“لا يستطيع الأمريكيون تحمّل فكرة وجود مشكلة من دون حل. فهم، من بين الشعوب كافة، الأقل قدرة على التعايش سلميًا مع أمر يستعصي على الحل، سواء كان من حولهم أو بين ظهرانيهم. إن ما يُعرف بالوضع الإنساني، بمعنى الخضوع للمحتوم والإخفاق، يدفع بهم إلى المعالجين النفسيين، أو إلى سباق محموم بحثًا عن بدائل توحي بالقوة، مثل المال وتحطيم الأرقام القياسية في شتى الميادين. لذا، فإن أكبر خطر قد يواجه العالم هو: العجز الأمريكي”. — رومان غاري، “بطاقتك لم تعد صالحة”.
انطلاقًا من اللحظة الراهنة، يدور كثير من الحديث حول احتمال أن تصبح إيران المستنقع الأمريكي الجديد، فتدفع واشنطن إلى الخروج من الشرق الأوسط أخيرًا، أو الاكتفاء، في الحد الأدنى، بحضور باهت. وتكشف نظرة إلى التاريخ أن صفة “المستنقع” قديمة قِدم حربَي أفغانستان والعراق، وتفاقم سياسات “الحرب على الإرهاب” التي انتهجتها واشنطن في المنطقة.
هكذا دخلت هذه الفرضية عقدها الثالث، وما زالت تنتقل من حدث إلى آخر. وفي هذه المقالة، التي تختتم ملفًا طويلًا، نحاول تقديم قراءة تبحث في ماهية الوجود الأمريكي في المنطقة: أهو وجود آني أم سرمدي؟ وهل تمليه إرادة أمريكية حرة، أم تجد واشنطن نفسها متورطة فيه خلافًا لإرادتها؟
وقبل الإجابة، علينا العودة إلى لحظة المجد الأمريكي نفسها؛ فمن مفارقات التاريخ أن الأزمات كلها وُلدت من تلك اللحظة بالذات.
اللحظة أحادية القطب ومنطقة فراغ القوة
في مطلع تسعينيات القرن العشرين، بدا كل شيء معدًّا لاستعراض مسرحي لا يقوده سوى بطل واحد: الولايات المتحدة، التي ورثت العالم تقريبًا. وانتشر حينها الحديث عن نهاية التاريخ، وعن رؤية تعتبر لحظة المجد الأمريكي ذروة ما يمكن أن يبلغه التاريخ البشري، كما طرح المفكر فرانسيس فوكوياما.
وإلى جانب فوكوياما، احتفى تشارلز كراوثامر باللحظة من منظور آخر يتصل بالشرق الأوسط. ففي مقالته “اللحظة أحادية القطب“، جادل بأن النظام العالمي بعد الحرب الباردة يقوم في حقيقته على قطب واحد، تمثله الولايات المتحدة على رأس الغرب الصناعي.
ورأى أن تفوقها ينبع من كونها الدولة الوحيدة التي تملك من القدرات العسكرية والدبلوماسية والسياسية والاقتصادية ما يؤهلها لأداء دور حاسم في أي صراع، وفي أي بقعة من العالم تختار التدخل فيها.
كانت أزمة الخليج وحرب تحرير الكويت الاختبار الأول لهذه القوة ولهذا العالم الجديد. وقد احتفى كراوثامر كثيرًا بالنجاح الذي تحقق فيه، ورسّخ الشعور بالتفرد الأمريكي.
وفي المقابل، كان الشرق الأوسط مسرحًا مهيّأً. ففي كتابه “انفجار المشرق العربي: من تأميم قناة السويس إلى غزو العراق”، يصف جورج قرم المغناطيس الذي جذب الولايات المتحدة إلى المنطقة. تمثلت أزمة الشرق الأوسط في أن مجتمعاته لم تشهد تحولًا حقيقيًا نحو الحداثة العسكرية، رغم الانقلابات والاضطرابات المتعددة. وقد جرى التعامل مع المنطقة باعتبارها عاجزة عن تحديد هويتها وتأكيدها، وفرض احترامها واحترام فضائها الجغرافي، فتحولت إلى منطقة فراغ للقوة.
