“فقال أفراسياب: إن كلامك غير حائد عن سنن السداد، غير أنه من ربّى شبل الأسد الهصور أنحى عليه، إذا طلع نابه، بالمحذور” — الشاهنامه، للفردوسي، ترجمة الفتح بن علي البنداري.
كثيرًا ما يُردّ أصل العطب في علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بإيران، منذ صعود الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 وصولًا إلى الحرب الطاحنة الجارية، إلى الأحقاد التي يحملها الإيرانيون ضد الأمريكيين؛ بسبب اشتراك الولايات المتحدة في الإعداد لانقلاب عام 1953، المعروف باسم “عملية أجاكس”، الذي أطاح بحكم رئيس الوزراء الوطني محمد مصدق، وأعاد الأسرة البهلوية إلى الحكم مرة أخرى بسلطات مطلقة، أشد تعسفًا واستبدادًا.
يُعدّ هذا التفسير ذا وجاهة لدى العديد من المؤرخين، وفي مقدمتهم المؤرخ الأمريكي ستيفن كينزر، الذي كتب في مقدمة كتابه أتباع الشاه: انقلاب أمريكي وجذور الإرهاب في الشرق الأوسط، مفسرًا: “لو لم ترسل الولايات المتحدة عملاءها لخلع مصدق عام 1953، لاستمرت إيران في طريقها نحو تحقيق الديمقراطية الكاملة، ولأصبحت خلال العقود التالية أول دولة ديمقراطية في الشرق الأوسط الإسلامي، وربما أصبحت نموذجًا تحتذي به الدول الأخرى في المنطقة وخارجها. كان ذلك سيغيّر مجرى التاريخ تمامًا؛ ليس لإيران والشرق الأوسط والولايات المتحدة فحسب، بل للعالم بأسره”.
في سبعينيات القرن الماضي، تسبب صعود الرئيس نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر، الذي أصبح وزير خارجيته لاحقًا، في تغيير شكل العلاقة التي كانت سائدة بين طهران وواشنطن حتى تلك اللحظة؛ إذ رعيا شهوة التسلح لدى الشاه وعززاها، حتى اتسع الخرق على الراتق، ولم تستطع أيٌّ من إدارتي فورد وكارتر لاحقًا إعادة العلاقة إلى نصابها الصحيح، فضلًا عن حماية النظام من السقوط.
فمنذ لحظة الانقلاب، قامت العلاقة على ربط تدفق السلاح الأمريكي إلى إيران بقدرتها الاقتصادية على استيعابه، وعندما ضربت إدارة نيكسون بذلك المبدأ عرض الحائط، سنرى، وفق ما تكشفه الوثائق الأمريكية والدراسات اللاحقة، أن ذلك لم يكن مجرد تفصيل بيروقراطي أو إحلال آلية محل أخرى، بل كان الشرارة التي أشعلت بالفعل سلسلة من التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية، وجعلت صورة الشاهنشاه المعظم مداسًا لأقدام شعبه في ثورة استمرت على مدار عامين، وانتهت بصعود نظام إسلامي شديد الراديكالية في معاداته للغرب، وللولايات المتحدة على وجه الخصوص.
في مقالتنا هذه، وسيرًا على نهج الملف في انتقاء لحظات لم تحظَ بالتغطية الكافية، نجادل كينزر وأقرانه في رؤيتهم المستقرة لسببية عملية أجاكس في صعود النظام الإسلامي في طهران، من خلال تقديم قراءة بديلة لا تنفي الدور المحوري لانقلاب عام 1953، لكنها تضيف إليه فصلًا طالما أُهمل، يتعلق بالسؤال الآتي: كيف خلقت سياسات البيت الأبيض الكارثية في عهد نيكسون وكيسنجر الخمينية؟
تويتشل.. وكبح جماح الرجل الذي كان “يريد كل شيء”
في كتابه ملوك النفط: كيف قلبت الولايات المتحدة وإيران والسعودية موازين القوى في الشرق الأوسط، يذهب المؤرخ أندرو سكوت كوبر إلى أن السنوات الخمس عشرة الأولى التي أعقبت الانقلاب شهدت تركيز المسؤولين الأمريكيين أنظارهم على إيران.
