اتسمت تصريحات ترامب فيما يتعلق بحرب واشنطن مع طهران بقدر كبير من العشوائية والتخبط، مما صعّب على وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية وأعضاء المجتمع الدولي، من حلفاء أو مناوئين، رسم استراتيجية واضحة لإدارة واشنطن لهذه الحرب التي تهدد السلم والأمن الدوليين، وتنذر باحتمالية انجرار العالم إلى حرب عالمية طاحنة تتجاوز أطرافها الأصلية.
غير أن سمة التخبط في التصريحات والقرارات الأمريكية على السواء لم تكن تعكس فقط عشوائية شخصية ترامب ونرجسيتها، ولا ضحالة خبرته السياسية والعسكرية فحسب، بل إنها في كثير من الأحيان كانت تُخفي مساراً تضليلياً وتلاعباً مقصودًا بتصورات الرجل ومعلوماته حول حقيقة ما يجري.
فكيف تلاعب وزراء ترامب ودائرته المقربة من مسؤولي البيت الأبيض بقراراته؟ هل هناك مخطط مُسبق مُتفق عليه بين أعضاء الإدارة لتهميش شخصية ترامب واستغلال نقاط ضعفها لغايات دفع أجنداتهم الخاصة بشأن إيران؟ أم أنها لعبة طفولية خطرة تمارسها شخصيات ذات خبرة سياسية وعسكرية ضحلة؟ وما الأثر الذي يحمله هذا المعسكر المتآمر على مجريات الحرب مع طهران؟ وهل يعفي هذا التوجه ترامب من مسؤولية ما يحدث؟ يحاول هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.
الخطر الموهوم: هكذا دخل ترامب حرب إيران
في تحقيق لنيويورك تايمز حول الدافع الذي عزا بإدارة ترامب لدخول حربٍ مع طهران، بعد أن كانت المحادثات السرية الأمريكية الإيرانية تسير على خير ما يرام وتنبئ بحل دبلوماسي قريب للأزمة النووية بين الطرفين؛ تشير الصحيفة إلى أن تل أبيب ومن خلال وكلائها ومناصريها في إدارة ترامب، قادت معسكراً من المعلومات المضللة حول مدى جاهزية المنظومة النووية لطهران، غير أن هذا المعسكر لم يكن العامل الوحيد لاتخاذ ترامب لقرار الحرب، إذ يبدو أن الرئيس نفسه كان مأخوذاً بنشوة العملية الخاطفة في فنزويلا، والتي أطاحت بمادورو دون خسائر امريكية تذكر، وأن ثقته الزائدة بإمكانية تحقيق “جراحة عسكرية” دقيقة وخاطفة لإسقاط نظام المرشد، بما يزيد من رصيده الرئاسي، دفعته باتجاه ترجيح كفة الحرب على الحل الدبلوماسي.
وفي رسالة استقالته المقدمة في مارس من عام 2026، أقرَ جوزيف كينت، مدير مركز مناهضة الإرهاب الوطني، وهو أرفع مسؤول سياسي يستقيل احتجاجاً على حرب أجنبية منذ عقود، بتعرض ترامب للخديعة على يد كبار مسؤولي إدراته، ممن أسماهم “دعاة الحرب”، مدعومين بمسؤولين إسرائيليين. كينت أشار إلى أن إيران لا تشكل بحال خطراً داهماً على الولايات المتحدة أو مصالحها، وأن دخول حرب معها هو أمر غير مبرر، وجاء نتاج ضغط وتلاعب إسرائيلي وأمريكي داعم لإسرائيل.
وصف كينت الأيادي المتلاعبة بقرار ترامب بشأن الحرب، وخلق تصوّر لديه بإمكانية تحقيق نصر سريع بالضربة القاضية بـ”غرفة الصدى”، وشمل فيها مسؤولين أجانب يحملون الجنسية الإسرائيلية وآخرين أمريكيين موالين لإسرائيل، إضافة إلى شخصيات مؤثرة في الإعلام الأمريكي ساهمت في حرف ترامب عن مبدأ “أمريكا أولاً” بحسب وصفه، ما حمل تهديداً للمصالح والأمن القوميين الأمريكيين على المدى الطويل.
