ترجمة وتحرير: نون بوست
في مقابلات أُجريت معهم، أفاد أكثر من 20 شخصًا ممن حاولوا كسر الحصار الإسرائيلي بتعرضهم للضرب والصدمات الكهربائية وانتهاكات أخرى عقب اعتقالهم، وهي اتهامات نفتها الحكومة الإسرائيلية.
عندما حاول الناشط البلجيكي، أرنو مينس، الإبحار إلى غزة في مايو/أيار الماضي، اعترضت القوات الإسرائيلية قاربه تحت تهديد السلاح، ونقلته إلى سفينة إسرائيلية، حيث قال إنه دُفع بقوة إلى داخل حاوية شحن مظلمة.
وأضاف مينس أنه وجد في انتظاره داخل الحاوية أربعة رجال هجموا عليه بينما كان حافي القدمين ومبتلًا بماء البحر.
وأضاف مينس (34 عامًا)، وهو قبطان بلجيكي لمركبات تجارية صغيرة: “انهالوا عليّ بالركل فورًا في ذلك المكان المظلم، ولكموني أيضًا، ثم توقفوا لحظاتٍ قبل أن يعاودوا الاعتداء”.
وكان مينس من بين أكثر من 400 ناشط على متن أسطول يضم نحو 50 قاربًا احتجزتها إسرائيل في البحر الأبيض المتوسط أثناء محاولتهم كسر الحصار المفروض على قطاع غزة.
وكان الهدف المعلن للناشطين، الذين أبحَروا من تركيا في 14 مايو/أيار، هو إيصال المساعدات الغذائية والإنسانية إلى القطاع الذي أنهكته الحرب. غير أن كثيرين منهم توقعوا احتجازهم قبل الوصول، على غرار ما حدث في أساطيل سابقة، آملين أن تسلط التغطية الإعلامية لرحلتهم الضوء على القيود الإسرائيلية المشددة على دخول الإمدادات، وهي القيود التي تزايدت حدتها إثر اندلاع الحرب وساهمت لاحقًا، بحسب خبراء، في وقوع مجاعة في مناطق من غزة.
وقد اعتُقل الناشطون بعد أيام من إبحارهم حيث تُظهر المقابلات معهم، إلى جانب التصريحات الرسمية الإسرائيلية، أنهم احتُجزوا لدى إسرائيل لثلاثة أيام تقريبًا، تبدأ من البحر على متن سفن إسرائيلية، ثم لاحقًا في ميناء أشدود.
وهناك، تجوّل وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، بينهم وسخر منهم في مقطع فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي. وذكر الناشطون أن اثنين منهم على الأقل رُحّلا فورًا إلى اليونان، بينما قضى الباقون الليلة في سجن بجنوب إسرائيل قبل ترحيلهم إلى تركيا.
وعقب وصول المعتقلين إلى تركيا، سارع منظمو الأسطول إلى الإعلان عن تلقيهم “تقارير عديدة تفيد بتعرض المعتقلين لإساءات جسدية”، بالإضافة إلى “شهادات مقلقة للغاية حول ممارسات مهينة واعتداءات ذات طابع جنسي ارتكبتها القوات الإسرائيلية”.
ونُقل أكثر من 50 شخصًا بسيارات الإسعاف من المطار إلى المستشفيات في تركيا، بحسب محامٍ متحدث باسم الأسطول. وخلال الأيام التالية، بدأ الناشطون بالعودة إلى بلدانهم، حيث طلب العديد منهم متابعة العلاج وقدموا شهادات أكثر تفصيلًا لوسائل الإعلام الدولية. وأثارت هذه الاتهامات إدانات من قادة عالميين، ودفعت مدعين عامين في دول مثل فرنسا وإيطاليا، والشرطة في أستراليا، إلى فتح تحقيقات.
من جانبها، نفت إسرائيل هذه الاتهامات مؤكدة أن الناشطين عُوملوا وفقًا للقانون، ونشرت مقاطع فيديو قصيرة تُظهر ناشطين يتعانقون أثناء الاحتجاز ويتلقون الماء من ضابط إسرائيلي.
وفي الأشهر التي تلت ذلك، أُجريت مقابلات منفصلة مع 24 ناشطًا، تحدثوا جميعهم علنا، باستثناء شخص واحد فقط. كما جُمعت مراجعات للسجلات الطبية الصادرة عن سلطات صحية في أستراليا وفرنسا وإيطاليا وتركيا. وقدم جميع الناشطين شهادات متسقة تُظهر نمطًا متكررًا من سوء المعاملة، بدءًا من السفن الإسرائيلية ووصولًا إلى الأراضي الإسرائيلية.