وكان الرؤساء أيزنهاور وكينيدي وجونسون، تباعًا، قلقين من نزعة الشاه إلى إنفاق الأموال على الجانب العسكري بدلًا من تنمية الاقتصاد وتطوير البنية الأساسية؛ إذ لم يلمس فقراء إيران أي تطور ملموس في حياتهم، في ظل رغبة الشاه الواضحة في لعب دور إقليمي كبير. لذلك، هيمنت على الإدارات الأمريكية المتعاقبة خشية جديّة من وقوع انفجار اجتماعي جديد في إيران.
وفي عالم السياسة الأمريكية، كان الليبراليون تحديدًا الأكثر تشككًا في الشاه، ففي جلسة مغلقة للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، عُقدت في يونيو 1961، أفصح السيناتور فرانك تشرش عن رأيه السلبي في شاه إيران، محذرًا الرئيس كينيدي، حين قال: “أعتقد أن بقاء الشاه في إيران سيكون معجزة. كل ما أعرفه من التاريخ يقول إن هذا الشاه لن يطول به المقام، ولا نظامه. وإن سقط… طاخ! نسقط معه”.
وقد آزره في رأيه زميله هيوبرت همفري، حين قال، مشيرًا إلى الأسرة البهلوية وحاشيتها: “إنهم ميّتون، لكنهم لا يدركون ذلك. لا يهمني أي نوع من الثورات ستكون؛ سينال منهم شخص ما، وسيخرجون. إنها مسألة وقت، لا أكثر”.

كان هؤلاء قلقين من أن الإنفاق العسكري في عهد الشاه لم يقل عن 23% من الميزانية، وكان يصل، في كثير من الأحيان، إلى ثلثها، وفي أعقاب اغتيال كينيدي، جاءت إدارة جونسون لتكون الأكثر تصميمًا على الحد من نزعة الشاه إلى الإفراط في الإنفاق العسكري، وعلى محاولة تصحيح الأمور.
رأى المبعوثون الأمريكيون إلى طهران في عهد جونسون أن الشاه لم يكن عبقريًا كما كان ينظر إلى نفسه، بل نجد في إحدى المذكرات التي رفعها المستشار والت روستو إلى الرئيس عام 1966 أن “معظم المسؤولين الذين جلسوا مع الشاه هذا الأسبوع يرونه شخصًا أحمق لإنفاقه على هذا النحو، وأن وكالة التنمية الأمريكية تتوقع عجزًا متصاعدًا في ميزان المدفوعات الإيراني إذا واصل دفع فاتورتي التنمية والتسلح معًا”.
ولتحجيم شهوة التسلح، التي باتت هاجسًا جاثمًا على الفكر الأمريكي، أقامت واشنطن جدارًا ماليًا للتأكد من أن نهم الشاه لشراء العتاد العسكري لن يستنزف قدرًا كبيرًا من رأس مال الاقتصاد المدني الإيراني. وقد حمل هذا الجدار اسم الجنرال هاملتن تويتشل، الذي ترأس البعثة العسكرية الأمريكية إلى إيران.
كان المسعى الأساسي وراء مبدأ تويتشل هو تحقيق التنسيق الكامل بين برنامج المشتريات العسكرية للشاه وبرنامج التدريب، بحيث لا تُشترى إلا المعدات التي يستطيع الإيرانيون تشغيلها وصيانتها. وكانت تلك وسيلة للحد من النزعة التي وصفها السفير آرمن ماير بقوله: “لو كنا قد تركنا الأمر للشاه خلال فترة عملي، لما توقف عند حد. كان يريد كل شيء… كنت أحاول دائمًا ثنيه عن شراء العتاد”.
