مر الوجود العسكري الروسي في سوريا بتحولين متتاليين منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، إذ بدأت موسكو خلال الأيام التالية بسحب قوات ومعدات من مواقع في شمال البلاد وجبال الساحل، ثم استمرت عملية الانكماش حتى إخلاء مطار القامشلي مطلع 2026 وحصر الانتشار في حميميم وجزء من طرطوس.
وفي 9 أغسطس/آب 2026 وصلت إعادة التنظيم إلى الموقعين الساحليين نفسيهما، بعد إعلان مذكرة تفاهم تعيد المنشآت المدنية والتجارية إلى الإدارة السورية، بما يشمل مطار اللاذقية الدولي والرصيف التجاري الرابع في طرطوس، وتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز سورية روسية مشتركة للتدريب والتأهيل خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر.
وكانت حميميم منذ التدخل الروسي عام 2015 قاعدة العمليات الجوية الرئيسية لموسكو في سوريا ومحطة لنقل الأفراد والمعدات نحو ليبيا وإفريقيا، فيما استخدمت طرطوس للصيانة وإعادة الإمداد البحري في البحر المتوسط.
على ماذا ينص اتفاق حميميم وطرطوس؟
أعلنت وزارة الخارجية السورية في 9 أغسطس/آب 2026 التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا بعد نحو 18 شهرًا من المفاوضات بشأن وجودها في حميميم وطرطوس.
بموجب الإعلان، تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني في حميميم، فيما تعود المواقع التجارية التي كان الروس يشغلونها في ميناء طرطوس إلى الإدارة السورية، وتتحول المنشآت العسكرية في الموقعين إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل.
وبدأ التنفيذ في اليوم نفسه، إذ أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي تسلم إدارة مطار اللاذقية الدولي وبدء تقييم أنظمته ومرافقه تمهيدًا لتأهيله واستقبال الرحلات.
واستخدمت البيانات الرسمية تسميتين للمطار، إذ تحدث بيان الخارجية السورية عن “مطار حميميم” عند الإشارة إلى المنشآت المدنية المشمولة بالاتفاق، بينما استخدمت هيئة الطيران ووكالة سانا خلال جولة وزير الخارجية أسعد الشيباني تعبير “مطار اللاذقية الدولي”.
وتشير البيانات إلى انتقال المرافق ذات الطابع المدني إلى المؤسسات السورية، فيما تدخل المنشآت العسكرية ضمن مراكز التدريب المشتركة.

وفي طرطوس، تسلمت السلطات السورية الرصيف التجاري رقم 4 والمستودعات والمنشآت المرتبطة به. ويبلغ طول الرصيف 630 مترًا، ويتراوح غاطسه بين 10 أمتار و13.2 مترًا، ويمكنه استقبال ثلاث سفن كبيرة في الوقت نفسه بحمولات تصل إلى 55 ألف طن، إلى جانب المستودعات ومساحات التخزين المجاورة.
وكان الرصيف نفسه محورًا لمفاوضات خلال الأسابيع السابقة، إذ قال مسؤولون ومشغلو مشروع لوكالة رويترز في 9 يوليو/تموز 2026 إن روسيا كانت تأمل تشغيل مركز لوجستي تجاري عليه بطاقة مستهدفة أولية تبلغ نحو 250 ألف طن من البضائع شهريًا، مع استخدام رصيف آخر للعمليات البحرية الروسية.
بعد نشر التقرير، رد المتحدث باسم هيئة المنافذ والجمارك السورية مازن علوش بأن روسيا لن تدير مركزًا تجاريًا في الميناء، وأن أي اتفاق رسمي يتعلق بالمرافئ سيعلن عبر المؤسسات الحكومية، ثم جاء اتفاق أغسطس/آب ليضع الرصيف الرابع ومستودعاته ومرافقه التجارية تحت إدارة الدولة السورية.
ويخص التغيير الآخر المنشآت العسكرية في الموقعين، إذ تحدث الإعلان السوري عن تحويلها من قواعد عسكرية إلى مراكز سورية روسية للتدريب والتأهيل. واعتبرت “أسوشيتد برس” أن الترتيبات تقود بعد استكمال عملية التحويل إلى انتهاء استخدام حميميم وطرطوس كنقطتي انتشار عسكريتين روسيتين مستقلتين، مع استمرار وجود روسي ضمن المراكز المشتركة.
