نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
مشروع سكة الرياض–غازي عنتاب يتحول إلى اختبار للبنية التحتية في أربع دول
قطار من الخليج إلى أوروبا.. ما الذي ينقص مشروع الرياض غازي عنتاب؟
نون بوست
حلب وغازي عنتاب.. شراكة المدن التي قد تغيّر اقتصاد المشرق
نون بوست
محمد صلاح وأسطورة المهاجر المثالي
نون بوست
نهاية التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل
سؤال الانتخابات يتجاوز شخص نتنياهو إلى قدرته على تحويل الليكود وشركائه إلى كتلة حاكمة
طريق الـ61 مقعدًا.. كيف تتوزع خريطة التحالفات بانتخابات “إسرائيل” المقبلة؟
نون بوست
صفقة جبل الزيت.. لماذا باعت مصر أكبر محطة رياح في إفريقيا لشركة إماراتية؟
نون بوست
منظمة “شراكة”: كيف تصنع إسرائيل عربًا يدافعون عنها؟
أكبر محطة توليد كهرباء في سوريا، في دير علي، جنوب دمشق، 20 مايو/أيار 2025 (رويترز)
عمالقة الطاقة في سوريا.. خريطة الدول والشركات المستثمرة بعد رفع العقوبات
نون بوست
الاتفاق الأمريكي–الإيراني كما تراه “إسرائيل”: إجماع على القلق وانقسام على المسؤولية
نون بوست
ما سبب التقارب التركي مع الناتو رغم الأزمة التي يمرّ بها الحلف؟
نون بوست
حروب بلا مخرج.. كيف أساءت القوى الكبرى فهم الدول التي هاجمتها؟
نون بوست
التوغل السوري في لبنان أكبر خطأ قد ترتكبه واشنطن 
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
مشروع سكة الرياض–غازي عنتاب يتحول إلى اختبار للبنية التحتية في أربع دول
قطار من الخليج إلى أوروبا.. ما الذي ينقص مشروع الرياض غازي عنتاب؟
نون بوست
حلب وغازي عنتاب.. شراكة المدن التي قد تغيّر اقتصاد المشرق
نون بوست
محمد صلاح وأسطورة المهاجر المثالي
نون بوست
نهاية التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل
سؤال الانتخابات يتجاوز شخص نتنياهو إلى قدرته على تحويل الليكود وشركائه إلى كتلة حاكمة
طريق الـ61 مقعدًا.. كيف تتوزع خريطة التحالفات بانتخابات “إسرائيل” المقبلة؟
نون بوست
صفقة جبل الزيت.. لماذا باعت مصر أكبر محطة رياح في إفريقيا لشركة إماراتية؟
نون بوست
منظمة “شراكة”: كيف تصنع إسرائيل عربًا يدافعون عنها؟
أكبر محطة توليد كهرباء في سوريا، في دير علي، جنوب دمشق، 20 مايو/أيار 2025 (رويترز)
عمالقة الطاقة في سوريا.. خريطة الدول والشركات المستثمرة بعد رفع العقوبات
نون بوست
الاتفاق الأمريكي–الإيراني كما تراه “إسرائيل”: إجماع على القلق وانقسام على المسؤولية
نون بوست
ما سبب التقارب التركي مع الناتو رغم الأزمة التي يمرّ بها الحلف؟
نون بوست
حروب بلا مخرج.. كيف أساءت القوى الكبرى فهم الدول التي هاجمتها؟
نون بوست
التوغل السوري في لبنان أكبر خطأ قد ترتكبه واشنطن 
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

“الإسكندرية للحاويات”.. لماذا تصر الإمارات على ابتلاع الأصل الأهم في شمال مصر؟

عماد عنان
عماد عنان نشر في ١٧ يونيو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

في تطور جديد يعكس اتساع الحضور الإماراتي داخل القطاعات الاستراتيجية المصرية، تقدمت شركة “بلاك كاسبيان”، التابعة لشركة “موانئ أبوظبي”، بعرض للاستحواذ على حصة تصل إلى 90% من أسهم شركة “الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع”، إحدى أبرز الشركات العاملة في مجال تداول الحاويات والخدمات اللوجستية في مصر والمنطقة.