كعكة وسيقانٌ زيّتيّة
أبقت واشنطن الشاه تحت سيطرتها من خلال التحكم في صنبور السلاح؛ فقد كان إغداق السلاح عليه، كما يذهب كوبر في كتابه، قادرًا على تقويته إلى درجة تسمح له بالانعتاق من نفوذها وانتهاج سياسة خارجية مستقلة.
وهنا يقول ماير مرة أخرى: “أُجبر الإيرانيون على الخضوع لمراجعة اقتصادية سنوية، وكان من المهين لهم أن يفعلوا ذلك قبل أن يتمكنوا من شراء معدات عسكرية بمبلغ خمسين مليون دولار. كان الشاه منزعجًا بعض الشيء من اضطراره إلى قبول تلك المراجعة، لكنه أدرك، على كل حال، ضرورة القيام بذلك كي يحصل على العتاد ويبقى في معسكرنا؛ فلطالما كانت عيناه مصوبتين نحو حدوده الشمالية ومصدر الإزعاج السوفييتي”.
وإذا كان مبدأ تويتشل قد خضع للالتفاف عليه أحيانًا، مثلما حدث في مفاوضات مهدي سميعي، محافظ البنك المركزي الإيراني آنذاك، بين عامي 1964 و1968، التي نجحت في إقناع إدارة جونسون بأن التحسن الذي طرأ على الاقتصاد الإيراني يبرر التوسع في الإنفاق الدفاعي، وأفضت إلى مذكرة تفاهم رفعت المنح العسكرية بنحو عشرين مليون دولار، فإن المبدأ كان محاطًا بحاجز ثانٍ يمنع أي تدفق محتمل للإنفاق العسكري من جانب الشاه.
في أعقاب عملية أجاكس، أسست إدارة أيزنهاور اتحادًا من شركات النفط الغربية عام 1954، وربطته بالحكومة الإيرانية من خلال ما عُرف باسم “اتفاقية الكونسورتيوم”. ونصت الاتفاقية على أن تحصل شركة البترول البريطانية على 40% من الأسهم، وشركة شل الهولندية على 14%، وكل واحدة من خمس شركات أمريكية على 8%، وشركة فرنسية على 6%، على أن يتقاسم أعضاء الاتحاد أرباحهم مع الدولة الإيرانية وفق الصيغة التي كانت معتادة آنذاك في الشرق الأوسط.
لكن الشركات احتفظت بحق تحديد أسعار النفط الخام، لا الشاه، وكانت هي التي تقرر زيادة الإنتاج أو خفضه، لا إيران. وكان ذلك أمرًا مهينًا لأسرة حاكمة تتكئ على ساقين من النفط، على حد تعبير جهانكير آموزكار، الاقتصادي الإيراني؛ إذ كان النفط أكبر مصادر قوة الشاه ونقطة ضعفه في آن واحد. وسينقلب الشاه على هذا الوضع لاحقًا، في ذروة الأزمة النفطية عام 1973، بعد أن مهّد له الرئيس نيكسون الطريق.

“احمني”
وصل نيكسون إلى الرئاسة الأمريكية عشية السبعينيات؛ إذ وعد الأمريكيين بإخراج بلادهم من الوحل الفيتنامي، لكن الأمور لم تسر على ما يرام، بل تفاقمت. لذلك، حين التقى نيكسون الشاه سرًا في أحد قصوره عام 1972، ووافق على أن يبيع إيران أحدث الأسلحة في الترسانة الأمريكية، مثل الطائرات المقاتلة من طرازي “إف-14″ و”إف-15” والقنابل الموجهة بالليزر، مال نحوه وهمس له بكلمة شديدة الحميمية: “احمني”.
كان القصد من ذلك تعزيز مبدأ نيكسون، الذي أعلنه الرئيس عام 1969، وسياسة الركيزتين، التي اعتبرت إيران والسعودية شرطيَّي المصالح الأمريكية في المنطقة، وأتاحت لهما التسلح بحرية شبه مطلقة، فمع تضاؤل قدرة الولايات المتحدة على نشر قواتها في الخارج بسبب حرب فيتنام، ضغط نيكسون على حلفائه حول العالم لتحمُّل نصيب أكبر من أعباء الدفاع العسكري خلال الحرب الباردة.