ينطلق كينت من تجربة شخصية مريرة في التدخلات الأمريكية العسكرية ذات الطابع التضليلي؛ فزوجته، شانون كينت، كانت قد قضت في تفجير لمطعم في سوريا عام 2019 على يد تنظيم الدولة، حيث كانت تعمل كخبيرة تشفير لصالح البحرية الأمريكية. وقد أثار مقتلها حفيظة كينت الذي وجه اتهاماً لإسرائيل بالتلاعب بأمريكا وحضّها على التدخل في سوريا، الأمر الذي تسبب في إزهاق ارواح أمريكيين في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
لا يقف كينت وحيداً في التصدي للتضليل بشأن قدرة إيران على تهديد الولايات المتحدة؛ إذ إن رئيسة شعبة الاستخبارات تلسي جابارد تمسكت هي الأخرى بتقييم شعبتها لقدرات طهران النووية؛ فقبيل الضربة العسكرية الأولى التي وجهتها واشنطن لطهران صيف 2025، أكدت جابارد، في شهادتها أمام الكونجرس، أن طهران ما تزال بعيدة عن تطوير سلاح نووي قد يشكل تهديداً لأمن واشنطن.
شهادة جابارد جلبت لها مواجهة مرّة مع ترامب الذي اتهمها بالشطط وهاجم شهادتها أمام أرتال الصحفيين، مدعياً أنها لا تملك ادنى فكرة عما تتحدث عنه. ورغم المواجهة الحادة مع ترامب؛ عادت جابارد وأشارت في شهادة ثانية لها أمام لجنة الإستخبارات في مجلس الشيوخ، مارس من العام الجاري، أن طهران ما تزال بعيدة عن تطوير سلاح نووي، ولم تقم بترميم قدراتها العسكرية التي فقدتها إبان الهجمة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الأولى، وأنها بهذا المعنى لا تشكل خطراً عسكرياً على الولايات المتحدة.
كان هذا قبل أن تمارس عليها إدارة ترامب ضغطاً متزايداً دفعها لتغيير اقوالها بصورة فجّة، والإدعاء أنها باتت الآن مقتنعة بخطورة طهران العسكرية، وبأنها قريبة من تطوير سلاح نووي، في تناقض طفولي دفع بالمراقبين لاتهامها بالإنحاء لريح ترامب العاتية عوض المواجهة الشجاعة.
وقد تعددت التقارير التي توزّع الاتهامات على أطراف خارجية، وبشكل أساسي إسرائيل، خاصة بعد زيارة بنيامين نتنياهو للبيت الأبيض في الحادي عشر من فبراير/شباط، أي قبل أسبوعين فقط من انطلاق العملية العسكرية، وهي الزيارة التي وصفتها نيويورك تايمز بالتسويقية، كما شملت هذه التقارير أطرافًا عربية، مثل المملكة العربية السعودية، قيل إنها شاركت في الدفع بترامب لاتخاذ قرار الحرب.
غير أن ترامب نفسه أشار إلى شخصيات من دائرته المقرّبة شجعته على اتخاذ القرار، وعلى رأسهم صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو. وقد ذكر ترامب أن هذه المجموعة حضّته على مهاجمة إيران، مؤكدين أنها ستبادر بالهجوم أولًا إن لم يتخذ القرار بسرعة.
وبينما تحاول بعض الجهات الموالية لترامب، والتي تعتقد بخطورة الخطوة التي اتخذها بمهاجمة إيران، تصوير القرار وكأنه جاء نتيجة خداعٍ محكمٍ من قبل جهات أجنبية ومسؤولين مغرضين؛ ينحو أعداء ترامب السياسيون إلى تأكيد تورطه في القرار وتحميله مسؤولية جرّ الولايات المتحدة إلى حرب قد تتوسع وتجلب الدمار على مصالح واشنطن، كما فعلت حرب العراق سابقاً.