ولا تبدو هذه الخطوة معزولة عن مسار أوسع من التحركات الإماراتية الهادفة إلى تعزيز النفوذ داخل الموانئ المصرية، لا سيما عبر شركتي “موانئ أبوظبي” و”موانئ دبي”، مما أثار مخاوف متزايدة في الأوساط الاقتصادية والملاحية المصرية، بالنظر إلى حساسية قطاع الموانئ ودوره المحوري في التجارة الخارجية والأمن الاقتصادي، حيث تقدّم عدد من أعضاء غرفة الملاحة البحرية بالتماس عاجل إلى الرئاسة المصرية، طالبوا فيه بوقف تلك الصفقة، محذرين من التداعيات المحتملة لهذه الخطوة على الاقتصاد الوطني، وصناعة النقل البحري، وحركة الملاحة، وقدرة الدولة على التحكم في واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن القومي وسلاسل الإمداد.

وتطرح مثل هذه التحركات علامة استفهام كبرى حول طبيعة التوسع الإماراتي في السوق المصرية، خاصة أنه لا يقتصر على قطاع واحد، بل يمتد إلى عصب الاقتصاد المصري وقطاعاته اللوجستية، من الطاقة إلى الغذاء، ومن الاستثمار العقاري إلى الموانئ والبنية اللوجستية، وهو ما يثير التساؤل: لماذا تصر أبوظبي على الاستحواذ على شركة الإسكندرية لتداول الحاويات تحديدًا، وتعود بعروض سعرية متعددة لتحقيق ذلك؟ وما حدود التأثير الاقتصادي والسيادي المحتمل إذا انتقلت السيطرة على هذا الأصل الحيوي إلى طرف خارجي؟

لماذا الإسكندرية للحاويات؟

لا يمكن النظر إلى شركة “الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع” بوصفها شركة عادية ضمن مئات الشركات العاملة في قطاع النقل البحري، فهي واحدة من أهم الأصول اللوجستية في مصر، ومن بين أقوى 50 شركة مصرية وفقًا لقائمة “فوربس”، كما تمثل حلقة مركزية في منظومة التجارة الخارجية المصرية وحركة النقل عبر البحر المتوسط.

تكتسب الشركة أهميتها من موقعها ودورها معًا؛ فهي أول شركة متخصصة في تداول الحاويات في مصر، وتعمل من خلال محطتين رئيسيتين في ميناءي الإسكندرية والدخيلة، حيث تتولى عمليات شحن وتفريغ الحاويات، إلى جانب أنشطة مرتبطة مثل التخليص الجمركي والخدمات اللوجستية، وبذلك لا تمثل الشركة مجرد مشغل لمحطات بحرية، بل بوابة رئيسية لدخول وخروج البضائع من وإلى شمال مصر.

نون بوست
ميناء الإسكندرية، 16 نوفمبر 2022.

وتزداد خطورة موقع الشركة بالنظر إلى الوزن الاستراتيجي لميناءي الإسكندرية والدخيلة، إذ يمران عبرهما نحو 36% من واردات مصر و23.8% من صادراتها، ما يجعل السيطرة على الشركة أقرب إلى السيطرة على عقدة حيوية داخل منظومة التجارة الخارجية المصرية، فالأمر هنا لا يتعلق برصيف بحري أو خدمة تشغيلية محدودة، بل بمنفذ مؤثر في حركة السلع، وتكاليف التداول، وسرعة الإفراج الجمركي، وعلاقات الخطوط الملاحية، وسلاسل الإمداد.