وكان يرى في إيران شريكًا مثاليًا يستطيع حماية المصالح الأمريكية في الخليج أكثر من السعودية، فأوكل إليها عدة ملفات، منها قضية الأكراد ومواجهة الشيوعية في سلطنة عُمان والعراق واليمن.
لعب نيكسون على الوتر الحساس لدى الشاه، الذي لطالما حلم بقيام الإمبراطورية الفارسية لتحكم نطاقها من جديد. وبتلك الكلمة العاطفية، أصبح الشاه شرطي المنطقة. وبين عامي 1970 و1972قفزت قيمة صفقات الأسلحة الأمريكية إلى إيران من 103 ملايين دولار إلى 552 مليونًا، حتى بلغت 3.91 مليار دولار عام 1974.

لقد ظلت تلك الحالة هي الحاكمة للعلاقة بين البلديّن، حتى بعد رحيل نيكسون، ومجيء فورد، لكن بقاء هنري كيسنجر، كان يعني بقاء العلاقة مع إيران كما هيّ، وحينما أبدى وزير الدفاع جيم شليزنجر قلقه تجاه تلك السياسة التي تطلبت وجود الكثير من العاملين الأمريكيين في إيران لتشغيل السلاح والتدريب عليه، أمر الرئيس فورد بكل بساطة بإقالته، والإتيان بدونالد رامسفيلد للحلول محله.
لم يكن من المتوقع أن يكبر الشاه إلى درجة تفوق قدرة تحكم واشنطن به، فلقد كان لإدارة نيكسون فرط ثقة بأنفسهم، حيث اعتقدوا أن الشاه أدرك بأنه مدين أبديّ للولايات المتحدة بعرشه، وأنه سيقدم الالتزام بالسياسة الأمريكية على الاهتمام بمصالحه القوميّة.
ويعكس هذا الشعور مقولة دوجلاس مكارثر الثاني، الذي كان أول سفير لنيكسون في إيران من عام 1969 وحتى 1972، حين قال: “شعرت السي آي أيه أن لديها ما يشبه حقوق التملك في إيران، بسبب مساعدتهم في إعادة الشاه”.
إنهم لا يعرفون ما يفعلون.. ولن يغفر لهم أحدًا
يشرح كوبر في كتابه مدى سذاجة الإدارة الأمريكية في التعامل مع الشاه بهذا النهج؛ إذ لم يُحط الرئيس نيكسون نفسه بأي شخص يمتلك معرفة راسخة باقتصاد النفط أو بتبعات الاعتماد الأمريكي المتزايد على نفط الشرق الأوسط، وأوكل كل شيء في المنطقة إلى هنري كيسنجر.
ويتضمن كتاب كوبر كواليس إحدى الجلسات التي دارت بين أفراد النخبة السياسية المحيطة بالرئيس، ويكشف سردها مدى عمق الأزمة. ففي يومياته، وصف رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي آرثر بيرنز اجتماعًا في البيت الأبيض حضره كيسنجر وجورج شولتز، قائلًا: “كيسنجر محلل سياسي بارع، لكنه، باعترافه، جاهل بالاقتصاد، وشولتز مجرد هاوٍ اقتصادي لا يقل عنه تشوشًا. وكنت أنا الوحيد الذي يملك أدنى معرفة بالموضوع، لكنني لست خبيرًا حقيقيًا ببعض جوانب تلك المشكلة الدولية العويصة. يا لها من طريقة للوصول إلى القرارات! لا أحد من وزارة الخارجية، ولا خبراء فنيون يساعدوننا!”.
وكان نيكسون أيضًا على قناعة بأن مستشاره للأمن القومي يفتقر إلى الخبرة اللازمة للتصدي للسياسة النفطية وأمن الطاقة. وحين عيّن الرئيس بيتر بيترسن مساعدًا خاصًا له لشؤون الاقتصاد العالمي، حذره قائلًا: “إن الاقتصاد مجال لا يعرف فيه كيسنجر شيئًا!”.
