل نقطة تحول استراتيجية في التعاون الدفاعي والصناعي بين تركيا وماليزيا، بالتزامن مع إعلان رفع مستوى العلاقات الثنائية خلال زيارة رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق إلى تركيا.
فقد أثمر هذا التقارب عن إطلاق تركيا وماليزيا مشروعًا مشتركًا لتطوير وإنتاج المدرعة القتالية “إيه في-8 جيمبيتا” ذات الدفع الثماني، وبلغت قيمة المشروع نحو 600 مليون دولار، وشمل إنتاج 12 طرازًا مختلفًا، تجمع بين تلبية احتياجات القوات البرية الماليزية وتطوير القدرات المحلية للصناعات الدفاعية، وقد بدأ تسليم هذه المدرعات عام 2014 وكانت محطة تأسيسية في مسار التعاون الصناعي الدفاعي بين البلدين.

وفي عام 2015، انتقل التعاون من تطوير المركبات المدرعة إلى تعزيز القدرات البحرية الماليزية، إذ سلمت شركة “أسيلسان” التركية ستة أنظمة أسلحة عيار 30 ملم لخفر السواحل في ماليزيا.
في العام التالي، أعلن وزير الدفاع الماليزي هشام الدين حسين عن توجه تركيا وماليزيا لجعل تعاونهما الدفاعي أكثر تنظيمًا، وهو العام نفسه الذي شهد إطلاق مشروع تعاون بين شركة “Strategic Ethics” الماليزية وشركة “BMC” التركية و“Rheinmetall” الألمانية لتصنيع مركبات مدرعة.
ثم بدأ التعاون بين البلدين ينتقل إلى بناء حضور تركي مؤسسي، فقد أنشأت شركة “أسيلسان” التركية فرعًا لها في كوالالمبور عام 2017 لمتابعة مشروعاتها وتوسيع أنشطتها.
كما وقعت “أسيلسان” في عام 2018 مذكرة تفاهم مع جامعة الدفاع الوطني الماليزية وشركة “DefTech” الماليزية لتطوير بعض المنظومات الدفاعية. وبحسب مصادر ماليزية، تزامن هذا الحراك التقني في عام 2018 مع ارتقاء ماليزيا بمستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي مع تركيا، ليشمل التعاون المشترك في مجال مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
مسيرات أنكا ومشروع الكورفيتات.. 2019-2024
شهد عام 2019 دفعة استراتيجية بارزة في مسار العلاقات الثنائية والتعاون الدفاعي بين تركيا وماليزيا انطلقت مع تنظيم النسخة الـ15 من معرض لنكاوي الدولي للملاحة والفضاء بجزيرة لنكاوي الماليزية في مارس/آذار من ذلك العام.
وشاركت كبرى شركات الصناعات الدفاعية التركية مثل “توساش”، “أسيلسان”، “روكيتسان” بمباحثات رفيعة المستوى ضمت رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية إسماعيل دمير وسفيرة تركيا لدى كوالالمبور مروة قاواقجي، وتكللت هذه المشاركة بتوقيع عشر اتفاقيات ومذكرات تفاهم ثنائية في مجالات الصناعات الجوية والدفاعية.
في السياق ذاته، توج هذا التقارب في يوليو/تموز 2019 بزيارة رسمية رأها مراقبون محطة رئيسية في إطار التعاون العسكري بين البلدين، إذ أجرى رئيس الوزراء الماليزي آنذاك مهاتير محمد، زيارة استغرقت أربعة أيام تلبية لدعوة الرئيس أردوغان، تلتها قمة جمعت الزعيمين في كوالالمبور أسفرت عن توقيع 14 مذكرة تفاهم بين شركات الدفاع والتكنولوجيا في البلدين.
وأكد وزير الدفاع الماليزي محمد سابو خلال تلك الفترة رغبة بلاده في تعزيز التعاون مع تركيا لتطوير الصناعات الدفاعية، لاسيما في قطاعات العربات العسكرية، والطائرات بدون طيار، والمعدات والتقنيات العسكرية المتقدمة.

امتدادًا لهذا الزخم، شهد عام 2021 تطورات نوعية تمثلت في زيارة وفد شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI) لماليزيا وتوقيع اتفاقية تعاون مع جامعة كوالالمبور وافتتاح مكتب للشركة بماليزيا في نهاية العام، بالتوازي مع ارتفاع قيمة صادرات الصناعات الدفاعية التركية إلى ماليزيا من نحو 1.945 مليون دولار في الربع الأول من عام 2021 إلى نحو 2.257 مليون دولار في الربع الأول من عام 2022.