وأفاد 22 ناشطًا بتعرضهم لأشكال مختلفة من الاعتداء الجسدي، بينما ذكرت الناشطة الـ 23 أنها شهدت عمليات العنف تلك، وأكدت الناشطة الـ 24 (وهي طبيبة) أنها عالجت إصابات ناتجة عنها. وقال سبعة أشخاص إنهم أدخلوا المستشفى فور إطلاق سراحهم، وقدم ستة منهم سجلات طبية تُثبت إصابتهم بكسور في الأضلاع، والفقرات، والعصعص، إضافة إلى إصابة بطلق ناري وانخماص (انخفاض) في الرئة.
وذكر أربعة ناشطين أنهم ووجهوا بإطلاق ناري عليهم فيما كانو يعتقدون أنها أعيرة مطاطية أو أكياس قماشية أثناء احتجازهم على السفن الإسرائيلية، في حين أفاد ثلاثة بتعرضهم لصدمات كهربائية بأجهزة صعق أثناء ضربهم داخل حاوية الشحن.
وكانت هذه القافلة، المعروفة بـ “أسطول الصمود العالمي” المحاولة الأكبر من بين ثماني محاولات فاشلة على الأقل نظمها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين للإبحار نحو غزة منذ بدء الحرب بين إسرائيل وحماس.
وينتمي المشاركون إلى عشرات من البلدان، وكان من بينهم ناشطون مخضرمون عارضوا وجود إسرائيل لفترة طويلة إذ حضر أحد المنظمين جنازة حسن نصر الله (أمين عام حزب الله السابق)، وأشاد آخر بهجوم حماس في عام 2023. كما ضم الأسطول مشاركين للمرة الأولى، من أطباء وبحارة وصاحب مكتبة وعضو في البرلمان، انضم العديد منهم احتجاجًا على القصف والاجتياح الإسرائيلي لغزة.
وتُعيد اتهامات الناشطين إلى الأذهان شهادات أكثر قسوة وخطورة يرويها المعتقلون الفلسطينيون لدى إسرائيل منذ سنوات.
فمنذ بدء الحرب، أُحتجز آلاف الفلسطينيين من غزة بمعزل عن العالم الخارجي لأسابيع أو أشهر، دون توجيه اتهامات رسمية في الغالب، وتعرضوا بشكل روتيني لسوء المعاملة، وفقًا لتحقيقات أجرتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية وناشطون إسرائيليون وفلسطينيون. وكشف تحقيق سابق لصحيفة “نيويورك تايمز” عن وفاة عشرات الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، في حين واجه آخرون انتهاكات شملت الصدمات الكهربائية والضرب وكسر العظام، بل وصرّح أحد الفلسطينيين للصحيفة بتعرضه للاعتداء الجنسي ب أداة صلبة.
في المقابل، تنفي إسرائيل ممارسة أي سوء معاملة منهجية داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها.
ووفقًا لشهاداتهم، عُومل الناشطون بأسلوب أقل قسوة مقارنة بغالبية المعتقلين الفلسطينيين ولفترة زمنية أقصر بكثير. ومع ذلك، أكد خبراء في القانون الدولي أن المعاملة التي وصفوها تشكّل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي.
وقالت يانينا ديل، الخبيرة في قوانين الحرب بجامعة أكسفورد: “ليس من المفترض أن يتعرض أي شخص محتجز تحت حماية اتفاقيات جنيف لأي شكل من أشكال العنف، كالضرب أو الصعق بالكهرباء أو الحرق”.
وشاركت أربعة أجهزة أمنية إسرائيلية مختلفة على الأقل في احتجاز ناشطي الأسطول. ورفض كل من الجيش الإسرائيلي ومصلحة السجون ادعاءات التعرض للإساءة، بينما أحالت الشرطة طلب التعليق إلى وزارة الخارجية، التي نفت بدورها هذه الاتهامات.
وقال الجيش الإسرائيلي في بيان له بأن “الأوامر الصادرة تقضي بمعاملة محترمة ولائقة للمشاركين في الأسطول”، وأنه “لا تُعرف أي حوادث محددة تنطوي على خروج عن هذه الإجراءات الملزمة”. وأضافت مصلحة السجون الإسرائيلية إن المعتقلين أُحتجزوا “وفقًا للقانون، مع المراعاة الكاملة لحقوقهم الأساسية”، مضيفة أنها “ترفض المحاولات التي تهدف إلى تصوير وجود إساءة منهجية أو سلوك غير قانوني”.
