ترجمة وتحرير: نون بوست
يصل مفلح كناني إلى عتبة منزله مترنحًا وهو يخرج منه، ممسكًا بإطار الباب بيد، وبعكاز المشي باليد الأخرى. يكاد يسقط فيهرع صديقاه اللذان جاءا لزيارته نحوه ويساعدانه بوضعه على كرسي متحرك، ثم يجلسون معًا يشربون الشاي ويتبادلون أطراف الحديث في فناء المنزل الصغير، المحاط بأشجار الزيتون والدجاج والأوز، بالقرب من بلدة اليادودة في محافظة درعا، جنوبي سوريا.
يرتدي كناني، البالغ من العمر 41 عامًا، بيجامة سوداء تعلوها سترة صوفية سميكة. ويجلس في زاوية مشمسة لتدفئة عظامه بعد أسابيع من البرد القارس الذي شهدته القرية في فبراير/ شباط. وعندما يرن هاتفه، يخرجه من جيبه ويقرّبه إلى عينيه على بعد بضع بوصات فقط، ثم يقرر عدم الرد ويعيده إلى مكانه. فبصره محدود للغاية. وإلى جانب ضعف جسده، أصيب لسانه بالشلل لفترة من الوقت، ما جعله عاجزًا عن الكلام، قبل أن يستعيد قدرته على النطق تدريجيًا.
وآلت حال الرجل إلى ما هي عليه نتيجة محاولة تسميم كادت تودي بحياته، لكنه نجا منها بمحض الصدفة. ونُفذت المحاولة في مكتب المقدم محمد العيسى، مسؤول الأمن في الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد، في مدينة درعا مطلع مايو/ أيار 2019.
كان كناني أول شخص يُستهدف بمحاولة تسميم في المحافظة، لتدشّن تلك الحادثة سلسلة من الاغتيالات ومحاولات الاغتيال بالسم طالت ما لا يقل عن 24 شخصًا، بينهم 19 قائدًا ومقاتلًا سابقًا في المعارضة المسلحة وخمسة مدنيين، من بينهم طفلان، وفقًا لتوثيق أجراه كاتب هذا التقرير. وقد توفي أربعة ممن تعرضوا للتسميم لاحقًا، بينما لا يزال الباقون يعانون مضاعفات دائمة، فيما تعافى بعضهم تدريجيًا. غير أنّ حالة كناني لا تزال الأكثر خطورة بين جميع الناجين.
وجاءت محاولة اغتياله في سياق موجة معقدة ومتبادلة من الاغتيالات السياسية، شاركت فيها الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد، وفصائل المعارضة المسلحة، وهيئة تحرير الشام، وتنظيم الدولة، عقب سقوط محافظة درعا. وجاءت سيطرة النظام عليها إثر حملة عسكرية مدعومة من روسيا في صيف 2018 استهدفت المدينة التي أشعلت شرارة الانتفاضة السورية في مارس/ آذار 2011.
وأودت عمليات الاغتيال بحياة 1422 شخصًا في المحافظة بين عامي 2018 و2024، حتى سقوط النظام، وفقًا لتوثيق أجراه “تجمع أحرار حوران”، وهي مؤسسة إعلامية تغطي أخبار جنوب سوريا. وقد خلّفت هذه العمليات جرحًا عميقًا في النسيج الاجتماعي المحلي، ونُفذت معظمها عبر إطلاق النار وزرع العبوات الناسفة، لكن كانت هناك وسيلة صامتة أيضًا: السم، وهي الوسيلة التي استُخدمت لاستهداف مفلح كناني.

ينحدر كناني من أسرة متواضعة ترجع أصولها إلى مرتفعات الجولان الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وقد نزحت الأسرة إلى محافظة درعا عام 1969، وعملت في الزراعة منذ ذلك الحين. ترك كناني الدراسة في شبابه وعمل مندوبًا للمبيعات في مجال الأدوية، وهي مهنة جعلته معروفًا لدى الصيدليات في أنحاء منطقته في سوريا.