كما اكتسب التعاون البحري بين تركيا وماليزيا أهمية استراتيجية متزايدة في ظل التوترات التي تواجهها ماليزيا في بحر الصين الجنوبي ومضايقات سفن خفر السواحل الصينية منذ عام 2020، وفي سياق سعي كوالالمبور لتعزيز قدراتها البحرية اتجهت إلى شركة الصناعات الدفاعية التركية “STM” لبناء ثلاث سفن حربية بقيمة تقارب 520 مليون دولار.
وفي يوليو/تموز 2022، اكتسب التعاون زخمًا إضافيًا على المستوى السياسي والصناعي، فقد زار رئيس الوزراء الماليزي إسماعيل صبري تركيا، وتفقد شركتي “MKE” و“TAI”، ووقع الجانبان سبع اتفاقيات للتعاون في مجالات الدفاع والصناعة والتكنولوجيا والصحة والإعلام.
مهدت الزيارة لتوسيع التعاون، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2022، فازت شركة “توساش” التركية بمناقصة رسمية لتزويد ماليزيا بطائرات مسيرة، كما قدمت ماليزيا طلبًا للحصول على 20 ناقلة جند مدرعة تركية. واستمر هذا الزخم في مايو/أيار 2023، خلال معرض “ليما” للصناعات البحرية والجوية، حيث وقعت شركات دفاع تركية اتفاقيات مع شركات ماليزية وجامعة الدفاع الوطني الماليزية.

تُرجم هذا الحراك إلى صفقة بارزة في مجال الطائرات المسيرة خلال معرض ليما 2023، ففي مايو/أيار 2023، وقعت ماليزيا عقد بقيمة 91.6 مليون دولار لشراء ثلاث طائرات مسيرة من طراز “أنكا”، وهي طائرات متخصصة بمهام الاستخبارات والمراقبة، وسُلمت الطائرة الأولى في يونيو/حزيران 2025 ونفذت تحليقها الأول بأجواء ماليزيا في أبريل/نيسان 2026.
ومع تقدم تنفيذ صفقة الطائرات المسيرة، اتسع التعاون في عام 2024 ليشمل تحديث القدرات البحرية الماليزية وتعزيز خدمات الصيانة والدعم الفني، ففي يونيو/حزيران 2024، أجرى وزير الدفاع الماليزي محمد خالد بن نور الدين زيارة إلى أنقرة التقى خلالها نظيره التركي يشار غولير، وشهدت الزيارة إتمام إجراءات التعاقد على شراء ثلاث سفن حربية للبحرية الماليزية من طراز كورفيت.

في السياق ذاته، وُقع البلدان اتفاقية فنية لتقديم الخدمات الفنية وصيانة طائرات الشحن العسكري المشتركة مثل “إيرباص إيه 400 إم”، و“إيرباص سي إن-235”، و“لوكهيد سي-130 هيركوليز”.
ولاحقًا في أغسطس/آب 2024، استقبل وزير الدفاع الماليزي نظيره التركي في كوالالمبور، واتفقا الجانبان على إبرام مذكرة تفاهم جديدة للتعاون العسكري، وتوسيع مجالات التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا.
التصنيع المشترك وإعلان مجلس التعاون الاستراتيجي: 2025-2026
شهد عام 2025 تطورات نوعية في مسار العلاقات الدفاعية بين تركيا وماليزيا، استهلت بزيارة رسمية أجراها الرئيس أردوغان إلى ماليزيا في فبراير/شباط 2025، وشهدت الإعلان عن تأسيس “مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى”، كما وقع البلدان 11 اتفاقية ومذكرات تفاهم في مجالات الطاقة والتجارة والصناعات الدفاعية وأنظمة الاتصالات والأبحاث العلمية والتكنولوجية.
وكشف وزيرُ الدفاع الماليزي محمد خالد نوردين في فبراير 2025 عن توقيع مذكرتي تفاهم للتعاون الصناعي بين تركيا وماليزيا، بجانب الاتفاق على إنشاء “لجنة مشتركة لمنتجات الدفاع”، ولجنة للتعاون بأنظمة الاتصالات الاستراتيجية. كما شملت الاتفاقيات الدفاعية توقيع مذكرة تفاهم لبناء سفينة متعددة المهام لصالح وكالة الإنفاذ البحري الماليزية (MMEA) بقيمة 68 مليون دولار لمراقبة بحر الصين الجنوبي ومكافحة التسلل والتهريب.