لذلك، كثيرًا ما تصادم المستشاران حول قضايا السياسة. وذات مرة، راح كيسنجر يخاطب زميله بنبرة متعالمة قائلًا: “يا بيترسن، هذا مجرد اعتبار اقتصادي ثانوي”. فرد عليه بيترسن: “هنري، لا جديد فيما تقوله؛ فأنت ترى كل اعتبار اقتصادي أمرًا ثانويًا”.
وكان نيكسون نفسه واعيًا بذلك، فكتب لاحقًا في مذكراته، وكأنه يقرّظ نفسه: “كنت أرى أننا نحتاج إلى شخص ذي خبرة اقتصادية في وزارة الخارجية، ورأيت أنه لا منافس لهنري في الشؤون الجيوسياسية، أما الاقتصاد فليس مجاله”. وبهذه اللامبالاة، بدأت واشنطن مسيرة طويلة من الحماقة والتخبط.
مسيرة من الحماقة
في أغسطس 1976، أجرى كيسنجر زيارته الأخيرة إلى إيران بصفته وزيرًا للخارجية. وقبل ذلك بثلاثة أيام، كانت لجنة السيناتور هيوبرت همفري قد أصدرت تقريرها المناهض لمبيعات السلاح الأمريكي إلى إيران، الذي وصف تلك المبيعات بأنها تجاوزت الحدود، وخلص إلى أن الجيش الإيراني غدا شديد الاتكال على الدعم الفني الأمريكي، إلى درجة أن إيران لم تعد قادرة على خوض حرب من دون الحصول على ذلك الدعم بصورة يومية.
ومن اللافت في تقرير همفري تحذيره من أن عشرات الآلاف من الأمريكيين المقيمين في إيران معرضون لخطر الاحتجاز كرهائن، إذا ساءت العلاقات بين واشنطن وطهران في أي لحظة.
انزعج كيسنجر بشدة، ووصف التقرير بأنه كارثة، وانصب غضبه على الديمقراطيين، وكذلك على زملائه الجمهوريين الذين كان يعلم أنهم أثروا في نتيجة التقرير، مثل وزير المالية وليام سايمون، الذي لم يكن يلقى أحدًا إلا ويقول له إن الشاه خطير ومجنون، ولا يجدر به أن يحصل على السلاح الأجنبي. بل إن تلك التصريحات خرجت إلى الإعلام في إحدى المرات، وكادت تتسبب في أزمة بين الشاه وحلفائه الأمريكيين، إلى درجة دفعت كيسنجر إلى التدخل والاتصال بوزير الخارجية الإيراني أردشير زاهدي، ليعتذر شخصيًا ويوبخ زميله، في مكالمة وصف زاهدي خلالها كيسنجر بأنه “متذلل ومتزلف”.

ولم يخلُ المشهد من الفشل الاستخباراتي، وقد تجسد ذلك في عدم اكتشاف مرض الشاه بالسرطان مبكرًا، فكما يذكر كوبر، حين تسرّب الخبر إلى مجلة نيوزويك عام 1975، التقى الشاه بالسفير ريتشارد هيلمز وقال له: “قرأت في مجلة نيوزويك أنني مصاب بالسرطان. هل سبق لك أن رأيت شخصًا يبدو أكثر صحة مما أبدو عليه الآن؟”. وقد صدّقه هيلمز.
وفي تقييمه لذلك الفشل الاستخباراتي، يقارن كوبر ما حدث في حالة الشاه بما فعلته الولايات المتحدة حين علمت أن جورج بومبيدو يعاني من مرض والدنستروم. فقد اهتم مجلس الأمن القومي بالأمر، وأجرى دراسة لتقييم تأثير مرض الرئيس الفرنسي والأدوية التي يتعاطاها في العلاقات بين الولايات المتحدة وفرنسا. وبناءً عليه، أجرى الرئيس نيكسون وكبار مسؤوليه التعديلات اللازمة في تعاملهم مع باريس.