ويؤكد هؤلاء أن شخصية الرئيس الاستعراضية، إلى جانب ضحالة خبرته السياسية، قد أسهمتا، جنبًا إلى جنب مع الزمرة المتلاعبة، في دفعه إلى اتخاذ قرار الحرب.
هيغسيث والتفاؤل المضلل
في تقرير لواشنطن بوست، كشف مسؤولون أمريكيون، تحت شرط السرية، عن قيام بيت هيغسيث، وزير حرب ترامب، بتضليل العامة والرئيس نفسه في إحاطاته التي شاركها مع البيت الأبيض، وأشارت إليها مؤتمراته الصحفية، حيث كان الوزير، وفقاً لاتهام المسؤولين، ينحو باتجاه التفاؤل المبالغ فيه، بما لا يعكس وقائع المعركة، الأمر الذي قاد ترامب، بحسب مسؤولي البيت الأبيض، إلى نقل معلومات مغلوطة، واتخاذها أساساً لمواصلة القتال والتشدد في شروط الاتفاق الذي من شأنه أن ينهي العمليات العسكرية بين الأطراف المتحاربة.
وقد ساهم هيغسيث في تشكيل تصوّر مغلوط لدى ترامب بضعف قدرات طهران الدفاعية الجوية، على وجه الخصوص، في محاولة لحثّ الرئيس على خوض غمار مغامرة يعتقد أنها محسوبة النتائج. إلا أن الشكوك حول المعلومات المضللة التي مررها هيغسيث لترامب بشأن قدرات طهران العسكرية ثارت بُعيد إسقاط المقاتلة الأمريكية إف-15، وما تلاها من عمليات إنقاذ لطاقمها. وأثبت هذا الحدث أن طهران، وعلى عكس ما ادعاه هيغسيث، تملك دفاعات جوية قادرة على استهداف الطائرات الأمريكية في مجالها الجوي.
وحين جوبه البيت الأبيض باحتمال تضليل بيت هيغسيث لترامب بشأن قدرات طهران، وما إذا كان الرئيس سيخوض الحرب ابتداءً لو علم بحقيقة الأمر، سارعت متحدثة البيت الأبيض آنا كيلي إلى نفي ذلك، قائلة إن ترامب لطالما توقع مقاومة عسكرية شرسة من طهران كردّ على العمليات العسكرية الأمريكية على أراضيها وفي أجوائها.
لم يكن ادعاء هيغسيث بشأن الدفاعات الجوية الإيرانية هو الوحيد الذي حامت الشكوك حول دقته؛ فهناك أيضاً المعلومات المتعلقة بمصير المنظومة الصاروخية ومنظومة الطائرات المسيّرة لطهران، والتي ادعى الوزير أنها دُمّرت بالكامل نتيجة الهجمات الأمريكية، على خلاف التقييمات الاستخباراتية التي نقلتها سي إن إن، وأشارت بوضوح إلى أن أكثر من نصف المنظومة الصاروخية لطهران لم يتضرر، إضافةً إلى آلاف المسيّرات الهجومية التي لم تُمس.
كما أدلى هيغسيث بتصريحات مضللة للجمهور والصحفيين في إحاطاته الدورية ومؤتمراته الصحفية بخصوص تأثر المنظومة العسكرية لطهران مع تواصل العمليات القتالية، ففي 31 مارس/آذار، أعلن أن طهران تعرضت لاستنزاف في قدراتها الصاروخية، مشيرًا إلى أن الساعات الأربع والعشرين الأخيرة قبيل التصريح شهدت أدنى مستوى للإطلاق الصاروخي، وهو ما نفاه مسؤولو الإدارة، وأشاروا إلى تعارضه مع المذكرات الداخلية المتداولة داخلها، والتي تُظهر أن أياماً مثل 14 و15 و22 من مارس/آذار هي التي شهدت أدنى مستويات الإطلاق، وليس 31.