كما تمتلك الشركة طاقة تشغيلية تقارب 1.5 مليون حاوية سنويًا، ويزيد معدل التشغيل لديها على 70%، وهو ما يعكس حضورها القوي وقدرتها التشغيلية العالية، وتكتسب الشركة بعدًا إضافيًا من ارتباط محطتي الإسكندرية والدخيلة بشبكة السكك الحديدية المصرية، بما يجعلها نقطة ربط بين البحر والداخل المصري، لا مجرد محطة بحرية منعزلة.

أما اقتصاديًا، فالشركة تُعد من الأصول الرابحة بوضوح. فقد حققت إيرادات بلغت نحو 6.5 مليار جنيه خلال عام 2024، مقارنة بنحو 4.8 مليار جنيه في عام 2023، قبل أن تتجاوز إيراداتها في عام 2025 حاجز 8.2 مليار جنيه، بصافي ربح اقترب من 6 مليارات جنيه، وتكشف هذه الأرقام بالدليل أن الشركة ليست عبئًا على الدولة، ولا أصلًا متعثرًا يحتاج إلى إنقاذ، بل كيان ناجح يسير في اتجاه تصاعدي من حيث الإيرادات والربحية.

ومن هنا، فإن من يملك “الإسكندرية للحاويات” أو يسيطر على قرارها لا يملك شركة لتداول الحاويات فحسب، بل يمتلك نفوذًا مباشرًا داخل واحدة من أهم حلقات التجارة المصرية، من زمن الإفراج الجمركي، إلى تكلفة التداول، ومن علاقات الخطوط الملاحية، إلى حركة سلاسل الإمداد المرتبطة بشمال البلاد.

وعليه هناك تساؤلات تطل برأسها باحثة عن إجابة: كيف يمكن التفكير في التفريط في شركة ناجحة بهذا الحجم، تحقق أرباحًا ضخمة، وتمتلك أصولًا استراتيجية، وتؤدي دورًا محوريًا في التجارة الخارجية والداخلية المصرية؟ وإذا كانت الشركة رابحة ومؤثرة وحيوية إلى هذا الحد، فلماذا تُطرح السيطرة عليها للبيع، ولصالح من؟

رحلة البيع

كانت شركة “الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع” التي تأسست عام 1984، مملوكة لجهات وطنية خالصة؛ إذ امتلكت هيئة ميناء الإسكندرية نحو 40% من أسهمها، بينما امتلكت الشركة القابضة للنقل البحري والنهري، التابعة لوزارة النقل، قرابة 55%، لكن رغم الأداء الجيد للشركة، وتنامي أرباحها، وحساسيتها اللوجستية، اتجهت الحكومة المصرية إلى بيع حصص مؤثرة من أسهمها لمستثمرين أجانب، ضمن سياسة أوسع لبيع الأصول وتوفير العملة الصعبة في ظل تصاعد أعباء الديون إلى مستويات غير مسبوقة.

وفي أبريل/نيسان 2022، باعت الحكومة أكثر من نصف أسهم الشركة، وتحديدًا حصة الشركة القابضة للنقل البحري والنهري، لصالح جهتين خليجيتين، فقد استحوذت الشركة السعودية المصرية للاستثمار، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، على نحو 20% من أسهم الشركة بقيمة بلغت 126 مليون دولار، بينما استحوذت شركة “أبوظبي القابضة”، عبر ذراعها “ألفا أوريكس”، على حصة تقارب 32% بقيمة بلغت 186 مليون دولار.

غير أن المشهد لم يتوقف عند هذا الحد. ففي نهاية عام 2025، قررت الشركة السعودية بيع حصتها، لتدخل شركة “موانئ أبوظبي” عبر وكيلها “بلاك كاسبيان” وتشتري هذه الحصة بقيمة وصلت إلى 260 مليون دولار، ثم عادت الشركة نفسها واستحوذت على حصة “ألفا أوريكس”، لتصبح “بلاك كاسبيان” مالكة لأكثر من 51% من أسهم الشركة، أي صاحبة حصة الأغلبية داخل واحد من أهم الأصول اللوجستية المصرية.