وفي مايو/أيار 2025، وعلى هامش معرض “ليما 2025” وسعت شركات الدفاع التركية شراكاتها مع الشركات الماليزية، حيث أبرمت شركة “إس تي إم” اتفاقيتي تعاون مع شركتين في ماليزيا بمجال الأنظمة البحرية العسكرية والطائرات المسيرة التكتيكية الصغيرة.
وتواصل زخم التعاون مع مطلع عام 2026، ففي يناير استضافت أنقرة اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين برئاسة أردوغان ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، وأجرى الطرفان محادثات تطرقت إلى الصناعات الدفاعية، تخللها توقيع تركيا وماليزيا عددًا من الاتفاقيات لتعزيز تعاونهما الاستراتيجي.
كما استلمت ماليزيا ثلاث طائرات “أنكا إس” في يناير/كانون الثاني 2026، ضمن مسار أوسع على مراحل قد يصل إلى تسع طائرات. وتمثل هذه الطائرات قفزة نوعية في قدرات ماليزيا في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.
وعلى هامش “معرض خدمات الدفاع في آسيا” بكوالالمبور في أبريل 2026، وقعت شركة “هافلسان” التركية اتفاقية مع شركة “ميموس” الماليزية لتطوير منظومة وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. بينما أبرمت شركة “أسيلسان” التركية ثلاث اتفاقيات مع شركات ماليزية محلية شملت مشاريع الدفاع الجوي والاتصالات عبر الأقمار الصناعية والمدرعات.
ولاحقًا في أغسطس 2026، تُوج هذا التعاون بتدشين شركة “إس تي إم” التركية للسفينة الثالثة من مشروع بناء ثلاث سفن للبحرية الملكية الماليزية، بالتوازي مع عقد اجتماع بين وزارتي دفاع البلدين في أنقرة ركز على أمور تتعلق بالسياسة والاستراتيجية الدفاعية وقضايا الأمن الجيوسياسي وتبادل وجهات النظر والمعلومات ومناقشة أدوات التعاون وبرامج التعاون الدفاعي في المستقبل.
الدوافع الاستراتيجية وراء اختيار ماليزيا لتركيا
تصنف الشراكة الدفاعية بين تركيا وماليزيا ضمن “الخيارات القوية” بحصولها على 81 نقطة من أصل 100 في مؤشر “EM-PFI”، ويرجع ذلك إلى ملاءمة الأسلحة التركية لاحتياجات الجيش الماليزي وظروفه الجغرافية والمناخية، إلى جانب سرعة التسليم والخدمات اللوجستية ونقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي وإمكانات التحديث مستقبلًا.
في الواقع، تستند جاذبية الصناعات الدفاعية التركية لماليزيا إلى تقديمها تقنيات عسكرية متطورة بأسعار تنافسية، مع استعداد الشركات التركية للتصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الإنتاج الدفاعي.
تكتسب هذه الشراكة أهمية بالغة في سياق سعي ماليزيا لتحديث قواتها البرية والجوية والبحرية، والحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي، وتجنب ارتهانها للتنافس المحتدم بين الولايات المتحدة والصين.
في هذا الصدد، تُجسد “الورقة البيضاء للدفاع” الصادرة عام 2020 منهجية كوالالمبور في إدارة أمنها القومي، إذ ترسم إطارًا استراتيجيًا للتعامل مع التحولات الإقليمية، وتشدد على تنويع شراكاتها الدفاعية وتجنب الاصطفاف في معسكر دولي بعينه. وتنبع هذه الرؤية من التعقيدات الجغرافية لماليزيا بوقوعها عند تقاطع ممرات بحرية حيوية للتجارة وأمن الطاقة العالمي كمضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي.
توج هذا التوجه بإطلاق الحكومة الماليزية “سياسة الصناعات الدفاعية الوطنية” التي تهدف لتقليص الاعتماد على الأطراف الخارجية في مجالي الأمن والدفاع، وبناء صناعة محلية أكثر استقلالية. وقد أعلن رئيس الوزراء أنور إبراهيم إطلاق تلك سياسة بحضور وزير الدفاع محمد خالد الذي أكد أن تعقد البيئة الأمنية الدولية وعدم اليقين يفرضان على ماليزيا تعزيز قدراتها الدفاعية وتطوير صناعة دفاعية محلية.