وقد شكّل التهميش الذي مارسه نظام الأسد بحق سكان الجولان النازحين، إلى جانب الفساد الذي عاينه كناني بنفسه، ملامح معارضته للنظام منذ سن مبكرة، حتى أصبح مستعدًا للمشاركة في أي تحرك ضده. وعندما اندلعت الانتفاضة السورية عام 2011، كان كناني من أوائل المشاركين في الاحتجاجات السلمية، وبرز اسمه بعد أن حطم رأس تمثال حافظ الأسد، والد بشار الأسد وسلفه في الحكم، في مدينة درعا.
وفي أعقاب القمع الوحشي الذي مارسه النظام بحق المتظاهرين السلميين، وتحوّل الانتفاضة إلى مسار مسلح، برز كناني كقائد عسكري في صفوف فصائل المعارضة. وبحلول عام 2018، كان يقود نحو 600 مقاتل، وشارك في مئات العمليات والمعارك ضد قوات النظام. واستمرت مسيرته العسكرية إلى أن استعادت قوات النظام، بدعم روسي، السيطرة على محافظة درعا بعد حملة واسعة النطاق في صيف 2018. وبفعل مسيرته ودوره، أصبح كناني أحد الأهداف المبكرة لأجهزة المخابرات التابعة لنظام الأسد.
وفي مقابلة أجراها مؤخرًا مع مجلة “نيو لاينز”، تحدث القائد السابق في المعارضة السورية لأول مرة عن تفاصيل محاولة اغتياله بالسم، والعواقب التي لا يزال يعاني منها حتى اليوم. ويُعتبر كناني أول شخص في جنوب سوريا يحاول نظام الأسد التخلص منه باستخدام السم.
عقب انتهاء الحملة العسكرية الروسية السورية على محافظة درعا عام 2018، فُرضت ما عُرفت باسم “اتفاقات المصالحة” أو “التسويات”، وكان كناني ومقاتلوه قد قاوموا حتى النهاية دفاعًا عن منطقتهم. وبموجب هذه الترتيبات، طُلب من مقاتلي المعارضة وقادتها “تسوية أوضاعهم” مع نظام الأسد، إما بالانضمام إلى صفوفه أو أداء الخدمة العسكرية الإلزامية. أما الذين رفضوا، فقد أُجبروا على ركوب حافلات الإجلاء المتجهة إلى شمال غرب سوريا.
واختار كناني ورجاله البقاء، مؤكدين أنّهم مصممون على حماية مجتمعاتهم والمدنيين من الانتهاكات أو الأعمال الانتقامية التي قد ترتكبها قوات النظام بعد إحكام سيطرتها.
وقال متذكرًا: “لو غادرنا، لكان الجيش عاد لاستعباد الناس، ولأخذوا أخواتنا ونساءنا”.
ويكاد يكون بقاء كناني على قيد الحياة ضربًا من المعجزات، فقد أُصيب ثماني مرات خلال 14 عامًا من الحرب. ووقعت إصابته الأخيرة، قبل تسميمه بفترة وجيزة، عندما دهسته جرافة أثناء إشرافه على تحصين موقع على خط المواجهة في مدينة درعا، ما أسفر عن إصابته بكسورٍ بالغـة وأضرارٍ في أعضائه التناسلية، أجبرته على العيش بقسطرةٍ بولية.
وقال كناني إنّ هناك سببين رئيسيين دفعا ضباطًا سابقين في النظام إلى السعي للتخلص منه بعد سقوط درعا، أولهما أنه أفرغ كيس القسطرة الخاص به على صورة لبشار الأسد أمام ضباط النظام، وقال لهم: “إذا كنتم تقاتلون من أجل بشار، فنحن نقاتل من أجل الوطن”.
وأضاف أنّ السبب الثاني يكمن في أنّه أصبح أحد المفاوضين الرئيسيين مع النظام بعد سقوط المحافظة، وكان يركز بشكل متكرر على المطالبة بأسماء المعتقلين في سجونه، وكشف مصير المفقودين، وضمان عودة الموظفين إلى أماكن عملهم السابقة، وقد رفض النظام هذه الشروط. وقال: “قرروا التخلص مني بسبب إصراري على هذه المطالب وبسبب نفوذي في المنطقة”.