ولم تعلن دمشق أو موسكو عدد العسكريين الروس الذين سيعملون فيها أو نوع الوحدات والمعدات التي ستبقى معهم، كما بقي وضع الاتفاقات القديمة غير معلن قانونيًا.
إذ يعود اتفاق نشر المجموعة الجوية الروسية في حميميم إلى عام 2015، بينما وقعت دمشق وموسكو اتفاق طرطوس في 18 يناير/كانون الثاني 2017، ثم صدقت عليه روسيا في 29 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، وكان يمنح موسكو حق استخدام المنشأة البحرية لمدة 49 عامًا.
ويقتصر الإعلان السوري الجديد على إعادة تنظيم إدارة المنشآت المدنية والتجارية وتغيير وظيفة المرافق العسكرية، من دون إعلان إلغاء اتفاقي 2015 و2017 أو تعديلهما قانونيًا.
كيف تقلص الانتشار الروسي منذ سقوط الأسد؟
قدم الرئيس السوري أحمد الشرع في يوليو/تموز 2026 وصفًا رسميًا لمسار الانسحاب الروسي، بالقول إن القيادة الجديدة تواصلت مع موسكو أثناء عملية إسقاط النظام، وإن الطرفين اتفقا على “إزالة القواعد المنتشرة في سوريا، وحصر الانتشار في قاعدة حميميم، وجزء من قاعدة طرطوس”.
وبدأت إعادة الانتشار خلال الأيام الأولى بعد سقوط الأسد، ففي 13 ديسمبر/كانون الأول 2024 أظهرت صور التقطتها شركة الأقمار الصناعية الأمريكية “ماكسار تكنولوجيز”، طائرتي نقل ثقيلتين من طراز “أنطونوف أن-124” في حميميم وقد فتحت مقدمتهما استعدادًا لتحميل المعدات، إلى جانب مروحية هجومية من طراز “كاموف كا-52” يجري تجهيزها للنقل وعناصر من منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400” أثناء تفكيكها.
وقالت القناة الرابعة البريطانية في اليوم نفسه، إنها شاهدت قافلة تضم أكثر من 150 مركبة عسكرية روسية تتحرك بصورة منظمة.
وفي 14 ديسمبر/كانون الأول قال أربعة مصادر سورية لرويترز إن موسكو كانت تسحب قواتها من خطوط الجبهة في شمال سوريا ومن مواقع في جبال الساحل، مع نقل معدات ثقيلة إلى القواعد الساحلية، فيما شوهدت قافلة تضم عربات قتال مشاة ومركبات لوجستية على الطريق بين طرطوس وحميميم.
وتزامنت التحركات البرية والجوية مع خروج سفن روسية من طرطوس، إذ أظهرت صور شركة الأقمار الصناعية الأمريكية “بلانيت لابز” أن السفن غادرت المراسي بين 6 و9 ديسمبر/كانون الأول.

وكانت صورة التقطت في 5 ديسمبر/كانون الأول تظهر ست قطع بحرية داخل المنشأة، بينها خمس سفن سطحية وغواصة، بينما أظهرت صورة بعدها بأيام ثلاث قطع على الأقل في البحر على بعد نحو 13 كيلومترًا شمال غربي طرطوس، بينها فرقاطتان مزودتان بصواريخ موجهة وناقلة إمداد. واستمرت موسكو بعد هذه التحركات في التفاوض مع السلطات السورية بشأن مستقبل حميميم وطرطوس.
وبحلول نهاية يناير/كانون الثاني 2025، كانت عملية إعادة الانتشار قد نقلت قوات ومعدات روسية من مناطق سورية مختلفة إلى حميميم، وفق تقارير ومعاينات أسوشيتد برس، فيما استمر وجود روسي أصغر في مطار القامشلي شمال شرقي سوريا، حيث بدأت موسكو انتشارها عام 2019.
واستمر هذا الموقع حتى يناير/كانون الثاني 2026، عندما قال خمسة مصادر سورية لرويترز في 26 من الشهر إن روسيا بدأت سحب قواتها من المطار، وأفادت بنقل مركبات عسكرية وأسلحة ثقيلة باتجاه حميميم، بينما غادر جزء من العسكريين إلى روسيا.
وكانت الأعلام الروسية ما تزال مرفوعة وطائرتان تحملان علامات روسية موجودتين في المطار أثناء عملية الانسحاب، ثم دخل صحفيو أسوشيتد برس في اليوم التالي قاعدة مجاورة ووجدوا مساكن الجنود شبه فارغة، وقال عنصر من قوات سوريا الديمقراطية إن نقل المعدات بدأ قبل خمسة أو ستة أيام بواسطة طائرة شحن.
