ترجمة وتحرير: نون بوست
قبل قرابة العامين، وجه الملك عبد الله الثاني رسالة حاسمة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مفادها أن الأردن لن يغدو “ساحة صراع إقليمي”. وقبل ذلك بعقد من الزمن، وأثناء حملته الانتخابية لرئاسة مصر، قطع عبد الفتاح السيسي عهداً مغايراً لدول الخليج مفاده أنه إذا تعرض أمنها لأي تهديد، فإن مصر ستكون “على بعد خطوة واحدة”.
ولكن اليوم، يجد الأردن نفسه في قلب صراع إقليمي بين الولايات المتحدة، حليفه الأقرب، وحكومة عراقجي. أما مصر، فقد تكون على بعد خطوة واحدة، لكنها بقيت في مكانها؛ فبينما تواجه منطقة الخليج أكبر تهديد لها منذ 35 عاماً، لم يقدم السيسي سوى القليل من التصريحات والخطابات الكلامية .
وتُعد الوعود التي نُكثت كاشفة ومفضوحة؛ فالأردن يدفع ثمناً لحرب لا يملك سيطرة تُذكر عليها، بينما تم تهميش مصر كوسيط وقوة عسكرية. ولطالما روج البلدان نفسيهما على أنهما ركيزتان للنظام الإقليمي، لكن هذا النظام يبدو متزعزعاً، وكلا البلدين يبدو تائهاً.
وينظر الأردن، المحاط بجيران أقوى، والخالي من الموارد الطبيعية، إلى العلاقات الوثيقة مع أمريكا على أنها مفتاح بقائه. وفي المقابل، جعلت أمريكا المملكة واحدة من أكبر متلقي المساعدات الخارجية. ويتم نشر آلاف الجنود الأمريكيين في قواعد جوية مثل قاعدة “موفق السلطي” في الصحراء الشرقية، والتي تستضيف أيضًا طائرات مقاتلة وناقلات وقود جوية وطائرات حربية أخرى حيوية لحرب دونالد ترامب مع إيران.
وقد أصبح الأردن بسبب استضافته لهذه القوات هدفاً لأعداء الولايات المتحدة الأمريكية حيث أطلقت إيران ما لا يقل عن 262 صاروخاً وطائرة مسيرة باتجاهه في الشهر الأول من الحرب وحده. كما أن هذا التواجد لا يحظى بالرضا الشعبي. فقد وقع مئات السياسيين والضباط المتقاعدين وغيرهم من الشخصيات الأردنية البارزة مؤخراً على رسالة مفتوحة تدعو إلى انسحاب القوات الأمريكية. ومع ذلك، لا يستطيع الملك الاستجابة لهذا المطلب، لأسباب يعود أغلبها إلى اعتماده على المساعدات الأمريكية ففي العام الماضي، تلقى الأردن أكثر من 1.6 مليار دولار منها (ما يمثل 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي)، وفي هذا الشهر تعهدت أمريكا بتقديم 355 مليون دولار أخرى للبنية التحتية والتعليم ومجموعة متنوعة من المشاريع الأخرى.
ويحتاج الأردن إلى تلك الأموال أكثر من أي وقت مضى مع تدمير الحرب لاقتصاده. فقد أدت الهجمات الصاروخية إلى إلغاء رحلات جوية وإبعاد الزوار، وانخفضت عائدات السياحة، التي تضررت بالفعل بسبب الحرب في غزة، بشكل أكبر مسجلة تراجعاً بنحو 10 بالمئة في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
ويعتمد الأردن أيضاً على الغاز الطبيعي المستورد من إسرائيل لإنتاج نحو نصف احتياجاته من الكهرباء، وقد علقت إسرائيل الصادرات مع بدء الحرب خوفاً من الضربات الإيرانية على منصاتها. وقد أدى ذلك إلى إجبار شركة الكهرباء المملوكة للدولة على التحول إلى الديزل وزيت الوقود الثقيل وشحنات الغاز الطبيعي المسال الفورية، وجميعها خيارات أكثر تكلفة من الغاز الإسرائيلي. وعلى الرغم من استئناف الصادرات في أبريل/ نيسان، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن فاتورة استيراد الطاقة في الأردن ستشهد قفزة بنسبة 36% خلال هذا العام مقارنة بمستوياتها في عام 2025.
وعلى الصعيد السياسي، حاولت إيران تأجيج الانقسام بين الحكومة والشعب، فبينما يطلق الحرس الثوري الإيراني الصواريخ والطائرات المسيرة على المملكة، يبعث برسائل يدعي فيها أنه “ليس لديه عداء” تجاه الشعب الأردني، وأن أمريكا، وليس إيران، هي التي “انتهكت سيادة أراضيكم”. ورغم أن هذه النداءات قد لا تجد صدىً يذكر نظراً لأن العديد من الأردنيين ينظرون إلى إيران باعتبارها تهديداً، إلا أن الحرب تظل تمثل معضلة حرجة لحكومة تعاني أصلاً من السخط الداخلي.