وبحسب كناني، فإن ما عجّل بمحاولة اغتياله هو اكتشاف نظام الأسد خطة وضعها للتسلل إلى الفرقة الرابعة بواسطة رجاله للعمل كعناصر متخفية، بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية ثم استهداف ضباط النظام.
وفي يوم ثلاثاء من مطلع شهر مايو/ أيار عام 2019، حضر كناني، إلى جانب أربعة قادة محليين آخرين، اجتماعًا في مكتب أمن الفرقة الرابعة بمدينة درعا، دعاهم إليه المقدم العيسى، الذي كان يشرف على مكتب الدراسات الأمنية في الفرقة الرابعة ويعمل تحت إمرة ماهر الأسد، شقيق بشار. والعيسى الآن هارب ومطلوب من الحكومة السورية الجديدة بتهمة إدارة خلايا مكلفة باستهداف قادة المعارضة السابقين وأعضائها ونشطائها.
وكان الهدف المعلن للاجتماع هو التوصل إلى مصالحة مع كناني، أما هدفه الخفي فكان التخلص منه باستخدام السم.
ويقول كناني إنّه شعر بالعطش أثناء الاجتماع، فقدم له أحد رجال العيسى زجاجة عصير. وأضاف: “لاحظت طعمًا غريبًا وتقيأت فورًا، ثم غادرنا المكتب. أصبت بالحمى والدوار وتشوش الرؤية. وفي اليوم التالي انهرت وأصبحت عاجزًا تمامًا عن المشي”. ومع مرور الوقت، بدأ شعره يتساقط وأصيب لسانه بالشلل، وفقد وزنه وذاكرته، ولم يعد يتعرف إلى أحد، وأصبح عاجزًا عن النوم.
وقال شقيقه يحيى: “بدأ يتخيل أشياء غير موجودة. وفي إحدى المرات قال لي: أبعد هؤلاء الأشخاص الذين يقفزون على صدري. لكن لم يكن هناك أحد”. وأضاف يحيى: “كان وضعه كما لو أنك فتحت قبرًا وتنظر إلى شخص ميت. كانت عيناه جاحظتين، ولم يكن أي شخص يأتي لزيارته يستطيع تحمل الجلوس حتى لبضع دقائق وهو يراه في تلك الحالة”، مضيفًا أن شقيقه فقد قدرًا كبيرًا من وزنه.
وبحسب إفادات مباشرة وشهادات ومقابلات وتقارير طبية وأدوية راجعتها مجلة “نيو لاينز”، عانى ما لا يقل عن خمسة أشخاص آخرين في درعا، بينهم طفلان، الأعراض نفسها تمامًا بعد تعرضهم للتسميم.
كان يامن المنجر يحمل منجلًا ويعمل في قطعة أرض زراعية صغيرة بالقرب من منزله المتواضع، الذي يقع على بعد نحو ميلين من منزل كناني في قرية اليادودة، شمال غرب درعا، وكان قد عاد لتوه من مناوبة أمنية في وزارة الداخلية التابعة للحكومة الجديدة.
لكن المنجر كان في حالة مختلفة تمامًا قبل ست سنوات: طريح الفراش، عاجزًا عن الحركة أو الرؤية بصورة سليمة، ويعاني من فقدان الذاكرة، بعد محاولة تسميم شبيهة بتلك التي تعرض لها كناني، إذ اعتقلته الفرقة الرابعة في ديسمبر/ كانون الأول 2019، أثناء قيامه بمراقبة نقطة تفتيش عسكرية تابعة للنظام.
وكان المنجر، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 35 عامًا ، مقاتلًا سابقًا في صفوف فصائل المعارضة المسلحة قبل سقوط محافظة درعا عام 2018. وبعد اعتقاله، نُقل إلى مقر “سرية الاقتحام 215” التابعة للمخابرات العسكرية في دمشق، حيث تعرض للتعذيب. ويتذكر قائلًا: “أرادوا مني أن أعترف بقتل جنديين روسيين”، وهي حادثة وقعت في نوى، غربي درعا، عام 2019.