من جانبها، اتهمت وزارة الخارجية الناشطين بتقديم “ادعاءات كاذبة” تم “إعدادها مسبقًا لهدف واحد فقط، وهو تشويه سمعة إسرائيل”، واصفة إياهم بـ “الفوضويين” و”مثيري الشغب”.
اعتراض في عرض البحر
بدأت قوات الكوماندوز البحري الإسرائيلي اعتراض سفن الأسطول في 18 مايو/أيار الماضي، في عملية استغرقت أكثر من 30 ساعة لإتمامها بسبب الكثرة العددية للسفن، وفقًا للناشطين.
وقال داريو كاروتينوتو، وهو برلماني إيطالي معارض شارك في الرحلة، إنه رأى أفراد الكوماندوز لأول مرة في 19 مايو/أيار. وكانت السفينة التي يستقلها على مسافة تتجاوز 100 ميل غرب غزة، أي بعيدًا جدًا عن الحدود البحرية لإسرائيل، وفقًا للقطة شاشة من تطبيق يتابع جهاز تتبع في حقيبة ظهره.

وأضاف كاروتينوتو أن ثلاثة زوارق إسرائيلية سريعة انطلقت نحو السفينة التي يبلغ طولها 80 قدمًا، مما دفع الناشطين إلى تطبيق بروتوكول الاعتراض الذي تدربوا عليه حيث ارتدوا سُترات النجاة وجلسوا معًا على السطح رافعين أيديهم.
وأشار إلى أن النوافذ البلاستيكية للسفينة تحطمت بفعل الرصاص المطاطي، قائلًا: “كان هناك جنديان أو ثلاثة على الأقل يوجهون أسلحتهم نحونا مباشرة”.
ويرى الناشطون أن المداهمة الإسرائيلية تُعد عملًا من أعمال القرصنة، في حين أكد الجيش الإسرائيلي أنه تصرف بأسلوب قانوني للحفاظ على حصاره البحري لغزة.
وفي هذا السياق، أوضح مايكل ن. شميت، المحامي السابق في الجيش الأمريكي والأستاذ في أكاديمية “ويست بوينت” العسكرية، أن للدول الحق في التصرف بالمياه الدولية لفرض الحصار واحتجاز الأشخاص مؤقتًا أثناء هذه العمليات لضمان سلامة أفرادها العسكريين، إلا أنه شدد على أن “إساءة معاملة هؤلاء المعتقلين تُعد أمرًا غير قانوني”.
وذكر كاروتينوتو أنه بعد إلقاء القبض عليه، نقل الإسرائيليون ركاب السفينة إلى سفينة رمادية ضخمة تضم ناشطين آخرين.
ووصف معظم المشاركين الذين أُجريت معهم مقابلات تعرضهم لمعاملة مماثلة على متن تلك السفينة؛ إذ بدأ الإسرائيليون بتفتيشهم ذاتيًا ونزع بعض ملابسهم، ثم دفعهم نحو الأرض المبتلة وتقييدهم برباطات بلاستيكية، قبل اقتيادهم لاحقًا إلى مكتب للتحقق من هوياتهم.
وقال كاروتينوتو إنه عندما قدم جواز سفره الدبلوماسي موضحًا أنه برلماني، كان الرد صادما: “اسكت”.
وانقسم الناشطون إلى سجنين مؤقتين على متن ما وصفه الكثيرون بسفينتين حربيتين منفصلتين. وقضى بعض المعتقلين هناك ما يصل إلى ليلتين ويومين، بينما قضى آخرون اعتقلوا لاحقًا فترة أقصر.
وأفاد المعتقلون بأنهم اضطروا للنوم على الأرض، وذكر بعضهم أن المكان كان شديد الاكتظاظ لدرجة فرضت عليهم النوم في نوبات متتالية.
ووفقًا لشهاداتهم، تشكل كلا مركزي الاحتجاز العائمين من عدة حاويات شحن تعلوها أسلاك شائكة ومصممة لتشكل ساحة مكشوفة، تصطف على أحد جانبيها مراحيض متنقلة. وكان عناصر مسلحون ومقنعون يراقبون المكان من الأعلى، ويكتفون أحيانًا بتزويدهم بمياه الشرب وأكياس الخبز.
وقال عشرة ناشطين إن الجنود ألقوا قنابل صوتية (ضوئية) داخل الساحة بهدف تفريقهم، في حين أكد 13 ناشطًا أن الحراس أطلقوا أيضًا رصاصًا مطاطيًا و أكياسًا قماشية باتجاههم.
من جهته، ذكر مجيد باجشيفان، وهو عامل في منظمة غير حكومية تركية، أنه أصيب بطلق ناري في فخذه الأيمن عن قرب. وقد أجرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقابلة معه من على سريره في أحد مستشفيات إسطنبول بعد ساعات من خضوعه لعملية جراحية حيث أكد تقريره الطبي إصابته بسلاح ناري دون تحديد نوع الذخيرة.