أما في حالة الشاه، فلم تُجرَ أي تعديلات على السياسات، ولم توضع أي خطط للطوارئ، ولم تُكلَّف أجهزة المخابرات بجمع أي معلومات، كما لم يحدث أي تباطؤ في نقل الأسلحة ذات التقانة العالية إلى إيران. وباختصار، واصلت الولايات المتحدة ما يسميه كوبر “مسيرة الحماقة في إيران”.
وإضافة إلى ذلك الفشل المتعلق بالمرض، كان السفير هيلمز، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية قبل أن يصبح سفيرًا، يحمل ولاءً خاصًا ومدمرًا تجاه الشاه، إلى درجة أنه تقاعس عن الحديث مع معارضيه داخل إيران، وأمر دبلوماسييه بتحاشي أي علاقة من ذلك النوع حتى لا يستعدي الشاه. وقد فوّت ذلك على السفارة الأمريكية فرصة إقامة علاقات تسمح لها بالتعامل مع القوى التي ستسيطر على إيران في اليوم التالي لسقوط الشاه، إن حدث.
لمن تُقرع أجراس الإنذار؟
من ناحية أخرى، كان لدى وزارة الدفاع تقييم استخباراتي للوضع الراهن للعلاقات الأمريكية الإيرانية، جاء في صورة بحث أجراه ديفيد رونفيلدت، المحلل في مؤسسة راند، عن مبيعات السلاح. وقد أراد في تقريره الإجابة عن سؤالين لم يشغلا أحدًا في وزارة الخارجية أو جهاز الاستخبارات، هما: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ وإلى أين نتجه من الوضع الحالي؟
وإجابةً عن هذين السؤالين، خلص رونفيلدت إلى أن الولايات المتحدة وقعت في فخ استراتيجي صنعته بنفسها حين سلّمت أوراق الضغط على حليفها؛ ذلك أن هذه القوة العظمى أنشأت “عميلًا فائقًا”، إلى درجة أنه بات يدير العلاقة بين البلدين، لا الرئيس الأمريكي.
وفي ذلك التقرير، انتقد رونفيلدت بقسوة مبدأ نيكسون، الذي جعل من شاه إيران وغيره من دكتاتوريي العالم الثالث محاربين إقليميين لصالح الولايات المتحدة، قائلًا: “في السنوات الأخيرة، يمكن اتهام حكومة الولايات المتحدة بتفضيل الحكم الدكتاتوري، إن لم نقل فرضه على الدول التابعة.
والافتراض الذي تحركت على أساسه هو أن الدكتاتوريين، على نحو ما، أكثر خضوعًا لمصالح الولايات المتحدة، لكن هذه الرؤية تبدو خاطئة في حالة إيران. فالاستثمارات التي تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات في إيران جعلت الولايات المتحدة رهينة محتملة لطموحات الشاه، مع خطر إضافي يتمثل في احتمال زجها في حرب يخوضها الشاه وفق ما يريده، وفي أي وقت”.
كان رونفيلدت يقصد بمصطلح “العميل الفائق” تلك الحالة التي تحول إليها الشاه. فبينما أراد نيكسون منه أن يحمي المصالح الأمريكية، تصرف الشاه، منذ الأزمة النفطية عام 1973، ضد المصالح العليا للولايات المتحدة. وكان نيكسون نفسه قد انشغل بفضيحته الداخلية، تاركًا المجال لنفوذ الشاه كي يتعاظم، ولسيطرته على صناعة النفط الإيرانية كي تكتمل تدريجيًا.
لقد كان الشاه يأخذ الكثير ولا يقدم شيئًا فعليًا، فلجأت الولايات المتحدة إلى السعودية لتصنع مسرحًا دراميًا سيبلغ ذروة مأساته عام 1977، وهو ما سنعود إلى مناقشته في مقالة أخرى ضمن الملف.

منسأة عرش الطاووس
في محاكمته، قال محمد مصدق للقضاة: “إن جريمتي الوحيدة هي تأميم صناعة النفط الإيرانية، وتخليص هذه الأرض من شبكة الاستعمار والنفوذ السياسي والاقتصادي لكبرى إمبراطوريات الأرض في تلك البلاد”.