كما تزداد أهمية حماية ماليزيا لمصالحها البحرية، لا سيما في ظل احتمال اندلاع مواجهة حول مضيق تايوان وما قد تخلفه من تداعيات واسعة على المنطقة. وهنا تركيا كشريكًا دفاعيًا لماليزيا بفضل تطور صناعاتها العسكرية واستعدادها لتلبية جانب من الاحتياجات الدفاعية المحلية الماليزية، والأهم أن تركيا لا تفرض شروطًا تقييدية أو إملاءات سياسية كالعديد من الدول الغربية.
كما تستند جاذبية الصناعات الدفاعية التركية إلى تنوع منتجاتها، التي تشمل الدبابات والمركبات المدرعة والمدفعية والأنظمة الإلكترونية والسفن الحربية، إلى جانب الطائرات المسيرة، مثل بيرقدار وأكسونغور وقاآن.
أيضًا تتسم الصناعات الدفاعية التركية بكونها أرخص ثمنًا مقارنة بنظيراتها الغربية، مع توافقها في الوقت ذاته مع معايير حلف شمال الأطلسي. علاوة على ذلك، ورغم أن تركيا دولة علمانية رسميًا، فإن كونها دولة ذات أغلبية مسلمة يمثل عامل جذب لصناع القرار في ماليزيا.
وقد أشاد رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم في 8 يناير/كانون الثاني 2026 بتقدم تركيا في الصناعات الدفاعية، معتبرًا أن الجمع بين الخبرات التركية في الدفاع والتصنيع، والمزايا الماليزية في التكنولوجيا المتقدمة والطاقة، يوفران أساسًا قويًا لتعاون طويلة الأمد بين البلدين.
يتعدى التعاون الدفاعي التركي مع ماليزيا مفهوم الصفقات التقليدية، إذ يرتكز على نقل المعرفة التكنولوجية، والإنتاج المشترك، وبناء الكوادر والخبرات المحلية، ولذا يوصي خبراء ماليزيون بضرورة دمج استراتيجية التصنيع الماليزية مع تركيا ضمن الأطر العامة للسياسة الدفاعية والخارجية لكوالالمبور، وإعطاء ماليزيا الأولوية لتوطين صناعاتها الدفاعية.
مكاسب تركيا الاستراتيجية
أطلقت تركيا عام 2019 مبادرة “آسيا مجددًا” لتوسيع حضورها في القارة وتعزيز علاقاتها مع دولها، مستهدفةً توظيف قدراتها الصناعية والدفاعية في بناء شراكات تتجاوز نطاقها الإقليمي التقليدي، وقد سعت إلى تقديم نموذج للتعاون يقوم على التطوير المشترك ونقل التكنولوجيا وإقامة شراكات صناعية تحقق منافع متبادلة.
وفي هذا السياق، يمنح التعاون مع ماليزيا أنقرة شريكًا دفاعيًا في جنوب شرق آسيا، وهي منطقة تتنافس فيها شركات أمريكية وأوروبية وكورية جنوبية وصينية.
كما توفر العقود والاتفاقيات التركية حضورًا مستمرًا في السوق، وعلاقات مع مؤسسات الدفاع والشركات المحلية، وفرصًا للمشاركة في معارض ومشروعات جديدة. وأيضًا تعزز تركيا نفوذها الجيوسياسي في مناطق ذات أهمية استراتيجية، فضلًا عن كونها مصدرًا مربحًا للإيرادات.
كما تتيح الشراكة ترسيخ مكانة جديدة لها في المجمع الصناعي العسكري الآسيوي وفتح سوق إقليمية أوسع، ومنح الشركات التركية سجلًا من المشروعات المنفذة يمكن الاستناد إليه عند تسويق منتجاتها لدول أخرى، وقد نجحت الشركات الدفاعية التركية الكبرى مثل “أسيلسان” و“هافلسان” و“إس تي إم” في تعزيز حضورها بماليزيا.
نختم القول بأن تطور مسار التعاون الدفاعي الماليزي التركي يكشف عن شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد قادرة على إعادة صياغة المعادلات الأمنية في جنوب شرق آسيا.