داخل حاويات الشحن
وفي أحد مواقع الاحتجاز، اقتيد كل معتقل بمفرده إلى داخل حاوية شحن مظلمة حيث تعرض معظمهم للضرب والركل، وفقًا لجميع المشاركين الـ 17 الذين احتُجزوا في ذلك الموقع، كما أفاد ثلاثة منهم بتعرضهم لصدمات كهربائية بأجهزة صعق.
واسترجع كاروتينوتو لحظة دخوله الحاوية حاملًا حذاءه بيد وممسكًا ببنطاله باليد الأخرى بعد مصادرة حزامه، موضحًا أنه تعرض داخلها للركل في الأضلاع والساق واللكم على الوجه، وهو ما أثبته تقرير طبي إيطالي أشار إلى وجود كدمات متعددة على جسده.
فيما أكدت جولييت لامونت (55 عامًا)، وهي ناشطة وصانعة أفلام أسترالية، تعرضها للاعتداء الجنسي والاغتصاب داخل الحاوية.

وذكرت لامونت أنها أُحضرت إلى ذلك المكان والسلاسل تكبل كاحليها، بينما قُيدت معصماها برباطات بلاستيكية. وأضافت أن خمسة رجال تناوبوا على ضربها داخل الحاوية، واقتلعوا خصلات من شعرها، ولكموها في وجهها وأضلاعها، مشيرة إلى أنه في إحدى اللحظات، سُحِبَت ملابسها الداخلية بقوة والاعتداء عليها بأداة صلبة.
وقالت لامونت: “كان حجم الأداة يعادل حجم اليد.. ولم أشعر ببرودة معدنية تشير إلى أنه سلاح”.
وبعد ثمانية أيام، خضعت لفحص الاعتداء الجنسي في مستشفى بالقرب من منزلها في أستراليا. وأكدت خدمة مركز دعم ضحايا الاعتداء الجنسي في ولاية نيوساوث ويلز في كتاب رسمي تقديم “رعاية عاجلة” لها في قسم الطوارئ، تلتها “جلسات دعم نفسي وترميمي مستمرة”، دون التطرق للتفاصيل الدقيقة لنتائج الفحص.
وأشار تقرير طبي منفصل صادر عن مستشفى أسترالي، اطلعت عليه صحيفة “نيويورك تايمز” إلى إصابة لامونت بكسر بسيط في إحدى فقرات أسفل الظهر، رغم تعذر تحديد وقت حدوثه بدقة. ورجّحت لامونت أن الكسر ناجم عن ركلات الجنود على ظهرها.
وأبلغت لامونت الشرطة الأسترالية بهذه الاتهامات. ويُذكر أنها شاركت في أسطول سابق خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اتهمت إثره القوات الإسرائيلية بممارسة العنف والاعتداء الجنسي بحقها. وأكدت أنه رغم علمها بمخاطر تكرار المعاملة ذاتها، فإنها أصرت على الانضمام للأسطول الثاني إيمانًا منها بأن التضحيات الفردية ضرورية لتحقيق التغيير السياسي.
من جهتها، وصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية ادعاء الاغتصاب، الذي كررت لامونت روايته لوسائل إعلام أخرى، بأنه “كذب صريح”، مستدركة بأن إسرائيل مستعدة للتحقيق حال تلقيها شكوى رسمية. ولم تُقدّم أي شكاوى رسمية للسلطات الإسرائيلية بشأن معاملة ناشطي الأسطول، نظرًا لإصرار المنظمين على أنه “من غير المقبول قانونًا” الاعتماد على إسرائيل للتحقيق مع نفسها.
وعبَّر الناشطون عن الصدمة النفسية الشديدة التي خلفها سماع صرخات رفاقهم وأنينهم أثناء تعرضهم للإساءة.
وقالت مالكة بعوية (48 عامًا)، وهي ممرضة فرنسية: “كنا نسمع صراخهم وعويلهم من شدة الألم.. لم أعد أتحمل المشهد، وكنت أحاول سد أذني بأصابعي”.

وأفاد تقرير طبي أعده المستشفى بأن بعوية عانت من كسر في الفقرات، وأوصى الأطباء بارتدائها دعامة للرقبة لمدة ثمانية أسابيع.
من جانبها، أوضحت الدكتورة مارغريت كونولي، وهي طبيبة عامة أيرلندية، أنها جلبَت معها سماعة طبية وأدوية تحسبًا لإصابة أي من زملائها الناشطين بالمرض.
