أعلنت الحكومة السورية خلال الأشهر الماضية استرداد أموال وأصول وشركات ضمن تسويات أجرتها اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع مع عدد من رجال الأعمال، وإحالة الأصول المستردة إلى جهات حكومية لإدارتها واستثمارها.
تنص الآلية المعلنة للتسويات على نقل ملكية هذه الأصول وفق الإجراءات القانونية، وإدارتها عبر مؤسسات الدولة، في مقدمتها صندوق التنمية السوري والصندوق السيادي.
وتشمل متابعة الأصول بعد استردادها مراحل متعددة، تبدأ من إجراءات التنازل وتسجيل الملكية، وتمتد إلى تحديد الجهة التي تتولى إدارتها، وقيمتها، والعوائد الناتجة عنها.
وتقدم تسوية رجل الأعمال سامر فوز نموذجًا لتتبع هذا المسار، بعدما أعلنت اللجنة خلال الأشهر الماضية إتمام التسوية ونقل ملكية 32 شركة، إلى جانب أصول متنوعة في قطاعات صناعية وتجارية وخدمية ومصرفية، وتحويل الأصول والمبالغ المحصلة إلى صندوق التنمية السوري عبر الصندوق السيادي لإدارتها واستثمارها.
إلا أن الإعلان الرسمي لم يتضمن قائمة كاملة بأسماء الشركات الـ32، أو تفاصيل القيمة التقديرية لكل أصل، أو الجهات التي أصبحت تسجل باسمها الملكيات، أو الشركات والجهات التي تتولى إدارتها بعد التسوية.
ينطلق هذا التقرير من حالة سامر فوز لرصد ما يمكن معرفته عن مسار الأصول المستردة، وما يبقى من تفاصيل خارج نطاق المعلومات المتاحة للعامة.
من التسوية إلى صندوق التنمية
جاءت تسوية سامر فوز ضمن برنامج الإفصاح الطوعي الذي أطلقته اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع واسترداد الأموال والأصول.
وقال رئيس اللجنة، باسل السويدان، في تصريحات لوكالة “سانا” في 26 فبراير/شباط الماضي، إن التسويات المالية لا تمنح حصانة جزائية ولا تمس حقوق الغير، وإنما تعالج الجانب المالي الناتج عن الكسب غير المشروع، بينما تبقى المسارات القضائية الأخرى قائمة وفق القوانين النافذة.
وأوضح السويدان أن نسبة الـ80% التي ظهرت في بعض التسويات جاءت نتيجة التدقيق القانوني والمالي وتقييم القيمة السوقية للأصول ومدى التعاون وصدق الإفصاح، مع مراعاة المصلحة العامة.
وفي حالة سامر فوز تحديدًا، قال إن التسوية تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصولًا متنوعة، تشمل قطاعات صناعية وتجارية وخدمية ومصرفية، وإن هذه الأصول والمبالغ المحصلة حُولت إلى صندوق التنمية عبر الصندوق السيادي بهدف إدارتها واستثمارها بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحافظ على قيمتها الإنتاجية.
وفي مقابلة مع “المجلة” في مارس/آذار الماضي، قدم السويدان تفاصيل إضافية عن طبيعة الأصول، مشيرًا إلى شركات في قطاعات الصلب والإسمنت والحديد والطيران والغذاء والهندسة والخرسانة، إضافة إلى فنادق ومطاعم ومنشآت سياحية، وحصص وأسهم في شركات تعدين وفوسفات، وأسهم في بنك سوريا الدولي الإسلامي وبنك سوريا والخليج وغيرهما.
وقال إن كامل هذه الأصول والمبالغ المحصلة حُولت إلى صندوق التنمية عبر الصندوق السيادي لإدارتها واستثمارها، دون طرحها للبيع.

وكانت وكالة “رويترز” كشفت في يوليو/تموز 2025، أن فوز تخلى عن نحو 80% من أصوله التجارية، والتي قدرت قيمتها بين 800 مليون ومليار دولار، وشملت مصفاة سكر ومصنع صهر حديد ومصانع أخرى.