وكان هذا الفراغ العسكري تعبيرًا عن فراغ أكبر في التماسك المجتمعي والثقافي والسياسي، كما عكس غياب التحولات الاقتصادية والمؤسساتية الجذرية، التي يستحيل من دونها بناء قوة عسكرية في أي مجتمع معاصر وتأمين هيبتها. لذلك، ظلت المنطقة تفتقر إلى بنية واضحة، في ظل غياب مجتمعات متماسكة ضمن حدودها الجغرافية، وهويات معترف بها ومحترمة.
وما إن اختفى الاتحاد السوفيتي من مشهد الشرق الأوسط حتى أفرطت الولايات المتحدة في تدخلاتها في المنطقة، من دون عقبات تُذكر. ومع احتلالها بلاد ما بين النهرين وبغداد عام 2003، ورثت واشنطن إرث الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية التي سبقتها إلى السيطرة على المنطقة.
المفارقة التي غابت عن كراوثامر هي أن القوة غير المقيدة تحمل في داخلها بذور تقويضها؛ فالدولة المهيمنة التي لا تواجه منافسًا رادعًا تنجرف نحو التوسع المفرط واستنزاف مواردها، وتستثير مقاومة تُضعف موقعها في نهاية المطاف، ضمن سلسلة من الأخطاء المتراكمة.
وقد تنبّه الباحث جلبير الأشقر إلى ذلك في كتابه “الشرق الملتهب: الشرق الأوسط في المنظور الماركسي”. إذ رأى أن أزمة واشنطن تمثلت في عجزها عن إدراك أن القضاء على الشيوعيين والإفلاس التاريخي لفكرة القومية العربية أزالا قناتين من قنوات التعبير عن الاستياء المناهض للإمبريالية، فيما بقي الاستياء من الإمبريالية ذاتها قائمًا.
وانصبّ ذلك الاستياء مجددًا في قناة قديمة جديدة، كانت واشنطن وحلفاؤها قد سخّروها ضد الشيوعيين والقوميين طوال ثلاثة عقود: السلفية الجهادية، التي برزت قوةً صاعدة واستطاعت أن تعادي الغرب بالقوة والتعصب نفسيهما. وكانت تلك الكراهية دافعًا لعجلة التاريخ في الشرق الأوسط؛ ففي غضون عقد واحد فقط، وجدت واشنطن نفسها في قلب عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.
الجني يخرج من القمقم
ولّد عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، أو عالم “الحرب على الإرهاب”، حافزًا جوهريًا ومختلًا، تحدث عنه الباحث في سياسات الشرق الأوسط غريغوري غوس الثالث، ففي إقليم تسكنه قوى صغرى ويخلو من منافسين عالميين محتملين، تنزع القوة العظمى إلى التصرف كقوة مراجِعة تسعى إلى تغيير الوضع القائم.
ومن هنا يمكن تفسير الحربين الأمريكيتين على العراق عامي 1990–1991 و2003، والحرب على أفغانستان عام 2001، والتدخل في ليبيا عام 2011، ودعم تغيير الأنظمة في دول أخرى خلال الربيع العربي.
كان كل ذلك وليد غرور اللحظة أحادية القطب، التي خلّفت حروبًا مكلفة وأخرجت الجني من القمقم، باستعداء طيف واسع من الدول والأنظمة والميليشيات. وقد تحولت هذه الأطراف لاحقًا إلى قوى فاعلة ومعادية ودائمة الحضور، بات على واشنطن التعامل معها إلى أجل غير مسمى.
وكشف الاحتلال الأمريكي الطويل لأفغانستان والعراق حدود التفوق العسكري الأمريكي بوضوح حاد؛ فالقوة الساحقة، القادرة على حسم المعارك الكبرى بسرعة، عجزت في الوقت نفسه عن بناء نظام سياسي مستقر في أي من البلدين. وأسفر ذلك عن فجوة صارخة بين حجم القوة والنتائج الفعلية المتحققة على الأرض في الشرق الأوسط.
في كتابه “تاريخ الاستشراق وسياساته: الصراع على تفسير الشرق الأوسط“، الصادر عام 2004 في خضم حرب العراق، يرى زكاري لوكمان أن مردّ كثير من إخفاقات الولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة يعود إلى ما اعتاد بعضهم تسميته “زهو القوة”.
فمن هذا المنظور، تدفع ممارسة السيادة على الآخرين المرء إلى إغفال ما يجري في الواقع، وخصوصًا القوى والعوامل التي تتحدى أصحاب السلطة. وقد تجلى ذلك سابقًا في فيتنام، حين آمن المسؤولون الأمريكيون إيمانًا راسخًا باستحالة أن يقف ذلك الجيش الرثّ من الفيتناميين، منتعلي الصنادل، في وجه القوة العسكرية الأمريكية فائقة التفوق.