وأضافت أن القوات الإسرائيلية صادت تلك المستلزمات فور احتجازها، ورفضت تزويدها بأي بدائل طبية لإسعاف المصابين، قائلة: “لقد تجاهلوني تمامًا”.
وأمام هذا الوضع، اضطرت الدكتورة كونولي (67 عامًا) والفرق الطبية المحتجزة إلى الارتجال حيث حولوا القمصان إلى ضمادات، وقطع الخبز إلى كمادات مؤقتة، والزجاجات البلاستيكية إلى جبائر لتثبيت العظام.

وفي اليوم الثاني من الاحتجاز، اختار مشاركو الأسطول الدكتورة كونولي، وهي شقيقة رئيس أيرلندا، لتكون متحدثة باسمهم.
وقالت الدكتورة كونولي: “ناشدتهم مرارًا للحصول على الماء، والملابس، ومسكنات الألم وكان أصعب الأمور قسوة أنني اضطررت لمناشدتهم وتوسلهم للحصول على فوط صحية”.
ورغم أنها كانت واحدة من شخصين فقط أكدا عدم تعرضهما للضرب المباشر خلال الاحتجاز الإسرائيلي، إلا أنها شددت على معاينتها المستمرة لمظاهر العنف، قائلة: “لقد نجوت بنفسي، لكنني أشهد على مستويات لا تُصدق من الوحشية والانحطاط البشري”.
إهانات في الميناء
بحلول 20 مايو/أيار، نُقل الناشطون إلى ميناء أشدود جنوبي إسرائيل.
وتم ترحيل كاروتينوتو وصحفي إيطالي بارز في اليوم ذاته، ويرجح البرلماني الإيطالي أن ذلك يعود ل صفتهما الرسمية والإعلامية.
في المقابل، تعرض بقية الناشطين للمعاملة القاسية إذ أُجبر العشرات على الجثو على ركبهم ووجوههم متجهة للأرض، وكانت أيدي بعضهم مقيدة خلف ظهورهم، وفق ما أظهره مقطع فيديو وزعه الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير. وأُرفق المقطع (الذي حُذف لاحقًا) بتعليق جاء فيه: “هكذا نستقبل داعمي الإرهاب.. أهلاً بكم في إسرائيل”.

كما أظهرت المشاهد عناصر من الشرطة الإسرائيلية يمسكون برأس إحدى الناشطات ويدفعونها بقوة نحو الأرض بينما كانت معصماها مقيدين برباطات بلاستيكية. وقد امتنع مكتب بن غفير عن التعليق.
وأكد 13 ناشطًا تعرضهم للضرب داخل الميناء، وفي بعض الحالات على يد أفراد مقنعين.
وقال أدريان بان (31 عامًا)، وهو بحار من مدينة مارسيليا الفرنسية: “اقتادوني إلى خيمة تضم أربعة أو خمسة رجال انهالوا عليّ بالضرب”. وأضاف أن رجلًا مقنعًا أجبره على إبعاد قدميه وركله بقسوة في منطقة الخصيتين مرتين.

وسُمح لمحامين من مركز “عدالة” الحقوقي ومقره حيفا بلقاء 220 ناشطًا في الميناء، بينما حُرموا من مقابلة الآخرين، بحسب المتحدثة باسم المركز مريم عازم التي أوضحت أيضا أن اللقاءات كانت خاطفة وغالبًا ما قُوطعت من قبل الضباط الإسرائيليين، لاسيما عندما يبدأ الناشطون في الكشف عن تفاصيل سوء المعاملة.
وأضافت المتحدثة أن المحامين عاينوا بأنفسهم صفع الضباط لناشطيْن اثنيْن، وأجروا مقابلات مع العشرات ممن يعانون من آلام حادة في الأضلاع، فضلاً عن تلقيهم شهادات تؤكد تعرض بعض رفاقهم لاعتداءات جنسية.
ولاحقًا، نُقل الناشطون في حافلات إلى سجن “كتسيعوت” على بُعد نحو 65 ميلًا جنوبًا، قبل نقلهم في الصباح التالي إلى المطار وإعادتهم جواً إلى إسطنبول.
واليوم، وأثناء تعافيهم في منازلهم، أكد العديد من الناشطين أنه رغم حجم الصدمات النفسية والجسدية التي تعرضوا لها، فإن التجربة تستحق الخوض لتسليط الضوء على معاناة أهالي غزة.
وقال مينس: “لقد نجحنا في ترك أثر”. وأضاف أنه ينوي “على الأرجح” الانضمام إلى أسطول جديد في المستقبل.

المصدر:نيويورك تايمز