في السادس من شهر نيسان الجاري، بدأت وزارة الداخلية استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية للمشمولين بأحكام المرسوم رقم (13) الصادر عن الرئيس أحمد الشرع، بتاريخ 16 كانون الثاني 2026، والذي ينص على أن المواطنين السوريين الكُرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. وعليه، يقضي المرسوم بمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم “مكتومو القيد”، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.
قرارٌ أعاد تسليط الضوء على قضية “المكتومين”، التي تعود جذورها إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وهي ليست جديدة في تاريخ البلاد كما يظن البعض، بل ارتبطت بشكل وثيق بمحافظة الحسكة، التي تُعدّ الخزان الأكبر لمعدومي الجنسية في سوريا.
اتفاقية 1938 وبداية المعضلة
لطالما كانت سوريا محطة تاريخية للهجرات المتعددة التي تماهت مع نسيجها الاجتماعي، إلا أن مفهوم “المواطنة” اتخذ أبعادًا معقدة مع بروز ظاهرة “معدومي الجنسية” إبان عهد الانتداب الفرنسي، فلم تكن الجنسية السورية، منذ ظهورها قانونيًا عام 1925، مجرد توصيف قانوني، بل تحولت إلى أداة ضغط في خضم التجاذبات الحدودية والسياسية بين سلطات الانتداب الفرنسي والحكومة التركية.
تجلّى ذلك بوضوح في أحداث لواء إسكندرون، الذي شهد أولى سياسات تغيير الهندسة الديموغرافية القسرية، وتكرّس لاحقًا في “بروتوكول الجنسية” الملحق باتفاقية 23 يوليو/تموز 1938 بين تركيا وفرنسا، والذي مهّد لضم اللواء إلى تركيا عام 1939، دافعًا آلاف العائلات إلى خيارين لا ثالث لهما.
تميّزت وضعية السكان في هذه الاتفاقية بما يمكن وصفه بـ”التبادل الناعم للسكان”، الذي بدا في ظاهره طوعيًا، بينما انطوت وظيفته السياسية الفعلية على تخلّص تركيا من أكبر قدر ممكن من المجموعات التي تعيق سياسات الإدماج القومي. وبذلك تحوّلت عملية تبادل السكان إلى عملية نزع للجنسية، حيث جرى تخيير سكان لواء إسكندرون بين الجنسيتين التركية والسورية، قبل نزوح أعداد كبيرة منهم نحو الداخل السوري.
بالتزامن مع ذلك، جرى إلغاء اتفاقية 1930 التي ضمنت حرية التنقل والرعي بين البلدين، ما أدى إلى تقطيع الأوصال البشرية والجغرافية للعشائر الكردية والعربية على جانبي الحدود. وتمثلت الوظيفة الفعلية للبروتوكول الفرنسي التركي في إسقاط الجنسية التركية عن الأكراد والسريان والأرمن اللاجئين إلى الجزيرة، ومصادرة ممتلكاتهم.
دفع هذا الواقع عشرات الآلاف منهم إلى النزوح نحو الداخل السوري، ليتحوّل البروتوكول إلى أداة لخلق فراغ قانوني واسع. واستمرت موجات النزوح لسنوات، حيث استقبلت حلب في الأربعينيات مئات العائلات السريانية، بينما كانت الجزيرة السورية الوجهة الأبرز لهذه الهجرات، التي خلّفت مشكلات ديموغرافية وإدارية ما تزال آثارها قائمة.
بدأت الأزمة مع سياسات الحكومة التركية برئاسة عصمت إينونو، التي قضت بمصادرة أملاك العشائر الكردية وإسقاط جنسيتها، ما أدى إلى موجات هجرة كبيرة نحو الجزيرة السورية، خصوصًا بين عامي 1937 و1938، ما خلق كتلة بشرية لم تجد مكانًا لها في السجلات الرسمية السورية، وهي ما عُرف لاحقًا بظاهرة “المكتومين”.
استقرت هذه الحشود البشرية في الحسكة، ما دفع الحكومة السورية برئاسة بهيج الخطيب إلى إصدار مرسوم تشريعي في 31 آب/أغسطس 1939، فتح بموجبه باب التجنيس وتسجيل الوقائع المدنية للمكتومين في الجزيرة لمدة ستة أشهر، بهدف إدماج النازحين ومنحهم الصفة القانونية السورية، مع إعفائهم من العقوبات.