وتابع المنجر قائلًا: “لم تكن لي أي علاقة بذلك، لكن عندما قيدوني بالكرسي الكهربائي وتركوني تحت المطر، اعترفت بكل ما أرادوا مني الاعتراف به، بما في ذلك قتل الجنود الروس”.
وكان زملاء المنجر الموجودون في الخارج قد اختطفوا ضباطًا من نظام الأسد من نقطة تفتيش عسكرية لمبادلتهم بالمنجر، الذي كان محطمًا نفسيًا داخل السجن وينتظر مصيره، دون أن يعلم شيئًا عن عملية التبادل. ويتذكر كيف تغيرت معاملتهم له فجأة في إحدى الليالي بعد مرور أسبوعين، وتابع قائلًا: “بدأوا يعاملونني بشكل جيد وسمحوا لي بالاستحمام، ففوجئت. ثم أخبروني بأنه قد حُكم عليّ بالإعدام”.
وفي اليوم التالي، اقتادوه إلى الضابط المسؤول عن المنطقة في الساعة السابعة صباحًا.
يتذكر المنجر قائلًا: “كان على مكتب الضابط كأس شاي وفنجان قهوة، وسألني عما أريد أن أشرب. فأجبت بأنني لا أريد شيئًا، ثم قلت، خوفًا من التعرض للتعذيب مجددًا: “سأشرب أي شيء تريده”. أخذت كأس الشاي، وكان باردًا، وشربته. وشربت فنجان القهوة أيضًا، فقال لي الضابط: “هكذا، أنت بطل”.

أُمر الرجال بعد ذلك بنقله إلى درعا، فوضعوه في سيارة بيضاء من طراز “كيا فورتي”، واقتادوه إلى مكتب العميد لؤي العلي، رئيس فرع المخابرات العسكرية في درعا.
كان العلي ضابطًا رفيع المستوى، ينحدر من مدينة طرطوس الساحلية، وقد تولى إدارة المخابرات العسكرية في درعا، وخضع لعقوبات أمريكية وأوروبية وبريطانية بسبب دوره في قمع الاحتجاجات عام 2011 وتعذيب المعتقلين. كما اتُّهم العلي بتدبير عمليات اغتيال في محافظة درعا ألحقت دمارًا بالمنطقة بعد عام 2018، واستمرت حتى بعد انهيار النظام، قبل أن يفر إلى مكان مجهول في ديسمبر/ كانون الأول 2024.
وعندما دخل المنجر مكتب العلي، الذي تحوّل بعد ذلك إلى فرع لمكافحة الإرهاب مكلف بملاحقة فلول نظام الأسد، وجد اثنين من أقاربه في انتظاره، إلى جانب لجنة تفاوض تضم وجهاء محليين توسطوا في صفقة التبادل. وقال له العلي: “ارفع يديك. اخفضها. اجلس. قف”. ثم قال للجنة: “لقد رأيتموه، لا يوجد به شيء. يمكنكم أخذه”.
أصيب المنجر بالذهول من قرار إطلاق سراحه، فلم يكن يعلم بعد شيئًا عن صفقة التبادل، ولا عما وُضع في القهوة والشاي اللذين شربهما في دمشق.
وصل إلى منزله والتقى بأصدقائه وأقاربه، لكن روى ما حدث في اليوم التالي قائلاً: “لم أعد قادرًا على المشي، وبدأ الشعر في جسدي كله يتساقط. وبدأت أفقد ذاكرتي، وأحدق شاردًا في الحائط. ولا أتذكر كثيرًا من الأشياء التي حدثت خلال تلك الفترة”. ولاحقاً، بدأ رحلة العلاج الطبيعي، وبعد تلقي العلاج في ألمانيا، تحسنت حالته تدريجيًا.
وقال: “كانت فترة صعبة للغاية. كنت على وشك قتل زوجتي وشقيقي بسبب الهلوسات”. وحتى اليوم، وبعد ست سنوات، لا يزال يعاني آثارًا مستمرة، من بينها آلام عصبية في قدمه. وأضاف: “لا أستطيع الركض أو حمل أوزان ثقيلة كما كنت أفعل من قبل، وأعاني ضعفًا في البصر واستجماتيزم”.