ويعلّق لوكمان قائلًا: “وبعبارة فجة، كثيرًا ما تجعل القوة المتغطرسة مَن يمارسونها أغبياء؛ فتحول بينهم وبين فهم ما يجري من حولهم بدقة، وتدفعهم إلى التقليل، على نحو فادح، من تصميم خصومهم وقدراتهم”.
وهكذا تكررت المأساة الفيتنامية في أفغانستان، ثم في العراق، وها نحن نعيشها الآن في إيران.
ويضيف: “هذا النوع تحديدًا من الانفصال بين الرؤية والحقيقة، وبين السياسة وتداعياتها، هو ما ميّز مرارًا تورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقد شهدت العقود التالية للحرب العالمية الثانية استثمارات عامة وخاصة لتطوير الخبرة بشؤون الشرق الأوسط داخل الولايات المتحدة، بهدف خدمة مصالحها والتزاماتها السياسية والاقتصادية والعسكرية وترسيخها في تلك الساحة البالغة الأهمية للحرب الباردة. لكن السياسات الأمريكية جاءت بنتائج عكسية مرارًا، حتى وفق معايير أهدافها المعلنة”.
وبعد سنوات قليلة، جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتضيف طبقة أخرى إلى تآكل ذلك التفوق، وتثير أسئلة عن قدرة النظام الاقتصادي والمالي، الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، على الصمود. وفي الوقت نفسه، كانت قوى صاعدة مثل الصين تقبع في الظل وتترقب لحظتها، فيما استنزفت واشنطن نفسها في حروب عديدة ومكلفة في الشرق الأوسط.
دفعت هذه العوامل مجتمعة إلى طرح سؤال جديد عن طبيعة الوجود الأمريكي في المنطقة: أهو وجود تفرضه الإرادة أم تحكمه الحتمية؟ ولاختبار هذه الفرضية، تساءل مفكرون وصناع قرار أمريكيون: هل نحن هنا لأننا قادرون على البقاء، أم لأننا عاجزون عن الانسحاب؟ وقد تجسد هذا السؤال بوضوح في إدارة الرئيس باراك أوباما.
“نصف” استدارة تجاه آسيا
حين وصل أوباما إلى السلطة، بنى خطابه على الانسحاب من الحروب الطويلة والمملة في العراق وأفغانستان. وكان هذا الخطاب يعكس قناعة حقيقية؛ إذ شكّك أوباما بجدية في القيمة الاستراتيجية للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، ورأى أن أهمية المنطقة آخذة في التراجع بفعل عوامل عدة، من بينها تناقص اعتماد الولايات المتحدة على النفط والارتفاع الكبير في كلفة الهيمنة الأمريكية.
وفي حساباته للكلفة والعائد، خلص أوباما إلى أن الشرق الأوسط عصيّ على الإصلاح، وأن انخراط الولايات المتحدة في أزماته يفاقمها، ويجلب عليها مزيدًا من اللوم عن المعاناة التي تشهدها المنطقة.
وفي أواخر عام 2011، أطلقت إدارة أوباما ما عُرف باستراتيجية “إعادة التوازن أو الاستدارة نحو آسيا“. وقامت الخطة على إعادة توجيه الموارد العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية الأمريكية من الشرق الأوسط إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي عُدّت المركز الاقتصادي والاستراتيجي للقرن الحادي والعشرين.
كانت إدارة أوباما تأخذ صعود الصين والثقل الاقتصادي المتنامي لآسيا بجدية. لكن إقدام مواطن تونسي على إحراق نفسه أشعل ما عُرف لاحقًا باسم “الربيع العربي”، وكشف هشاشة خطة الإدارة، التي بدت أقرب إلى أضغاث أحلام.
وفيما كان أوباما يجول في آسيا مسوّقًا استدارته، ويعرضها أمام البرلمان الأسترالي وغيره، وجدت إدارته نفسها غارقة مجددًا في شؤون الشرق الأوسط، قبل أن تستكمل مغادرته أصلًا. دفعتها إلى ذلك حاجات الأمن الاستراتيجي وضغوط الحلفاء التقليديين، وفي مقدمتهم السعودية، التي ألحّت على واشنطن للانخراط في ملفات عدة.