وتراوحت تقديرات أعداد المكتومين آنذاك بين 40 ألفًا و75 ألف نسمة، وهو فارق كبير يعكس حجم الفجوة بين الإحصاءات الفرنسية والسجلات الوطنية السورية في تلك الحقبة. وقد أحدثت عملية التسجيل هذه تغيرًا ملحوظًا في الأرقام الرسمية، حيث ارتفع عدد سكان محافظة الحسكة المسجلين في قيود النفوس بنسبة بلغت 38.4%، نتيجة مباشرة لعمليات التجنيس والتسجيل المكثف.
هجرات لا تتوقف وحلول حكومية غير مجدية
حاولت الحكومة الوطنية السورية بعد الاستقلال وضع حد لعمليات تسلل المهاجرين الأكراد عبر الحدود، وشكّلت مرحلة ما بعد الاستقلال عام 1943 نقطة تحوّل مفصلية في إدارة ملف الديموغرافيا والجنسية في منطقة الجزيرة السورية، فبعد أن تسلمت الحكومة الوطنية مسؤولية السجل المدني من سلطات الانتداب، تبنّت سياسة مغايرة تمامًا، انتقلت بموجبها من “النهج التوسعي” في الاستيعاب والتجنيس إلى “نهج تقييدي” صارم، وكان هدفه الرئيسي الحد من تدفقات الهجرة غير المنضبطة من تركيا.
وبحلول عام 1944، بدأت الحكومة السورية بتطبيق إجراءات حازمة لضبط التسلل الحدودي، شملت توقيف أي شخص لا يحمل هوية شخصية، وفرض قيود جديدة على معاملات «المكتومين». وفي نيسان/أبريل من العام نفسه، رفعت السلطات سقف شروط منح الجنسية، إذ أعدّت مشروع قانون يرفع المدة المطلوبة للحصول عليها من خمس سنوات إلى عشر سنوات.
ولم تكتفِ الحكومة بذلك، بل أخضعت السجلات المدنية لعمليات تدقيق واسعة، كشفت عن أخطاء جسيمة وفساد كبير في معاملات سابقة، ما دفع السلطات إلى إلغاء قيود وسحب وثائق من أفراد اعتُبروا غير مستوفين للشروط، في خطوة استهدفت تصحيح ما رأت فيه الدولة “تسجيلًا غير قانوني” أو ناتجًا عن تحقيقات ناقصة.
وبينما نجحت الدولة في تقييد “التسجيل”، استمرت “الهجرة” من تركيا بصمت. فقد أشار مراقبون، مثل أحمد وصفي زكريا، إلى استمرار توافد المهاجرين، بمن فيهم شيوخ وأغوات أكراد فارون من سياسات النفي التركية، واتخاذهم من الجزيرة السورية ملاذًا لهم.
وقد تركت هذه الهجرة الصامتة أثرًا ديموغرافيًا وعمرانيًا ملموسًا، يتناقض مع انخفاض أرقام السجلات الرسمية؛ إذ شهدت الجزيرة طفرة في التوسع العمراني، حيث ارتفع عدد القرى المأهولة من 1250 قرية عام 1940 إلى 1800 قرية عام 1945. وتمركزت هذه الزيادة بشكل خاص في أقضية القامشلي والمالكية “ديريك”، ما يؤكد أن الفترة الممتدة بين عامي 1943 و1947 كشفت بوضوح أن السياسة التقييدية للحكومة السورية نجحت في ضبط الأوراق الرسمية، لكنها فشلت في ضبط الواقع البشري.
وبينما كانت السجلات الرسمية تشهد ركودًا، كانت القرى والبوادي في الجزيرة تشهد حركة إعمار وتوطين نشطة، مشكلةً بذلك فصلًا لافتًا من تاريخ المنطقة، حيث كان الوجود البشري يسبق دائمًا الاعتراف القانوني بالهوية.