يجلس عامر، البالغ من العمر خمس سنوات، في غرفة تجمع العائلة في إحدى قرى محافظة درعا، ويلعب مع أطفال آخرين بينما ترتجف يده. وكانت ابنة عمه، التي تدرس الآن في الصف التاسع، موجودة في المنزل نفسه. وعندما تكتب واجباتها المدرسية، ترتجف يداها، وأحيانًا لا تستطيع إكمالها. ولا تزال تعاني أيضًا آلامًا في العظام، فيما يؤدي الطقس البارد إلى إصابتها بالرعشة، بحسب والدتها التي طلبت عدم الكشف عن هويتها. وقالت الأم، وهي تقف بجوار ابنتها بينما كان الصبي يلعب على الأرض: “كاد الأطفال أن يموتوا، لكنهم نجوا”. وأحيانًا تنسى الفتاة أشياء حفظتها للامتحانات.
واستُهدف الأطفال في عملية تسميم، دبرها العلي على الأغلب، فقد اعتقل رجال العلي شخصًا من المنطقة نفسها التي كان يقيم فيها الطفلان، وابتزوا شقيقه لوضع السم لثلاثة من كبار قادة المعارضة كانوا يختبئون في المنزل الذي كان يعيش فيه الطفلان وعائلتهما. ووافق شقيق المعتقل، وتظاهر بأنه سيستضيف القادة على العشاء، وجلب معه الطعام والمشروبات إلى المنزل، وكان القادة الثلاثة يجلسون في غرفة أخرى عندما أحضر الرجل العشاء، إلى جانب 13 علبة من عصير التفاح.
وضَعَ الرجل ثلاث علبٍ مسمومة على صينية كان من المفترض تقديمها للقادة الثلاثة، وترك عشر علب للحاضرين الآخرين. لكن الخطة فشلت عندما حمل أحد الحاضرين الصينية التي تضم العلب العشر لتقديمها إلى القادة. رفض اثنان من القادة الشرب، بينما ذهب الثالث لتناول العشاء مع الآخرين وشرب علبتين مسممتين، وترك واحدة دون أن يمسها أحد. وبعد مغادرة الجميع، دخلت الفتاة إلى غرفة التجمع وهي تحمل الطفل، ورأت علبة عصير لا تزال مغلقة، فشربت منها وأعطت الطفل منها أيضًا، وفقًا لرواية العائلة.
وبعد نحو أسبوع، مرضت الفتاة والطفل وقائد المعارضة في الوقت نفسه، كلٌّ منهم في مكان مختلف، وظهرت عليهم أعراض مشابهة لتلك التي عانى منها كناني والمنجر. وقال والد القائد: “في البداية، اعتقدنا أنها إنفلونزا. وبعد نحو أسبوعين، بدأ شعر جسده كله يتساقط. وبدا مشوهًا للغاية. ذهبت لأرى حالة الفتاة، فوجدت وضعها أسوأ بكثير”.
وتابع قائلًا: “قال لي أحد المنتسبين إلى المخابرات العسكرية في ذلك الوقت: اذهب إلى ابنك، لقد تناول السم”. وأضاف أن فم ابنه كان متورمًا، وأنه فقد بصره ووزنه كما يفقدهما مريض السرطان، كما فقد ذاكرته، وبدأ يرى الموتى. لم أستطع تحمل الدخول لرؤيته”.
وذكر والده وشقيقه أنهما أعطياه أدوية متعددة، من بينها عقار “راديوجارداز” الألماني، المستخدم لعلاج أنواع معينة من التسمم، وبعد ذلك تحسنت حالته تدريجيًا وبدأ يتعافى. ومع ذلك، ظلّ يعاني من بعض المضاعفات. ويتذكران قائلين: “كان يسقط من دراجته عندما يحاول ركوبها”.
وتلقى الطفلان وقائد المعارضة الدواء الألماني إلى جانب علاجات أخرى، وتحسنت حالاتهم في نهاية المطاف. غير أنهم ما زالوا يعانون آثارًا مستمرة، ولا يزالون يتلقون حقن الفيتامينات.