ومع إخلاء القامشلي، أصبح الوجود الروسي محصورًا في حميميم وجزء من طرطوس وفق ما أعلنه الشرع في يوليو/تموز 2026، بعد انسحابات موثقة من خطوط الشمال ومواقع في جبال الساحل وخروج قسم من القوات والمعدات إلى روسيا.
ولا يوجد حتى الآن رقم رسمي لعدد العسكريين الروس الموجودين في سوريا، كما لم تعلن وزارة الدفاع الروسية أو الحكومة السورية جردًا حديثًا للطائرات والمروحيات ومنظومات الدفاع الجوي المتبقية في حميميم، فيما تظهر صور الأقمار الصناعية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 إخراج جزء من المعدات الثقيلة ونقل معدات أخرى من القامشلي إلى الساحل مطلع 2026.
وكانت حميميم خلال عهد الأسد قاعدة جوية قتالية تضم طائرات ومنظومات دفاع جوي، فيما عملت طرطوس مركزًا للصيانة والإمداد البحري، قبل أن ينص اتفاق أغسطس/آب على تحويل المنشآت العسكرية في الموقعين إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل.
لماذا حافظت دمشق وموسكو على التعاون العسكري؟
بدأ التفاوض حول مستقبل العلاقة بعد أسابيع من سقوط الأسد، ففي 29 يناير/كانون الثاني 2025 وصل أول وفد روسي رفيع المستوى إلى دمشق، وقالت الرئاسة السورية إن إعادة بناء العلاقات مع موسكو يجب أن تعالج “أخطاء الماضي” وتحترم إرادة السوريين، كما تناولت الاجتماعات التعويضات وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي ضمن إجراءات بناء الثقة.
وفي 12 فبراير/شباط، قالت الرئاسة السورية، عقب اتصال بين الشرع والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن موسكو أبدت استعدادها لإعادة النظر في الاتفاقات الموقعة مع النظام السابق.
وكشف تحقيق لرويترز في 2 مارس/آذار 2025، استنادًا إلى ثمانية مصادر سورية وروسية ودبلوماسية، أن القيادة السورية ناقشت إعادة التفاوض على شروط الوجود العسكري، وإلغاء ديون وقروض مرتبطة بعهد الأسد، وإعادة أموال سورية قالت دمشق إن النظام السابق أودعها في روسيا، إلى جانب تعويضات عن الدمار المرتبط بالدور الروسي خلال الحرب. ولم تعلن مذكرة أغسطس/آب تسوية هذه الملفات المالية أو مبالغ مرتبطة بها.
واستمرت الاتصالات العسكرية والسياسية خلال 2025 و2026، فقد زار وزير الخارجية السوري موسكو في 31 يوليو/تموز 2025، وقدمت دمشق المحادثات في إطار علاقة سياسية وعسكرية تقوم على السيادة ووحدة الأراضي.
وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن الجانب السوري مهتم باستمرار المنشآت في طرطوس وحميميم، وتحدث عن تطوير وظائف جديدة لها.

وكان بوتين قد قال في مؤتمره السنوي في 19 ديسمبر/كانون الأول 2024 إن حميميم يمكن أن تستخدم لإيصال مساعدات إنسانية، ثم أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في 10 يونيو/حزيران 2026 أن الطرفين يناقشان إعادة تنظيم المنشآت العسكرية الروسية.
وزار الشرع موسكو للمرة الثانية في 28 يناير/كانون الثاني 2026، ثم وصل إلى دمشق في 4 فبراير/شباط وفد روسي ضم نائب وزير الدفاع يونس بك يفكوروف لبحث الوجود العسكري والتعاون الدفاعي والاقتصادي، قبل أن يعلن الرئيس السوري في مقابلة يوليو/تموز المحافظة “على الجزء النافع لسوريا، وتصحيح المسار”.
ويرتبط استمرار التعاون بالنسبة إلى دمشق بعلاقات عسكرية واقتصادية قائمة منذ عقود، فقد اعتمدت قوات النظام السوري البائد على منظومات سوفيتية وروسية تحتاج إلى الصيانة وقطع الغيار والتدريب.