الإحصاء الاستثنائي
أدى تواصل تدفق الهجرات من تركيا إلى تغيير كبير في منطقة الجزيرة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الأعداد المسجلة في السجلات المدنية والتعداد الفعلي للسكان على الأرض، فقد دفع الفقر والاضطرابات في المناطق الكردية داخل تركيا آلاف العائلات إلى التوجه نحو الأراضي السورية، وتحديدًا محافظة الحسكة، التي كانت تشهد “ثورة زراعية” وتتطلب أيديًا عاملة. وبينما كانت الجزيرة السورية تمثل ملاذًا جاذبًا، قوبل هؤلاء المهاجرون بانسداد أفق نيل الجنسية، ما أدى إلى تشكّل كتلة بشرية متنامية لم تعترف بها الدولة السورية قانونيًا.
وجاء “الإحصاء الاستثنائي”، الذي نفذته حكومة خالد العظم في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1962، ليحوّل هذه الكتلة من “مهاجرين” إلى “عديمي جنسية” بحكم القانون. فقد اعتمد الإحصاء عام 1945 حدًا فاصلًا للمواطنة السورية، معتبرًا كل من لم تثبت قيوده قبل هذا التاريخ “أجنبيًا”، بغض النظر عن مدة استقراره في البلاد أو درجة اندماجه في النسيج الاجتماعي السوري.
وتمخضت عملية الإحصاء عن تسجيل 85 ألف “مقيم” في محافظة الحسكة كأجانب في يوم واحد، أي ما يعادل 27.5% من سكان المحافظة البالغ عددهم 309,279 نسمة، بحسب سجلات الأحوال المدنية آنذاك. وقد قُدّر عددهم في عموم الجزيرة بنحو 125 ألف نسمة، أي ما يقارب 53% من إجمالي عدد السكان الأكراد في المنطقة، وفق التقديرات الأمنية لعام 1963، التي قدرت عدد الأكراد بنحو 160 ألف نسمة. وهو ما يعني عمليًا تحويل الأكراد من أكثرية سكانية في الجزيرة إلى أقلية كبيرة.
وسُجلت هذه الحشود البشرية الكردية ضمن خانة “أجانب تركيا” في سجلات الدولة، وحُرموا من الحقوق المدنية الأساسية، بما في ذلك الملكية والتنقل، رغم أن كثيرين منهم كانوا قد حصلوا سابقًا على هويات سورية، سواء عبر نظام “المكتومين” أو من خلال أداء الخدمة الإلزامية في الجيش السوري.
لم يكن الإحصاء مجرد إجراء إداري، بل أداة سياسية واضحة في محاولة “تعريب الجزيرة” ومواجهة ما سُمّي بـ”المد الكردي”. وكان الرئيس الراحل أديب الشيشكلي من أوائل من تنبّهوا إلى هذه المسألة، بناءً على توصيات من المخابرات الأمريكية، التي حذرته من تشكّل ثورة شيوعية يقودها الأكراد بدعم سوفييتي، تمتد تداعياتها إلى العراق وتركيا وإيران وسوريا.
وعلى الرغم من أن الشيشكلي لم يتخذ إجراءات فعلية حيال ملف المهاجرين الأكراد، بسبب قصر مدة حكمه، فإن هذا الهاجس بقي حاضرًا في الذهنية السياسية السورية تجاه هذه القضية. وقد جرى تسويغ تجريد الجنسية إعلاميًا باعتباره خطوة لحماية الهوية الوطنية، بحسب ما رأت الحكومة آنذاك، ما حوّل التعددية السكانية في المنطقة إلى قضية أمنية ذات طابع وجودي.
وانتهى الإحصاء إلى خلق فئة من “عديمي الجنسية” داخل حدود الدولة، سُمّيت لاحقًا “أجانب المحافظة”، بعد اعتراض الجانب التركي على تسميتهم بـ”أجانب تركيا”. وقد شكّل هذا المسار التاريخي الفصل الأول في سياسات الهوية القسرية التي ميّزت تعامل الدولة السورية مع الأكراد في الجزيرة، حيث جرى تغليب الاعتبارات الأمنية والأيديولوجية على الحقوق والمواطنة، ما أدى إلى حرمان عشرات الآلاف من أبسط حقوقهم، وتركهم في حالة من انعدام الانتماء القسري لعقود طويلة.