وفي 15 أغسطس/ آب 2022، قُتل قائد المعارضة أثناء وجوده برفقة شخص آخر، عندما أُطلق النار عليهما بالقرب من مدينة درعا. وقال والده إنه ينتظر أن ترسخ الدولة الجديدة سلطتها حتى يتمكن من رفع دعوى ضد العملاء الذين سمموا ابنه ثم قتلوه لاحقًا: “أريد حقوقي وحقوق ابني”.
وكشف قائد سابق في المعارضة المسلحة من المنطقة نفسها التي وقعت فيها عمليات الاغتيال بالسم، والذي نجا هو نفسه من محاولة تسميم، لمجلة “نيو لاينز”، شريطة عدم الكشف عن هويته، أنّ مصدر السم كان روسيا، الحليف القديم لنظام الأسد. وتشتهر روسيا بتسميم خصومها في الخارج للتخلص منهم، وكانت أحدث الحالات البارزة تسميم ضابط الاستخبارات العسكرية الروسية والجاسوس البريطاني المزدوج سيرغي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبوري بإنجلترا في مارس/ آذار 2018، وهو العام نفسه الذي بدأت فيه عمليات الاغتيال بوسائل مختلفة في محافظة درعا جنوبي سوريا.
وبحسب القائد، زود الروس بعض فروع الاستخبارات التابعة لنظام الأسد بمواد لتنفيذ عمليات اغتيال سرية، من بينها السموم ومسدسات روسية الصنع عيار 9 ملم مزودة بكواتم صوت. وقد وُثقت عملية اغتيال واحدة باستخدام هذه الأسلحة الكاتمة للصوت، تمثلت في قتل علاء الزوباني، إمام مسجد وقاضٍ سابق في محاكم المعارضة، في فبراير/ شباط 2019. ونُشرت لاحقًا تسجيلات مصورة تظهر اعتراف المنفذ، الذي قُتل لاحقًا، بتنفيذ عملية الاغتيال، وقال فيها إنّ المخابرات الجوية أمرته بتنفيذ الهجوم.
وبعد عام 2018، لعبت روسيا دور الضامن في جنوب سوريا، وصورت الوضع على أنه مستقر في محاولة لإعادة تأهيل نظام الأسد، غير أن استمرار الانتفاضات المحلية والمقاومة المسلحة ضد النظام قوض الرواية الروسية. وقال القائد إنه نتيجة لذلك: “سمح الروس للنظام بتنفيذ عمليات الاغتيال للسيطرة على الوضع الأمني، بشرط أن تكون الأمور هادئة. ولهذا زودوهم بالسموم والمسدسات الكاتمة للصوت”.
ولم تتمكن مجلة “نيو لاينز” من الحصول على عينة من السم، أو تحديد مصدره، أو التحقق بصورة مستقلة من رواية القائد.
وتعرض قائد المعارضة نفسه لعدة محاولات اغتيال دبرها نظام الأسد، شملت إطلاق النار، وزرع عبوات ناسفة خارج منزله، وهجمات بطائرات مسيّرة، والتسميم، ونجا منها جميعًا. وفيما يتعلق بمحاولات التسميم، قال إن عميلًا مزدوجًا اقترب منه وأخبره بأن العلي أمره بإعطاء القائد سمًا مقابل المال، وأعطاه العميل حبتين تشبهان أقراصًا مضادة للالتهاب، تحتويان على مسحوق السم. فأعاد القائد الحبتين إليه، ودبّرا سيناريو تعرض أحد رجاله لـ”التسمم”. ونُقل الرجل إلى المستشفى، حيث حاولت ممرضة موالية للعلي إنهاء المهمة بحقنه بالسم، بحسب رواية القائد.
ولكن عندما وصلت الممرضة، أجبرتها الإجراءات الأمنية المشددة على المغادرة، وقيل لها إن ممرضة أخرى ستكون مسؤولة عن مراقبة المريض، وإن وجودها غير مطلوب. وبعد ذلك، أتلف القائد السم.