كان العنف يتسع في أنحاء المنطقة؛ فقد اندلعت الحرب الأهلية في سوريا، وانهارت مفاوضات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، وأفضى المسار السياسي المصري بعد سقوط حسني مبارك إلى صعود الإسلاميين.
وتسارعت أحداث الشرق الأوسط إلى حد دفع الباحث السياسي جون فيفر إلى وصف توجه أوباما نحو آسيا ساخرًا بأنه مجرد “نصف استدارة“. وقد كتب عام 2014: “إذا كان أوباما يظن أن مروره السريع عبر المحيط الهادئ سيمنح دفعة إلى استراتيجية الاستدارة الأمريكية نحو آسيا، التي أُحيطت بضجة كبيرة، فقد اكتشف سريعًا أن العالم لا يتجاوب مع خططه المحكمة”.
فجوة ليبمان
وفي العام نفسه، جاء صعود تنظيم “داعش” ليجهض ما تبقى من زخم استراتيجية الاستدارة نحو آسيا، فانخرطت إدارة أوباما مجددًا وبقوة في شؤون الشرق الأوسط.
وفي حوار أجراه الصحفي جيفري غولدبرغ مع أوباما عام 2016، في إطار جرد سياسته الخارجية، أبدى الرئيس رأيه في ما سمّاه غولدبرغ “عقيدة أوباما”، القائمة على التوجه نحو آسيا وتقليص الحضور العسكري في الشرق الأوسط. وقال: “قارن ذلك بجنوب شرق آسيا، الذي ما زال يعاني مشكلات ضخمة، مثل الفقر المدقع والفساد، لكنه يعج بأناس مثابرين وطموحين ومفعمين بالحيوية، يكافحون كل يوم لتأسيس الأعمال، وتحصيل التعليم، والعثور على وظائف، وبناء البنى التحتية. إن التباين صارخ”.
وأضاف، مشيرًا إلى فرط انخراط الولايات المتحدة في الحروب: “إذا كنا لا نتحدث إلى الشباب الطموحين في آسيا وسائر أنحاء العالم، لأن كل ما نفعله هو الانشغال بكيفية تدمير الجوانب الخبيثة والعدمية والعنيفة من البشرية، أو عزلها أو السيطرة عليها، فنحن بذلك نفوّت الفرصة”.
بدت الخيبة حاضرة في كلمات أوباما، الذي كان يطمح إلى توجيه السياسة الخارجية الأمريكية نحو آسيا وتقليص الحضور في الشرق الأوسط. ولعل ذلك كان من حسن حظ آسيا، ومن تعاسة حظنا.
فشلت واشنطن في تثبيت اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، التي مثّلت الركيزة الاقتصادية للاستراتيجية، فيما واصلت الصين ملء الفراغ التجاري عبر ترتيباتها الخاصة.
وكانت الاستدارة تجسيدًا لما يُعرف بـ”فجوة ليبمان“، وهو مفهوم صاغه صمويل هنتنغتون استنادًا إلى تحذير والتر ليبمان من اختلال التوازن بين التزامات الدولة وقدراتها. فعندما تتجاوز الالتزامات ما تسمح به القدرات، ينتهي هذا الاختلال إلى كارثة.
وعلى هذا المنوال، اتسعت الفجوة بين التزامات الولايات المتحدة في آسيا والوسائل المتاحة لتنفيذها، واستمرت طويلًا حتى بدأت تلك الالتزامات تفقد مصداقيتها.
وبحلول أبريل 2026، اضطر الرئيس دونالد ترامب إلى تأجيل زيارته المرتقبة إلى الصين بسبب متطلبات الحرب مع إيران. وأثار ذلك مخاوف في واشنطن، عبّر عنها تقرير لمجلة “فورتشن”، في وقت بات فيه التهديد الصيني أشد وضوحًا. وبدا أن واشنطن تفقد تركيزها مجددًا، فتضحي بمصالحها الاستراتيجية في آسيا لمصلحة انغماس جديد في الشرق الأوسط.
وبعد خمسة عشر عامًا من استدارة أوباما، لا تزال الولايات المتحدة غارقة عسكريًا وسياسيًا في الشرق الأوسط، فيما يبقى حلمها الآسيوي معلّقًا.