كما انتقد مسؤولون أمريكيون التركيز العشوائي والانتقائي لهيغسيث على عدد الصواريخ المطلَقة بدلًا من قدراتها التفجيرية ومدى دقتها في إصابة أهدافها، وهو أمر يحمل دلالات عسكرية تتعلق بمدى تعافي القدرة العسكرية لطهران وتطور استراتيجيتها الهجومية وطول نَفَسها، ويؤثر على المنظور العام لجدوى الحرب وتحقيقها لأهدافها، وبالتالي على إمكانية استمرارها من عدمه.
التهميش في صنع القرار
تسبب الأسلوب المتهور وغير المحسوب لترامب في اتخاذ قرارات تتعلق بسير العمليات العسكرية في طهران، وإمكانية استئنافها، والأهداف الاستراتيجية التي تبتغيها، بشكل علني ومتناقض ومربك، مما وضع مسؤولي إدارة ترامب في ضيق، في وقت يبدو أنهم يتحركون فيه داخل عين العاصفة. فمن ناحية، هناك اعتبارات الأمن القومي والسرية العسكرية التي دأب الجناح العسكري الأمريكي، والسياسي الملتصق به، على مراعاتها أثناء عملياته في الخارج. ومن ناحية أخرى، يتوجس مسؤولو الإدارة من ردّات فعل ترامب وهيجانه، الذي أقصى عدداً كبيراً من المسؤولين المقربين، وتسبب في موجة هجوم كاسحة عرّتهم من امتيازاتهم، وحكمت فعلياً بالإعدام على مستقبلهم المهني.
يحتل جي دي فانس، نائب الرئيس الحالي، موقعاً متقدماً في هذه الفوضى. إذ أشارت تقارير إلى أن فانس، الذي يحاول النأي بنفسه عن حماقات ترامب طمعاً في حظوظ جيدة في الانتخابات الرئاسية لعام 2028، كان مترددًا بشأن العملية العسكرية في طهران، وأبدى مخاوف حيال احتمالات نجاحها. لكنه، في الوقت ذاته، وما إن استقر ترامب على قرار المشاركة، حتى نكص على عقبيه وأكد ضرورة دخول الولايات المتحدة بشكل كبير وسريع، في محاولة واضحة للموازنة بين رؤاه الشخصية ومخاوفه من إغضاب ترامب، ما أثار موجة من الانتقادات لعدم تمسكه بموقفه أو إظهاره قدراً كافياً من الشجاعة السياسية.
وانضم إلى موقف فانس المتردد مسؤولون من وزارة الخزانة الأمريكية والمجلس الاقتصادي الوطني، إضافة إلى سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، وجيمس بلير، أحد مستشاري ترامب، الذين حذروا الرئيس من مغبة ارتفاع أسعار الوقود في الداخل الأمريكي وتأثير ذلك على العملية السياسية وحظوظ الحزب في الانتخابات النصفية.
وقد أشارت ذا أتلانتيك إلى أن مساعدي ترامب يبقونه في الظلام في محاولة للحد من تدخلاته في صناعة القرار بشأن إيران والتحكم في سقطاته الإعلامية المكلفة. بينما نقلت جيروزاليم بوست عن مسؤولين في الإدارة أن ترامب يمضي ساعات في الصراخ المتواصل على مساعديه، في أجواء متوترة تحول دون التوصل إلى قرارات سليمة، مما حدا بهم إلى استثنائه في أوقات الذروة. وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن كفاءة وقانونية عمل الإدارة ككل، والتي تبدو وكأنها تعمل كمدرسة إعدادية أكثر منها نواة حكم وصانعة قرار في الولايات المتحدة.