أما الاقتصاد المصري فيصمد بشكل أفضل إذ من المتوقع أن ينمو بنسبة 4.6 بالمئة هذا العام. وقد أفرج صندوق النقد الدولي للتو عن الدفعة الأخيرة بقيمة 1.8 مليار دولار من اتفاقية قرض مدتها أربع سنوات. وما زال قطاع السياحة، الذي يمثل 13 بالمئة من الوظائف، قوياً. فقد زار مصر أكثر من 9 ملايين شخص في النصف الأول من هذا العام، بزيادة قدرها 3 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وللوهلة الأولى، تبدو أهم مصادر مصر للعملة الصعبة، وهي قناة السويس وتحويلات المغتربين، في وضع قوي؛ فقد ارتفعت إيرادات القناة بنسبة 30% لتصل إلى 2.4 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، كما بلغت التحويلات أعلى مستوياتها حتى شهر يونيو. لكن هذه الأرقام الإيجابية قد تكون مضللة ولا تعكس المستقبل، إذ تهدد الهجمات على حركة الملاحة في البحر الأحمر إيرادات القناة، كما أن أي تباطؤ اقتصادي في دول الخليج سيعني تقليل عدد العمالة المصرية وبالتالي تراجع تحويلاتهم. وفي ظل هذه الضغوط، اتجهت الحكومة إلى رفع أسعار الكهرباء بنسبة 12%.
ولكن في الوقت الحالي، تكمن أكبر نقطة ضعف لمصر في مكانتها، وليس في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية. ففي أعقاب الهجوم الذي نفذته حركة حماس في إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أصبح السيسي محط اهتمام بشكل كبير، وذلك يعود إلى العلاقات التي يتمتع بها رؤساء أجهزة الاستخبارات المصرية مع قيادة حماس في غزة والتي تمتد لوقت طويل، بسبب الحدود المشتركة بينهما. وقد زار أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي السابق، البلاد سبع مرات خلال العام الذي أعقب المجزرة، وهو عدد الزيارات الذي يفوق أي دولة أخرى باستثناء إسرائيل. وقد جرت المفاوضات النهائية لوقف إطلاق النار في مدينة شرم الشيخ المصري في أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
ولم يكن لمصر دور يذكر في الحرب مع إيران. فقد تم تهميش دورها كوسيط لصالح باكستان وتركيا ودول الخليج. كما لم يلعب أكبر جيش في العالم العربي دوراً يذكر في الدفاع عن جيرانها، على الرغم من أن دول الخليج قدمت لمصر عشرات المليارات من الدولارات كمساعدات منذ أن استولى السيسي على السلطة إثر انقلاب عام 2013.
ويقول مسؤولون في القاهرة إن دول الخليج تتلقى المساعدة من حلفاء آخرين، وإن مصر تواجه تهديدات أخرى على حدودها. ومع ذلك، فإن تقاعسها قد أزعج حلفاءها. ففي مارس/ آذار، اشتكى أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، من تقاعس الدول العربية “الكبرى” في الوقت الذي تهاجم فيه إيران دول الخليج، متسائلاً: “أين أنتم اليوم في وقت الشدة؟”.
وقد نشرت مصر بالفعل سُرباً من مقاتلات “رافال” في الإمارات – على الرغم من أنها لم تعلن عن ذلك إلا في شهر مايو/آيار، أي بعد شهر بالضبط من دخول وقف إطلاق النار الأولي بين أمريكا وإيران حيز التنفيذ. وكان غيابها ملحوظ بشكل كبير في 7 أغسطس/آب، عندما وقعت السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، رغم أن المسؤولين السعوديين أشاروا إلى أنها قد تنضم لاحقاً. ومع ذلك، فإن البقاء خارج الحرب لم يجلب لها الحماية؛ فقد ارتفعت تكاليف وارداتها من الطاقة من الخليج أيضاً، وفي الشهر الماضي، ضربت طائرة مسيرة منشأة للغاز الطبيعي في مدينة دمياط على ساحل مصر المطل على البحر المتوسط.
ويمثل هذا الاتفاق الثلاثي لمحة عن مستقبل الشرق الأوسط؛ فخشيةً من عدم قدرتهم على الاعتماد على أمريكا بعد الآن، ستحتاج دول المنطقة إلى تحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعها عن نفسها. وسيكون ذلك وضعاً غير مريح لكل من مصر والأردن، كما تظهر وعودهما التي نُكثت.
المصدر: الإيكونوميست