ورغم ذلك، لا تزال هناك حصة تقارب 39% مملوكة لهيئة ميناء الإسكندرية، إلى جانب نسبة محدودة موزعة على صغار المساهمين، ومن هنا بدأت “بلاك كاسبيان” السعي إلى استكمال السيطرة على ما تبقى من أسهم الشركة، ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي، تقدمت بعرض جديد للاستحواذ على الحصص المتبقية، غير أن الحكومة المصرية رفضته حينها بسبب انخفاض قيمته مقارنة بسعر السهم المتداول في البورصة، قبل أن تعود الشركة الإماراتية وتقدم عرضًا آخر قبل أسبوعين، رفعت فيه سعر السهم إلى 27.47 جنيه بدلًا من 22.99 جنيه، أي زيادة تقارب 19.5%.

وتزداد حساسية هذه التحركات في ضوء الأرباح الكبيرة التي حققتها الشركة خلال العامين الماضيين، والتي وصلت إلى نحو 650 مليون دولار، غير أن المفارقة الأبرز تكمن في أن الاتفاقية المثيرة للجدل الموقعة بين الحكومة المصرية و”أبوظبي القابضة” في عام 2025 منحت أرباح الشركة الإماراتية إعفاءً كاملًا من الضرائب، وهو ما حرم الخزانة المصرية من حصيلة ضريبية كبيرة كان يمكن أن تحصلها من أرباح ناتجة عن أصل استراتيجي مصري.

لماذا الإصرار الإماراتي؟

لا يمكن النظر إلى الإصرار الإماراتي على السيطرة على شركة الإسكندرية لتداول الحاويات باعتباره تحركًا استثماريًا عابرًا أو صفقة مالية تقليدية؛ فحجم المثابرة في تقديم العروض، ومحاولة رفع نسب التملك، يكشفان عن حسابات أعمق تتجاوز منطق الربح المباشر إلى اعتبارات النفوذ والسيطرة على مفاصل لوجستية حيوية.

في مقدمة هذه الاعتبارات تأتي القيمة الاستراتيجية للشركة، فهي ليست مجرد مشغل حاويات ناجح، بل نقطة ارتكاز داخل واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، ممر الشرق–الغرب، الرابط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وعليه ترى أبوظبي في الشركة المصرية فرصة نادرة لتعزيز حضورها في سلاسل التجارة الدولية، وتوسيع نفوذها على بوابات العبور البحري في شرق المتوسط.

نون بوست

ولا تبدو التحركات الإماراتية في هذا السياق عشوائية أو منفصلة عن بعضها؛ بل تأتي ضمن مسار أوسع لبناء شبكة إقليمية من الموانئ والخدمات اللوجستية، تمتد بين الخليج والبحر الأحمر ومصر والبحر المتوسط، فالرهان الإماراتي يقوم على أن السيطرة على الموانئ ومراكز التداول البحري تمنحها موقعًا متقدمًا في خريطة التجارة العالمية، وتحوّلها من دولة ذات حضور محدود إلى لاعب مؤثر في إدارة تدفقات السلع والمسارات البحرية.

لكن الدافع اللوجستي ليس وحده الحاضر في الصفقة؛ فهناك بعد اقتصادي واضح لا يقل أهمية. فشركة الإسكندرية للحاويات تعد من الأصول المصرية الرابحة، وتتمتع بموقع تشغيلي قوي، وقاعدة أعمال مستقرة، وقدرة معتبرة على توليد الأرباح، ومن ثم، فإن الاستحواذ عليها يمثل فرصة مزدوجة، أصل استراتيجي من جهة، ومصدر عوائد مالية مرتفعة من جهة أخرى.