وتحدث تحقيق رويترز عن قدرة موسكو على توفير السلاح والوقود والقمح لسوريا، كما أظهرت وثيقة جمارك سورية اطلعت عليها الوكالة ونشرت تفاصيلها في يوليو/تموز 2026 أن نحو 85 ٪ من واردات سوريا من القمح، من إجمالي 2.9 مليون طن لموسم 2025-2026، جاءت من روسيا ومن شبه جزيرة القرم التي تحتلها موسكو.
وبلغت واردات النفط الروسي، نحو 16.8 مليون برميل خلال 2025، فيما قدرت بنحو 60 ألف برميل يوميًا في الأشهر الأولى من 2026. وقال نانار هواش، الباحث في “مجموعة الأزمات الدولية” إن أدوات النفوذ الروسي في سوريا تشمل قدرة موسكو على توريد المعدات وصيانتها وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي.
وتزامن استمرار العلاقة مع إعادة توزيع المصالح الاقتصادية في طرطوس، ففي 2025 ألغت السلطات اتفاقًا قديمًا مدته 49 عامًا مع شركة “ستروي ترانس غاز” الروسية يتعلق بتطوير منشآت في الميناء، بينما حصلت شركة “موانئ دبي العالمية” الإماراتية على امتياز مدته 30 عامًا بقيمة 800 مليون دولار لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس التجاري، وأعلنت الشركة لاحقًا بدء عملياتها هناك.
وبعد ذلك أعادت مذكرة أغسطس/آب الرصيف التجاري الرابع والمستودعات المرتبطة به إلى الإدارة السورية، فيما استمر التعاون مع روسيا داخل المنشآت العسكرية المخصصة للتدريب والتأهيل.
ومن الجانب الروسي، ترتبط أهمية القاعدتين بالانتشار في البحر المتوسط وإفريقيا، فقد كانت طرطوس مركز روسيا الوحيد في المتوسط للصيانة وإعادة الإمداد البحري، بما يسمح للسفن بالتزود وإجراء أعمال الصيانة من دون العودة إلى موانئ بعيدة، فيما استخدمت حميميم محطة لنقل الأفراد والمعدات باتجاه ليبيا ومناطق النشاط الروسي في القارة الإفريقية.
وشرح “المعهد الملكي للخدمات المتحدة” البريطاني في يناير/كانون الثاني 2025، أن طرطوس وفرت للقوات الروسية التزود بالوقود وإعادة الإمداد والصيانة داخل مسرح البحر المتوسط، وربط المنشأة بالوصول إلى ليبيا والبحر الأحمر ودعم نشاط “فيلق إفريقيا” الروسي بالسودان وغرب إفريقيا.
وأشار المعهد في التحليل نفسه إلى أثر الحرب الروسية الأوكرانية وتطبيق تركيا أحكام اتفاقية مونترو المتعلقة بمرور السفن الحربية عبر المضائق، وهو ما يزيد صعوبة الربط بين القطع الروسية العاملة في المتوسط وأسطول البحر الأسود.
وتعتمد البحرية الروسية على عدد من السفن ذات المدى والتحمل المحدودين نسبيًا، لذلك خفف وجود منشأة صيانة وإمداد في طرطوس عبء سفن الإسناد وساعد على إطالة فترات الانتشار.
ودرس المعهد إمكانية استخدام موانئ في الجزائر أو شرق ليبيا، واعتبر أن هذه المواقع تستطيع توفير بعض الخدمات، فيما تواجه روسيا في شرق ليبيا قيودًا تتعلق بالبنية التحتية والصيانة والأرصفة والبيئة السياسية، وقدر أن فقدان قدرات الصيانة والإمداد التي كانت متاحة في طرطوس سيجعل النشاط البحري الروسي في المتوسط أكثر تشتتًا وأصعب من حيث الاستمرار.
وتبقى ترتيبات التشغيل العسكري في حميميم وطرطوس غير معلنة، وفي مقدمتها حقوق السفن الروسية في الرسو والصيانة والتزود بالوقود والذخائر، واستخدام الطائرات العسكرية للمدرجات، ووضع منظومات الدفاع الجوي، إلى جانب أي ترتيبات تتيح استخدام الموقعين في نقل الأفراد والمعدات باتجاه ليبيا وإفريقيا. كما لم تعلن مدة الاتفاق الجديد أو آلية إنهائه، وهي تفاصيل ترتبط مباشرة بالوظائف العسكرية واللوجستية التي أدتها القاعدتان لروسيا خلال السنوات الماضية.