وفي وصف هذه العلاقة المعقدة، كانت العبارة الأبلغ ما كتبه روبرت كاغان في معهد بروكينغز، ملخصًا المعضلة بدقة: “يمكننا أن نستدير، لكن لا يمكننا أن نرحل”.
المظلة الأمريكية.. ولو كثرت ثقوبها
يرتبط استمرار الوجود الأمريكي في المنطقة كذلك بمحدودية جدية الحلفاء التقليديين في بناء ترتيبات سياسية وأمنية جديدة. ويشكّل موقف دول الخليج، بحكم امتلاكها أكبر قدر من المصالح المتشابكة مع الولايات المتحدة، مدخلًا كاشفًا لفهم هذه المسألة.
سبق أن عرضنا لحظات تاريخية تخلت فيها واشنطن عن حلفائها، وأسهمت، إلى جانب مواقف أخرى، في تآكل تدريجي ومتراكم لمصداقية الالتزامات الأمريكية في أعين الحلفاء الإقليميين، ولا سيما دول الخليج. كما كشفت حروب السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط أن تعهدات الحماية الأمريكية المطلقة باتت موضع جدل ومراجعة، بعدما اعتُبرت طويلًا من البديهيات البعيدة عن الاختبار الفعلي.
وبدأت دول الخليج فعليًا البحث عن مسارات جديدة للوساطة والضمانات منذ الهجوم على منشآت أرامكو عام 2019، ثم الانسحاب الأمريكي الفوضوي من أفغانستان عام 2021. لذلك، جاء التقارب السعودي الصيني ضمن سياق مفهوم، وأثمر استعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران بوساطة صينية عام 2023، ما عزز صورة الصين وسيطًا موثوقًا وقادرًا على التعامل مع أطراف متناحرة في آن واحد.
والأهم أن هذه الخطوات تندرج ضمن استراتيجية تحوط، هدفها بناء أوراق ضغط إضافية، وتنويع الشراكات، وتطوير أطر إقليمية بديلة، بدلًا من إحلال الصين محل الولايات المتحدة في المنطقة.
وقد تنبّه الباحثان جيمس جيفري وإليزابيث دِنت، من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إلى هذا السلوك الخليجي في مقالتهما “ليس هناك بديل واقعي: لماذا يظل الخليج معتمدًا على الولايات المتحدة؟“. ويرى الباحثان أن الزيارات العلنية إلى بكين أو موسكو، والمناورات العسكرية المشتركة مع روسيا والصين، تؤدي وظيفة رسائل النفوذ أكثر من كونها إعلانات ولاء. وهدفها تذكير واشنطن بأن دول الخليج تملك خيارات أخرى، وستوسع استخدامها إذا تقاعست الولايات المتحدة عن مراعاة مصالحها الأمنية.
وتبدو الحرب الدائرة بالوكالة في اليمن حاليًا كاشفة لهذه المعضلة. فقد بدا “حلف مكة”، المبرم مؤخرًا بين تركيا وباكستان والسعودية، أقرب إلى حبر على ورق، إذ ظل حتى الآن عاجزًا عن ترجمة بنوده إلى استجابة عسكرية فعلية دفاعًا عن المصالح السعودية، في مواجهة هجمات جماعة أنصار الله الحوثية. ووجدت الرياض نفسها مجددًا تطلب من واشنطن تدخلًا عسكريًا، عبر توجيه ضربات إلى الحوثيين تعوّض خسائرها الميدانية.
وتبقى أدوات دول مثل السعودية، حتى الآن، محصورة في التحوط وإرسال الإشارات إلى الولايات المتحدة. فكما يشير الباحث ميناس ليريستيس، تعجز الصين وروسيا عن استنساخ المظلة الأمنية التي توفرها البحرية الأمريكية في الخليج. وتفتقر الصين، على وجه الخصوص، إلى القدرة البحرية والإرادة السياسية اللازمتين لضبط أمن المنطقة.
لذلك، تقوم الاستراتيجية السعودية في جوهرها على إجبار واشنطن على ترقية مستوى التزامها، من خلال معاهدة دفاع مشترك على غرار حلف الناتو، وصفقات تسليح متقدمة، ودعم برنامج نووي مدني، باعتبار ذلك ثمنًا لمنع مزيد من الانجراف السعودي نحو المدار الصيني.
لقد تراجعت فعالية الوجود الأمريكي في المنطقة وقدرته على حماية حلفاء مهمين بحجم السعودية ودول الخليج العربي. وفي المقابل، يظل البديل الاستراتيجي الكامل غائبًا.