وفي المحصلة، لا تتعامل الإمارات مع هذه الصفقة بوصفها استثمارًا في شركة ناجحة فحسب، بل بوصفها أداة لتعزيز النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي، فالسيطرة على مشغل حاويات في ميناءي الإسكندرية والدخيلة تعني اقترابًا مباشرًا من بوابة رئيسية للاستيراد والتصدير، ومن بيانات حركة التجارة، وعلاقات الخطوط الملاحية، وتسعير الخدمات، وأولويات التوسع داخل واحد من أهم المراكز البحرية المصرية.

خسائر مصرية بالجملة

تجدر الإشارة ابتداءً إلى أن الاستثمار الأجنبي، في ذاته، ليس خيارًا مرفوضًا أو توجهًا ينبغي معارضته على نحو مطلق؛ بل يمثل في كثير من الأحيان هدفًا تسعى إليه الحكومات عبر برامج اقتصادية وحوافز استثمارية متعددة، غير أن المسألة لا تتعلق بمبدأ الاستثمار، بل بطبيعة الأصل محل البيع، وحدود السيطرة الممنوحة، والضوابط التي تميز بين ما يمكن طرحه للقطاع الخاص أو للمستثمر الأجنبي، وما يجب أن يظل ضمن نطاق السيطرة الوطنية المباشرة.

فليس منطقيا، اقتصاديًا أو سياديًا، أن تتخلى الدولة عن أصول استراتيجية رابحة وحيوية بقيم سعرية لا تعكس وزنها الحقيقي، كما لا يبدو مقبولًا أن تتركز السيطرة على قطاع بهذه الحساسية في يد جهة واحدة، لا سيما حين تكون الجهة ذاتها حاضرة في قطاعات أخرى لا تقل أهمية مثل الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، فعند هذه النقطة، لا يعود النقاش متعلقًا بصفقة مالية فحسب، بل يتحول إلى سؤال سياسي أوسع حول حدود النفوذ الأجنبي داخل المرافق السيادية.

ومن هذا المنطلق، فإن الخسائر المصرية المحتملة حال إتمام الصفقة ومنح الشركة الإماراتية النسبة التي تطمح إليها، والتي قد تصل إلى 90%، ستكون متعددة الأبعاد، أولها يتمثل في انتقال الجزء الأكبر من عوائد شركة رابحة إلى الخارج، بما يعني فقدان الدولة المصرية موردًا مستقبليًا مهمًا من الأرباح والتدفقات المالية، كما أن انخفاض العرض السعري، إذا ما قورن بالقيمة السوقية والفعلية للأصل، يثير تساؤلات جدية حول احتمال التفريط في مليارات الجنيهات من القيمة العامة.

صفقة #محطة_رياح_جبل_الزيت لا تفتح فقط سؤال البيع بأقل من تكلفة الإنشاء، بل تكشف أزمة أعمق في إدارة أصول الدولة: من يُقيّم؟ وبأي معايير؟ ومن يضمن ألا تتحول الحاجة للدولار إلى باب للتفريط في أصول استراتيجية تخص المصريين؟#مصر#الإمارات https://t.co/DnBRuZPsvc

— نون بوست (@NoonPost) June 16, 2026

ولا تقف الخسارة عند حدود المال المباشر؛ فالأخطر هو الخسارة اللوجستية والسيادية، فالتخلي عن مرفق بهذا القدر من الأهمية، ومنح إدارته والسيطرة عليه لشركة أجنبية، يعني فقدان الدولة المصرية موقعًا مؤثرًا داخل أحد أهم قطاعات التجارة والنقل البحري، كما يعني إضعاف قدرتها على التحكم في بوابات الاستيراد والتصدير، وعلى مراقبة اتجاهات حركة التجارة، والتأثير في علاقات الخطوط الملاحية، وأولويات التشغيل والتوسع.