ويُعرّف صندوق التنمية السوري نفسه بأنه مؤسسة اقتصادية وطنية أُنشئت بموجب المرسوم الرئاسي رقم 112 لعام 2025، وتتمتع باستقلال مالي وإداري وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، مشيرًا إلى أن مهمته تشمل إدارة موارده بكفاءة وشفافية ودعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي في سوريا.
كما ينص موقعه الرسمي ضمن قسم الحوكمة والشفافية على إعداد تقارير مالية دورية تفصيلية، وإخضاع العمليات الاستثمارية والتمويلية للتدقيق الداخلي، وتعيين مدقق حسابات خارجي للحسابات السنوية، ونشر تقارير سنوية علنية تتضمن موارد الصندوق ومجالات الإنفاق الرئيسية والعقود المبرمة، كما يشير إلى إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية محدثة للمشاريع تتيح الرقابة الداخلية والخارجية.
إلا أن التقرير المنشور عن أداء الصندوق للربع الأول من عام 2026 ركّز على التبرعات وتحصيل التعهدات والموارد المالية التي تلقاها الصندوق خلال الفترة، ولم يتضمن معلومات مرتبطة بالأصول أو الشركات التي أُحيلت إليه ضمن تسويات الكسب غير المشروع، بما فيها تسوية سامر فوز.
ويتضمن التقرير أرقامًا عن موارد وتدفقات مالية مختلفة، من بينها مبلغ قدره مليونين و962 ألفًا و109 دولارات محصلة من بنك البركة سوريا، إلا أنه لا يمكن من البيانات المنشورة إثبات ارتباط هذا المبلغ بتسوية سامر فوز.
ماذا حدث للملكية قانونيًا؟
وللحصول على معلومات رسمية حول مسار الأصول والإجراءات المتخذة بعد التسوية، تواصلت “نون بوست” مع الجهات المعنية بالملف، بما فيها اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع وصندوق التنمية السوري ووزارة الاقتصاد، إلا أنها لم تتلقَّ إجابات عن الاستفسارات الموجهة إليها.
وفي المقابل، قال مصدر في الصندوق السيادي، تتحفظ “نون بوست” على ذكر اسمه، إن جميع التنازلات التي تمت بموجب التسوية نُقلت عبر الإجراءات القانونية المعتمدة في السجلين العقاري والتجاري، بما في ذلك تعديل عقود الشركات وتسجيل تنازل سامر فوز عن حصصه فيها بصورة قانونية.
وأضاف المصدر أن فوز كان ضامنًا لبقية الشركاء لعدم حصول أي اعتراض، مشيرًا إلى أن الإجراءات القانونية لم تنتهِ حتى الآن، وأنه لا تزال تُستكمل بعض الإجراءات اللازمة لتخليص الملكيات التي كانت مسجلة باسمه ونقلها إلى الصندوق.
وبذلك، فإن الإعلان الرسمي عن نقل الأصول إلى الصندوق لا يعني بالضرورة أن جميع الإجراءات المرتبطة بكل أصل كانت قد وصلت إلى المرحلة النهائية نفسها في الوقت ذاته.
غياب التفاصيل الرسمية
وتواصلت “نون بوست” مع وزارة الاقتصاد للحصول على أسماء الشركات التي شملتها التسوية، ومعرفة التغييرات التي طرأت على ملكيتها أو هيكلها القانوني بعد التسوية.
وأفاد مسؤول التواصل في الوزارة بأن الوزارة ليست جهة مرتبطة باللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، ولذلك لا يمكنها الإجابة عن هذه الأسئلة.
كما أرسلت “نون بوست” استفسارات إلى اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع للحصول على القائمة الكاملة للشركات والأصول المشمولة بالتسوية، لكنها لم تتلقَّ ردًا حتى موعد إعداد التقرير.
كذلك تواصلت مع صندوق التنمية السوري عبر رقم التواصل المنشور على موقعه الرسمي، من دون الحصول على إجابة بشأن وضع الأصول التي أعلنت اللجنة تحويلها إليه.