وفي حادثة اختفاء الطيارين الأمريكيين عشية إسقاط طهران للمقاتلة الأمريكية إف-15، نقلت وول ستريت جورنال عن مسؤولين من الدائرة المقربة لترامب أنهم أبقوه خارج غرفة العمليات، بينما كانوا يتلقون تحديثات آنية بشأن مصير الطيارين، إذ اعتقدوا أن قلة صبره لن تكون في مصلحة إدارة الموقف، وفضلوا إطلاعه على التطورات في أوقات متباعدة ومناسبة، بحسب وصفهم.
وقد أشارت تسريبات من داخل البيت الأبيض إلى أن مسؤولي إدارة ترامب يطّلعونه على سير العمليات العسكرية في طهران بصورة “طفولية”، لا تتجاوز دقيقتين من مونتاجٍ مصوّر مبسّط لانتصارات واشنطن ومدى تقدمها في تحقيق أهدافها، على شاكلة ألعاب الفيديو المنتشرة بين المراهقين. وقد شارك الموقع الرسمي للبيت الأبيض بعض هذه الفيديوهات، التي تتضمن أغانٍ وموسيقى طفولية ولقطات من ألعاب فيديو شهيرة، بينما أشاد أحد مسؤولي الإدارة بحصولها على ثلاثة مليارات مشاهدة خلال أربعة أيام، الأمر الذي أثار انتقادات عدة بشأن جدية هذه الإحاطات وكفايتها في الظرف الراهن.
نجم عن هذه السياسة غير الناضجة حالة من الفوضى خلف كواليس صنع القرار المتعلق بالعملية العسكرية الأمريكية في طهران؛ فمن ناحية، هناك رئيس متخبط يحاول أن يبدو وكأنه منخرط بشكل مكثّف في المشهد، معتقداً أنه يدير إحدى صفقاته، ومن ناحية أخرى، هناك شخصيات بارزة في الإدارة تحاول إبقاءه بعيداً عن غرف العمليات وفي منأى عن حقيقة ما يحدث على الأرض.
ويأتي ذلك في ظل تقييمات رسمية لشُعَب الاستخبارات الأمريكية، التي غالبًا ما تتعارض مع توجهات ترامب وتصريحاته النارية، إذ ترى أن طريقة تعامله مع العملية العسكرية تضرّ بصورة ملموسة بسير العمليات وخطط واشنطن الاستراتيجية. وقد وضع هذا الواقع الفريق الحاكم ووكالات الاستخبارات، على السواء، في دوامة من محاولات احتواء التداعيات العامة لتوجهات ترامب والاستراتيجية الأمنية والعسكرية المترتبة عليها.
التضليل حول طاولة المفاوضات
لعب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مبعوثا ترامب للتفاوض مع طهران، دورًا حاسمًا في الدفع باتجاه الصدام العسكري مع إيران. وقد تواترت الأنباء عن التضليل الذي مارسه الطرفان على ترامب بشأن مخرجات جولات التفاوض، قبيل وخلال العملية العسكرية الأمريكية على طهران.
فقد تضمنت جولات المفاوضات التي سبقت الضربة العسكرية مباشرة، وامتدت عبر جلسات متباعدة بين ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي وفبراير/شباط من العام الحالي، أكاذيب صريحة من ويتكوف بشأن المخزون الذي وصفه بـ”اللامتناهي” من اليورانيوم المخصّب لدى طهران، إضافةً إلى ادعائه بشأن تعنّت طهران ورفضها التنازل عن جوانب من برنامجها النووي، رغم ما أكده الوسيط العُماني، الذي أشرف على جولات التفاوض، من أن طهران طرحت، وللمرة الأولى، جدولًا براجماتيًا لتقليل مخزونها من اليورانيوم إلى أدنى نسبة ممكنة تجعله غير قابل للتخصيب لغايات عسكرية، وهو ما يعني، في جوهره، ضمانًا لعدم سعي طهران إلى تطوير سلاح نووي.