مثيرة هي الكيفية التي يبدو بها التاريخ غريبًا، حين يتماثل موقفان يتخذهما طرفان نقيضان؛ فالشاه، الذي استغل الأزمة النفطية ليصنع من خلال منظمة أوبك انقلابًا على شركات النفط، ويجعل قرار الأسعار بيد حكومات المنظمة، صرح ساخرًا من شكاوى الغرب من رفع الأسعار، قائلًا: “على العالم الصناعي أن يدرك أن عهد تطوركم الرائع، ومداخيلكم الأكثر روعة، وثروتكم المبنية على النفط الرخيص، قد انتهى. عليكم أن تجدوا مصادر جديدة للطاقة، وأن تشدوا الأحزمة. إن كنتم تريدون العيش، فعليكم الآن أن تكدحوا”.
وحين تكالبت عليه الأزمات، وتحت وطأة أزمة النفط عام 1977، وصل الأمر بالشاه إلى أن يصف أحمد زكي يماني، وزير البترول السعودي، بأنه أشبه بيهوذا الإسخريوطي، خائن المسيح، وعميل للإمبريالية.
كان الشاه يرى في نفسه بطلًا قوميًّا كمصدق، وكان يعتقد أن مشروعه، على خلاف مشروع مصدق، سيكتمل. ورغم كل التحذيرات التي عُرضت على امتداد هذا المقال، كانت وكالة الاستخبارات المركزية ما تزال ترى أن الرجل سيبقى في الحكم عقدًا آخر على الأقل. وقد ورد ذلك في تقرير صدر في أغسطس 1978، أي قبل السقوط بشهور، وزعم أن إيران “ليست في وضع ثوري، ولا حتى في وضع تمهيدي للثورة”.
كان العزف مستمرًا رغم غرق سفينة تايتانيك. وفي الوقت الذي كانت فيه فاتورة السلاح تلتهم الميزانية العامة، كانت عائدات النفط، التي كان من المفترض أن تمول برامج الثورة البيضاء التي أطلقها الشاه عام 1963، تتجه بصورة متزايدة إلى جيوبه وجيوب أفراد أسرته.
فبحلول عام 1976، وفقًا للمؤرخ جيمس جلفين في كتابه الشرق الأوسط الحديث، كان الشاه قد جمع لنفسه أكثر من مليار دولار من عائدات النفط، بينما راكم أفراد أسرته ثروة تراوحت بين خمسة مليارات وعشرين مليار دولار، إلى جانب ثلاثة مليارات دولار كانت تسيطر عليها مؤسسة العائلة الخيرية.
كانت كل تلك الثروة، إلى جانب شراهة الإنفاق على التسلح، التي لم تُكبح حتى في أسوأ الأعوام الاقتصادية، كدابة الأرض التي تأكل منسأة الشاه نفسه. وفوق ذلك، اتُّخذت تدابير تقشفية فُرضت عام 1977 لمكافحة التضخم الذي تسبب فيه انهيار أسعار النفط، بعد إغراق السعودية الأسواق بالنفط الرخيص، احتجاجًا على محاولات الشاه فرض تسعيرة أعلى داخل أوبك. وكانت تلك الضربة الأخيرة الموجهة إلى نظام منهك، بعد تخلي واشنطن طواعية عن صمام تويتشل في علاقتها بإيران.
كان من حسن حظ الخميني أن الشاه ترك له ترسانة من السلاح الأمريكي هي الأفضل في الشرق الأوسط بأسره، ورغم النواقص التي ستفرضها الأزمات، مثل أزمة الرهائن وقطع العلاقات الدبلوماسية، كانت تلك الترسانة أكثر من كافية لتمكين النظام الإسلامي من الصمود في وجه حرب طاحنة خاضها العراق بالوكالة عن أمريكا على مدى ثماني سنوات كاملة، خرج منها النظام الجديد والمنطقة كما لم يكونا من قبل.