وفوق ذلك، فإن فقدان مثل هذا الأصل يحرم الدولة من ورقة تفاوضية مهمة داخل قطاع الموانئ، ويقلص قدرتها على ضبط السوق من الداخل، وموازنة نفوذ اللاعبين الكبار، لذلك، لا لا تُختزل الصفقة في رقم مالي أو عائد مؤقت، لأن ما قد تخسره مصر هنا لا يعوض بسهولة، موقع استراتيجي، وذراع لوجستية، وأداة سيادية داخل واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن الاقتصادي الوطني.

الموانئ في قبضة أبو ظبي.. مما يخاف المصريون؟

بعيدًا عن الخسائر الاقتصادية المباشرة، تتصاعد في مصر مخاوف سياسية وسيادية أوسع من الاندفاع الإماراتي نحو السيطرة على قطاعات بعينها، تتسم بحساسية شديدة مثل الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية، فالمسألة لم تعد مرتبطة بصفقة منفردة أو استثمار عابر، بل بنمط متكرر من التمدد داخل مفاصل استراتيجية، بما يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول حدود النفوذ الأجنبي، وتضارب المصالح، ومستقبل القرار الاقتصادي المصري.

وتتمحور أبرز هذه المخاوف حول احتمال توظيف السيطرة الإماراتية على بعض الموانئ المصرية لخدمة شبكة الموانئ الإماراتية الأوسع، وفي مقدمتها ميناء جبل علي، بحيث تتحول الموانئ المصرية تدريجيًا من مراكز مستقلة قادرة على المنافسة إلى محطات مساندة أو ممرات تخديم ضمن شبكة إقليمية تقودها أبوظبي.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي، ليس فقط في فقدان أصل اقتصادي، بل في إجهاض الحلم المصري بأن تتحول البلاد إلى عقدة لوجستية كبرى تربط الشرق بالغرب، مستندة إلى موقعها الجغرافي الفريد وسلسلة موانئها الممتدة على البحرين الأحمر والمتوسط.

وينطلق هذا القلق من مقاربة تضارب المصالح؛ فإذا كان المستثمر ذاته يدير أو يملك مصالح في موانئ أخرى منافسة أو مكملة، فإن قرارات التشغيل والتوسع وجذب الخطوط الملاحية قد لا تُبنى بالضرورة على أولوية تعظيم المكاسب المصرية، بل على خدمة الشبكة الأكبر التي يمتلكها أو يديرها، وبذلك يصبح الخوف مشروعًا من أن تُعاد هندسة حركة التجارة والخدمات البحرية بما يخدم مركزًا إقليميًا خارج مصر، لا بما يعزز استقلالية الموانئ المصرية وقدرتها التنافسية.

وتزداد هذه المخاوف وجاهة في ضوء التوسع الإماراتي الملحوظ داخل قطاع الموانئ المصري خلال السنوات الأخيرة، عبر حصول مجموعتي “موانئ دبي العالمية” و“موانئ أبوظبي” على امتيازات تشغيل وتطوير في عدد من الموانئ والمحطات الحيوية، فبين إدارة موانئ دبي لميناء العين السخنة، وتوسع موانئ أبوظبي في سفاجا، والغردقة، وشرم الشيخ، وشرق وغرب بورسعيد، والعريش، إلى جانب مشاريع لوجستية وصناعية مرتبطة بمنطقة قناة السويس، يبدو أن الأمر يتجاوز الاستثمار المتفرق إلى خريطة تمدد ممنهجة داخل البنية البحرية المصرية.

ولا يمكن فصل هذا التركيز عن السياق الاقتصادي المصري الراهن؛ إذ تبدو الأزمة المالية وحاجة الدولة الملحة إلى العملة الصعبة مدخلًا لإعادة توزيع ملكية وتشغيل بعض الأصول الحساسة، من الطاقة إلى الموانئ والعقارات والغذاء، ومن هنا تتعاظم المخاوف من أن تتحول الحاجة المؤقتة للسيولة إلى سياسة تفريط طويلة الأجل في أصول استراتيجية، لا تُقاس قيمتها الحقيقية بالعائد الدولاري الفوري، بل بما تمنحه من نفوذ وقدرة على التحكم في مفاصل الاقتصاد الوطني.