ثم عاد ويتكوف، بعد بدء الهجوم على طهران، وادّعى في مقابلة مع سي إن بي سي، مبررًا قرار ترامب ضرب إيران، أن الأخيرة ستتمكن خلال سنة واحدة فقط من تصنيع ما بين 30 و40 قنبلة نووية، لولا “شجاعة” ترامب في اتخاذ قرار الحرب.
وقد دفعت أكاذيب ويتكوف بشأن مخرجات المفاوضات مع طهران بوزير خارجية عُمان بدر بن حمد البوسعيدي إلى التوجه شخصيًا، وعلى نحو عاجل، إلى واشنطن لإيصال رسالة طهران الحقيقية برغبتها في توقيع اتفاق يفوق ذلك الذي أبرمته مع باراك أوباما، والذي أفضى إلى توقيع الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران عام 2015.
وانضم إلى ويتكوف في لعبة التضليل جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، إذ غذّى الطرفان، بحسب تقارير متعددة، مخاوف ترامب من أن طهران غير جادة في المفاوضات، وأنها تشتري الوقت لتبادر بالهجوم أولًا، بما يفوّت على الرئيس فرصة الإمساك بزمام المبادرة ويجرّه إلى مربع ردّ الفعل غير المحسوب. وقد كان لهاتين الشخصيتين الأثر الأكبر في دفع ترامب إلى اتخاذ قرار الحرب.
وتجمع الشخصيتين، إضافةً إلى موقعهما التفاوضي مع طهران، قواسم مشتركة ألقت بظلال من الشك على دورهما في الحرب وأثارت حفيظة المتابعين؛ فهما مقربتان من حكومة بنيامين نتنياهو، وتعملان كأبواق لرغبات تل أبيب داخل البيت الأبيض. كما يملك الطرفان مصالح مالية تستفيد بشكل مباشر من العمليات العسكرية الأمريكية في طهران، وترتبط أساسًا بدول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط، وهو ما سلط الضوء على مدى نزاهة الدور الذي يلعبانه وصدق نواياهما على طاولة المفاوضات.
وقد تكرر الدور السلبي لويتكوف وكوشنر في محادثات الهدن القصيرة بين الطرفين بعد اندلاع الأعمال العدائية، حيث جرى استبعاد أسماء معروفة بمعارضتها للحرب مع طهران، مثل نائب الرئيس جي دي فانس، من جولات المفاوضات، والإبقاء عليهما تكرارًا، رغم رفض طهران ووسطاء آخرين لوجودهما ومطالبتها بفانس بديلًا أكثر نزاهة.
وأثار اختيار هذا الثنائي لتمثيل واشنطن مرارًا امتعاض طهران، خاصة في ظل عدم إرسال البيت الأبيض خبراء نوويين للتفاوض بلغة يفهمها هؤلاء، ما عزز الشعور بسوء نوايا واشنطن، واعتمادها التفاوض وسيلة للتعمية وكسب الوقت بدلًا من السعي إلى اتفاق مقبول للطرفين.
فقد أشارت جهات مختصة، منها جمعية التحكم بالتسليح الأمريكية، إلى جهل كل من ويتكوف وكوشنر بأساسيات تقنية وتاريخية مهمة، ما جعل مهمتهما التفاوضية شكلية ومعيبة إلى حد كبير، ودفع خبراء ومراقبين إلى افتراض أن حرب واشنطن مع طهران اندلعت، جزئيًا، نتيجة هذا القصور في فهم طبيعة التسليح النووي وما كانت تطرحه طهران على طاولة التفاوض.
في المقابل، رأى آخرون أن ويتكوف وكوشنر كانا يمارسان تضليلًا مقصودًا وكذبًا صريحًا على إدارة ترامب، لا مجرد جهل غير متعمد، ما جعل “رجلي السلام” التابعين لترامب عقبة أساسية في طريق التوصل إلى اتفاق فعلي بين واشنطن وطهران، بحسب ما خلصت إليه نيويورك تايمز.