وقد حوّل هذا التراجع الحلفاء من شركاء يثقون بالضمانة الأمريكية ثقة مطلقة إلى لاعبين براغماتيين، يديرون علاقتهم بواشنطن بمنطق تأميني تحوطي. والمفارقة أن بحثهم عن بديل ينتهي عمليًا إلى طلب مزيد من الضمانات الأمريكية، وتعميق الاعتماد على الحليف نفسه، ومحاولة تمديد بقائه في المنطقة لأطول وقت ممكن.
خاتمة ملف.. ووجود بلا خاتمة!
في أغسطس الماضي، أدلى توم باراك، سفير الولايات المتحدة لدى تركيا ومبعوثها الخاص إلى سوريا والعراق، بتصريح أثار موجة من السخرية والهجوم. قال باراك: “أُرسل الأنبياء جميعًا إلى هذه المنطقة، الشرق الأوسط؛ لا إلى الكاريبي، ولا إلى أمريكا الجنوبية، ولا إلى أمريكا الشمالية، ولا إلى أستراليا أو الصين”.
وأضاف ساخرًا: “إذا كان الله نفسه لم يستطع حل مشكلاتها، والأنبياء كذلك، فإن احتمال قدرتنا على حلها خلال العام ونصف العام المقبلين ضئيل جدًا”.
يحمل هذا التصريح دلالة بلاغية كاشفة؛ فهو يوضح الدور الذي باتت الإدارة الأمريكية ترسمه لنفسها في قلب الشرق الأوسط، وتبدو عازمة على أدائه لعقود مقبلة. فالفكر السياسي الأمريكي تجاه المنطقة، بعد ربع ألفية على نشوء الولايات المتحدة، يتجاوز منطق تحرك القوى العظمى لملء فراغات القوة، ليقترب من شعور رسولي يحمّل نفسه مسؤولية أزمات الشرق الأوسط، وفق تشخيصه الخاص، ويكاد يختزل حلها في رسول أمريكي.
هكذا، “لا تستطيع الولايات المتحدة — ولا ينبغي لها — الهرب من الشرق الأوسط”. وهذه العبارة هي عنوان مقالة للباحث الأمريكي هال براندز، نشرها معهد “أمريكان إنتربرايز” عام 2024، ضمن النقاش حول سياسة إدارة جو بايدن الخارجية والدفاعية. وعلى قصر العبارة، فإنها تنقسم إلى شقين يحتملان كثيرًا من الكلام.
الشق الأول، “لا تستطيع”، يعبّر عن مأساة الوجود الأمريكي الذي بات يجلب المصائب إلى الولايات المتحدة نفسها، ويلقي بظلاله على سياستها الداخلية.
أما الشق الثاني، “لا ينبغي لها”، فيعبّر عن الرؤية التي ما زال يحملها كثير من الساسة والمفكرين الأمريكيين تجاه الشرق الأوسط، بما تنطوي عليه من شعور بالقوة والمسؤولية و”عبء الرجل الأبيض”، ومن اعتقاد بأن استمرار الولايات المتحدة قوةً عظمى يقتضي بقاءها في المنطقة.
كان غرض مقالة براندز تقريع إدارة بايدن، التي دخلت الحكم متفائلة بإمكان خفض الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، والانسحاب من أفغانستان، والتفرغ لآسيا، ثم وجدت نفسها، في عامها الأخير، تخوض حربًا محدودة في المنطقة.
وخلصت المقالة إلى عظة فحواها الدعوة إلى توسيع نطاق تلك الحرب. إذ يقول براندز: “لماذا تجد الولايات المتحدة صعوبة بالغة في الانسحاب من منطقة تسبب لها هذا القدر من الإحباط؟ من زاوية معينة، تمثل حرب بايدن دليلًا على مصلحة أمريكية راسخة منذ قرون في ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية العالمية.
وهي أحدث تذكير بأن الشرق الأوسط بالغ الأهمية إلى درجة تحول دون تجاهله، وشديد الاضطراب إلى درجة تعجز معها المنطقة عن ترتيب أوضاعها بنفسها. وإذا كان الأمريكيون يتساءلون، عن حق، عن سبب قتال قواتهم وموت بعض أفرادها أحيانًا في سبيل إدارة منطقة مضطربة، فذلك هو عبء القوة المهيمنة التي تسعى إلى تجنب عالم يُترك فيه كل بلد ليدافع عن نفسه بمفرده”.