وفوق ذلك، يضيف البعد الإقليمي طبقة أخرى من الحساسية، في ظل العلاقات الوثيقة بين أبوظبي وتل أبيب، وما يثيره ذلك من مخاوف لدى قطاعات واسعة من المصريين بشأن احتمالات فتح مسارات غير مباشرة لانخراط إسرائيلي أوسع في السوق المصرية أو في بعض قطاعاتها الحساسة، وحتى لو ظل هذا القلق في إطار التخوف السياسي، فإنه يعكس إدراكًا شعبيًا بأن ملكية الأصول الاستراتيجية لا تنفصل عن شبكة التحالفات الإقليمية ولا عن حسابات الأمن القومي.

في النهاية، تبقى الكرة في ملعب الحكومة المصرية، إما أن تتعامل مع هذه التحذيرات باعتبارها مخاوف مشروعة تستدعي المراجعة والتدقيق ووضع حدود صارمة للملكية والسيطرة الأجنبية، أو أن تخضع لضغط الأزمة الاقتصادية وتفرط في أصول لوجستية نادرة مقابل سيولة عاجلة لا تعكس قيمتها الحقيقية، ليبقى السؤال الأهم: هل تدرك الحكومة، ولو متأخرًا، أن بعض الأصول لا تُباع لأنها ليست مجرد ممتلكات مالية، بل أدوات سيادة ونفوذ وموقع على خريطة العالم؟

الوسوم: الاقتصاد المصري ، الشأن المصري ، العلاقات المصرية الإماراتية
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
عماد عنان
بواسطة عماد عنان كاتب صحفي وباحث في الإعلام الدولي
متابعة:
كاتب صحفي ماجستير في الإعلام الدبلوماسي باحث دكتواره في الإعلام الدولي عضو نقابة الصحفيين المصرية محاضر أكاديمي
المقال السابق مشروع سكة الرياض–غازي عنتاب يتحول إلى اختبار للبنية التحتية في أربع دول قطار من الخليج إلى أوروبا.. ما الذي ينقص مشروع الرياض غازي عنتاب؟

اقرأ المزيد

  • قطار من الخليج إلى أوروبا.. ما الذي ينقص مشروع الرياض غازي عنتاب؟ قطار من الخليج إلى أوروبا.. ما الذي ينقص مشروع الرياض غازي عنتاب؟
  • حلب وغازي عنتاب.. شراكة المدن التي قد تغيّر اقتصاد المشرق
  • صفقة جبل الزيت.. لماذا باعت مصر أكبر محطة رياح في إفريقيا لشركة إماراتية؟
  • عمالقة الطاقة في سوريا.. خريطة الدول والشركات المستثمرة بعد رفع العقوبات
  • من حقل ظهر إلى جبل الزيت.. خريطة النفوذ الإماراتي في الطاقة المصرية
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

صفقة جبل الزيت.. لماذا باعت مصر أكبر محطة رياح في إفريقيا لشركة إماراتية؟

صفقة جبل الزيت.. لماذا باعت مصر أكبر محطة رياح في إفريقيا لشركة إماراتية؟

فريق التحرير فريق التحرير ١٦ يونيو ,٢٠٢٦
من حقل ظهر إلى جبل الزيت.. خريطة النفوذ الإماراتي في الطاقة المصرية

من حقل ظهر إلى جبل الزيت.. خريطة النفوذ الإماراتي في الطاقة المصرية

عماد عنان عماد عنان ١٤ يونيو ,٢٠٢٦
خلف أزمة السفير.. ماذا تريد القاهرة من دمشق الجديدة؟

خلف أزمة السفير.. ماذا تريد القاهرة من دمشق الجديدة؟

عماد عنان عماد عنان ٣ يونيو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version