أما الهدف الأساسي، كناني، فقد كان يستشير الأطباء سرًا في درعا ودمشق بمساعدة ضابط شيشاني في الجيش الروسي كان متمركزًا في سوريا، ولم يكن الأطباء يعرفون ما حدث له، ما أسهم بحسب قوله في تفاقم حالته الصحية. وقد شخّصه أحد الأطباء في البداية بالحمى المتوسطية، بينما شُخّص خطأً في دمشق بمتلازمة غيلان-باريه، ثم غادر كناني سوريا متوجهًا إلى أربيل في العراق، مرورًا بلبنان، وهو مصاب بالشلل على كرسي متحرك. ولعدم امتلاكه الإمكانات المالية اللازمة للعلاج في أربيل، انتقل إلى تركيا وأقام في إسطنبول.
وبحسب تقرير صادر عن مركز طبي خاص في إسطنبول، فقد كان كناني “يعاني آلامًا في القدمين والمفاصل والعضلات، وفقدان البصر، وضعفًا عضليًا، وعدم استقرار في المشي، وشللًا في الجزأين العلوي والسفلي من الجسم”. ويشير التقرير إلى أنه “تعرض للتسمم بالغاز أثناء الحرب”، مؤكدًا أنه “يحتاج إلى علاج طبيعي طويل الأمد وغير قادر على الحركة بشكل مستقل”.
أما الضحايا الآخرون الذين تحسنت حالاتهم تدريجيًا، مثل المنجر والطفلين، فيعود تعافيهم بدرجة كبيرة إلى عقار “راديوجارداز”، لكنه لم يكن متاحًا عندما تعرض كناني للتسمم، ولم يتلقه في البداية.
ويُستخدم عقار “راديوجارداز”، الذي يتجاوز سعره 200 دولار في الصيدليات الأوروبية، عادة في حالات نادرة وخطيرة، مثل التسمم بالثاليوم أو التعرض الداخلي لمواد مشعة مثل السيزيوم. ويحتوي الدواء على مادة تُعرف باسم “الأزرق البروسي”، ترتبط بهذه العناصر في الأمعاء لمنع دخولها إلى مجرى الدم، وبالتالي تسرع التخلص منها من الجسم، وفقًا للمصادر المتاحة عبر الإنترنت. ويؤكد ذلك فابيان بيتر شتاينمتز، كبير خبراء السموم في شركة “دلفيك إتش إس إي”، في مقابلة مع مجلة “نيو لاينز”.
وظل كناني يعاني في إسطنبول إلى أن عاد أخيرًا إلى منزله في سوريا، بعد أسبوع من سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. وتوجه إلى مدينة درعا، حيث استعاد ذكريات الأيام الأولى للثورة. وأسّس كناني مع أصدقائه جمعية لدعم الأشخاص الذين أصيبوا في الحرب. كان الدافع وراء ذلك، إلى جانب معاناته الشخصية، أنه كان جالسًا في درعا واقترب منه رجل مصاب بجروح بالغة زحفًا ليتحدث إليه، وصُدم كناني عندما علم أن الرجل لا يستطيع تحمل تكلفة شراء كرسي متحرك أو مشاية، ما دفعه إلى تأسيس الجمعية والبدء في مساعدة المصابين. ووفقًا لكناني، فقد وثقوا 1800 حالة إصابة، بينها حالات العمى وبتر الأطراف والشلل الرباعي.
ومع انتهاء الحرب وسقوط نظام الأسد، يتمنى كناني لو أنه يستطيع العودة إلى الحياة المدنية التي عرفها قبل عام 2011، واستئناف روتينه الطبيعي وعمله في توزيع الأدوية. إلا أن آثار التسمم الذي تعرض له قد تحول دون ذلك إلى أجل غير مسمى.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، سافر إلى الأردن لمدة تقارب الأسبوعين للخضوع لفحوصات واختبارات جديدة، وقال إن الطبيب فوجئ بأنه لا يزال على قيد الحياة.
وقال: “أخبروني أنني بحاجة إلى علاج طبيعي مستمر حتى أتمكن من المشي، لكنه مكلف للغاية، ولا أستطيع تحمل تكلفته”.
المصدر: نيولاينز