يمكن التعبير عن تلك المصالح، التي يشير إليها هال من منظور جمهوري أمريكي محافظ، بلغة أخرى، إنها أشبه بحزام ناسف صنعته الولايات المتحدة على امتداد وجودها في المنطقة، ثم ربطت نفسها وحلفاءها به. وهي عاجزة عن نزعه، لأن كل محاولة لفك الارتباط تهدد بتفجير أزمة أكبر، فيما تتجاوز كلفة الحسم العسكري النهائي أي مكسب متوقع. وهكذا، تظل الولايات المتحدة وحلفاؤها مربوطين بهذا الحزام إلى أجل غير مسمى.
ولشرح ذلك بصورة أوضح، يقدم المؤرخ العسكري الأمريكي أندرو باسيفيتش معادلة ذكية في كتابه “حرب أمريكا من أجل الشرق الأوسط الكبير: تاريخ عسكري“. فمن نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 1980، لم يُقتل في القتال داخل الشرق الأوسط الكبير سوى عدد يكاد لا يُذكر من الجنود الأمريكيين. ومنذ عام 1990، وبالتزامن مع لحظة المجد الأمريكي، تركزت وفيات الجنود الأمريكيين في القتال، بصورة شبه كاملة، داخل هذه المنطقة.
ويلخص الباحث في السياسة الخارجية بروس ريدل الفكرة بعبارة أكثر براعة، حين يقول: “اكتشفت واشنطن أن الدخول سهل، أما الخروج فيبدو مستحيلًا”.
وحتى عندما تتحلى الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالجرأة السياسية اللازمة لطرح خفض حقيقي للوجود العسكري في الشرق الأوسط، تصطدم بعقبة نظرية أخرى راسخة في العقل الاستراتيجي الأمريكي: نظرية فراغ القوة، التي سبقت الإشارة إليها. فهي التي دفعت الولايات المتحدة إلى الانخراط الكامل في المنطقة، وهي التي تحولت لاحقًا إلى مصدر رعب يقيّد أي محاولة للخروج.
ففي مقالة نشرتها مجلة “فورين بوليسي”، يرى الأدميرال المتقاعد غاري روغهيد والباحث سيث كروبسي أن أي انسحاب أمريكي سيفتح الباب أمام تمدد صيني أو روسي أو إيراني. وقد تجد الولايات المتحدة نفسها، نتيجة ذلك، مضطرة إلى القتال للعودة إلى المنطقة، ومنع خصومها من إحكام قبضتهم على موارد الطاقة ومساراتها.
في المحصلة، تبقى نظرية فراغ القوة إطارًا في علم العلاقات الدولية، وليست حقيقة مثبتة علميًا. لكن رسوخ الاعتقاد بها يكفي وحده لشلّ أي قرار سياسي جاد بالانسحاب.
وهذا يعيدنا إلى كلمات بن رودس، مستشار الرئيس باراك أوباما، التي نقلها تريتا بارسي في كتابه “خسارة عدو: أوباما وإيران وانتصار الدبلوماسية”. ففي تعليقه على محاولة أوباما الخروج من الشرق الأوسط، قال: “يبقى تجنب التورط في الشرق الأوسط أسهل قولًا منه فعلًا، خصوصًا لقوة عظمى لا تعترف بحدود قوتها؛ إذ تتوجس نخبها السياسية من أي مظهر للضعف، ويتحمس مواطنوها للتدخل في كل نزاع على هذا الكوكب”.
وإذا أردنا خاتمة لهذه المقالة ولهذا الملف، فلعل أفضلها جملته الساخرة حين أضاف مازحًا: “تشعر مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية بانزعاج شديد لمجرد إدراكها أن أحدًا يعرف، حقًا، حدود النفوذ الأمريكي. فهذا الإدراك ليس مدونًا أصلًا في الوصف الوظيفي لأي معلق أو مفكر في السياسة الخارجية الأمريكية”.
في الميثولوجيا الرومانية، للإله يانوس وجهان: أحدهما يتطلع إلى الأمام، والآخر شاخص إلى الماضي. وهكذا يبدو الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، عالقًا في حيرة يانوس؛ بعين تتطلع إلى الرحيل، وأخرى يشدها الماضي إلى البقاء.