وبالتالي، لم يتمكن التقرير من الحصول من الجهات الرسمية المعنية على قائمة كاملة تسمح بمطابقة الأصول التي أعلن عنها رئيس اللجنة مع المعلومات المتاحة في المصادر المفتوحة.
ما الذي يمكن معرفته عن الشركات؟
وفي ظل عدم نشر قائمة رسمية كاملة بأسماء الشركات الـ32، تسمح العودة إلى المعلومات المنشورة سابقًا عن شبكة أعمال سامر فوز بفهم طبيعة وحجم المصالح التي ارتبطت به.
وتتيح قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية السابقة التعرف إلى عدد من الشركات والأشخاص المرتبطين بسامر فوز أو بشبكة أعماله، لكن ورود أسمائهم في هذه القوائم لا يثبت أن تلك الشركات كانت من بين الشركات المشمولة بالتسوية، وهو ما يتطلب الاستناد إلى وثائق رسمية أو سجلات ملكية أو معلومات صادرة عن الجهات المعنية بالملف.
ومن أبرز الكيانات المرتبطة بسامر فوز مجموعة “أمان”، وهي مجموعة استثمارية تضم شركات تعمل في مجالات مختلفة، ومن الشركات المرتبطة بالمجموعة أيضًا “فوز للتجارة”، العاملة في تجارة السلع، و”المهيمن للنقل والمقاولات”، إضافة إلى شركة “مينا للسكر”، وشركة “مينفارما” للصناعات الدوائية.
كما ارتبط فوز بشركة “أمان دمشق” التي تعمل في المجال العقاري ضمن مشروع “ماروتا سيتي”، بالشراكة مع شركة دمشق الشام القابضة، وكان فوز مساهمًا فيها إلى جانب مجموعة أمان.
وفي القطاع الصناعي، تبرز “إعمار للصناعات”، وهي شركة مرتبطة باستثمارات في القطاع الصناعي، فيما تظهر أسماء أخرى ضمن شبكة أعمال فوز في مجالات السياحة والفنادق، بينها فندق فور سيزنز دمشق.

شركات وأصول مرتبطة بالشبكة الأوسع
وتظهر إلى جانب أعمال سامر فوز المباشرة شركات مرتبطة بأفراد من عائلته أو بشركاء سابقين، بينها شركات تعود إلى شقيقه عامر فوز، مثل “ديستريكت 6″ و”إيزي لايف” و”أساس ستيل”، إضافة إلى مشاريع صناعية في عدرا.
كما يظهر اسم شركة “فلاي أمان” في قطاع الطيران، وهي مرتبطة بخلدون الزعبي، ضمن شبكة علاقات اقتصادية أوسع ارتبطت بمجموعة أمان وفوز.
وتتقاطع بعض القطاعات التي نشطت فيها الشركات المرتبطة بفوز مع القطاعات التي أعلن رئيس اللجنة شمولها بالتسوية، ومنها قطاع الطيران، وينطبق الأمر نفسه على القطاع المصرفي، إذ صرّح رئيس اللجنة بأن التسوية شملت أسهمًا في بنك سوريا الدولي الإسلامي، وبنك سوريا والخليج وغيرهما.
وتتيح هذه المعلومات تكوين صورة عن شبكة الأعمال المرتبطة بفوز والقطاعات التي نشطت فيها، إلا أن وجود أي شركة ضمن هذه الشبكة، أو ورودها في قوائم عقوبات دولية، لا يثبت أنها كانت ضمن الشركات الـ32 التي شملتها التسوية.
وكانت اللجنة قد أوضحت أن تقييم الأصول لا يزال خاضعًا للتدقيق المالي، على أن تُعلن قيمتها بعد استكمال الإجراءات القانونية، فيما تبقى المعلومات المتاحة حول تسجيل هذه الأصول وإدارتها وقيمتها محدودة، ما يطرح تساؤلات حول مدى إمكانية تتبع مسارها بعد انتقالها إلى الدولة والحفاظ على قيمتها.