ثلاثة طبقات للمجتمع في الحسكة
يوصف المجتمع في محافظة الحسكة بأنه أحد أكثر المجتمعات السورية تعقيدًا وتنوعًا، وهو مجتمع شكّلته بالدرجة الأولى الهجرات القادمة من الخارج. وأمام تخبط السياسة الحكومية السورية تجاهه منذ الاستقلال، تبلور واقعٌ فوضوي فيما يتعلق بـ”القيود المدنية” في الحسكة، وانقسم المجتمع إلى ثلاثة أقسام، تراكمت إشكالياتها على مدى عقود منذ إحصاء عام 1962، وصولًا إلى المتغيرات التي تلت عام 2011، عام إصدار المرسوم 49 القاضي بمنح الجنسية السورية لما يقارب ربع مليون كردي.
ويرتبط هذا التقسيم أساسًا بتباين تعامل الحكومة مع موجات الهجرة الكبيرة القادمة من تركيا مطلع القرن الماضي، والتي شكّل الأكراد النسبة الأكبر منها، إلى جانب السريان والأرمن والعرب المحلمية. وقد أسهمت هذه الهجرات في إحداث تغيير كبير في تركيبة المجتمع في الحسكة، عاصمة الجزيرة السورية. وتستند سجلات الأحوال المدنية في الحسكة، تاريخيًا، إلى ثلاثة تصنيفات رئيسية تحدد وضع السكان من حيث الحقوق والواجبات:
أولًا- المواطنون السوريون: وهم الحائزون على الجنسية الكاملة، والمسجلون رسميًا في سجلات الأحوال المدنية، ويحملون “رقمًا وطنيًا” و”رقم خانة أسرية”.
ثانيًا- أجانب الحسكة: وهم فئة ناتجة في الغالب عن إحصاء عام 1962، وضمّت الأشخاص الذين لم يثبتوا إقامتهم قبل عام 1945 (غالبيتهم العظمى من أكراد تركيا المهاجرين). وقد عوملوا كـ”مقيمين” بموجب هوية تعريفية منحت لهم، عُرفت بـ”البطاقة الحمراء”، وحُرموا من التملك والانتخاب والتوظيف العام، إلى أن صدر المرسوم التشريعي رقم (49) لعام 2011، الذي منحهم الجنسية، وكان قد أصدره رئيس النظام المخلوع بشار الأسد.
ثالثًا- مكتومو القيد: وهم الأفراد الذين لا يملكون أي وجود قانوني (سجل، رقم خانة، أو هوية وطنية). وتضم هذه الفئة تنوعًا عرقيًا واسعًا (عرب، أكراد، تركمان، والقرباط/النَّوَر)، ويحملون “وثيقة مكتوم” فقط، ما يمنعهم من ممارسة الحقوق المدنية الأساسية.
ليس الأكراد وحدهم المكتومون!
ارتبطت صفة “مكتوم القيد” بالأكراد طوال عقود، لكن في الواقع تضمّ سوريا مجموعات عرقية أخرى لا تزال تُصنّف ضمن هذه الخانة. ومن بين هؤلاء مئات من السكان العرب، تتركز غالبيتهم في منطقة الجزيرة، وينحدرون في الأصل من عائلات شبه رحّل وبدوية، فرض عليهم نمط معيشتهم حالة من عدم الاستقرار والابتعاد عن المراكز الحضرية، ما حال دون حصولهم على وثائق رسمية منذ تشكّل الدولة السورية.
وقبيل اندلاع الثورة عام 2011، حاول هؤلاء مرات عديدة الحصول على الجنسية السورية، لكنها قوبلت بالرفض. يقول حسين، أحد العرب المكتومين من أبناء ناحية اليعربية في الحسكة، في حديثه لـ”نون بوست”:
“وُلدنا من دون أي أوراق رسمية ثبوتية. نحن عرب من قبيلة الدليم، نعيش هنا منذ عقود، لكننا بلا جنسية. وهناك كثيرون مثلنا من بقية العشائر. لا نحظى بأي نوع من الحقوق، لا تعليم، ولا طبابة، ولا وظائف، وليس لدينا أي أوراق ثبوتية. وخلال أحداث الثورة، سبّب لنا غياب هذه الوثائق مشاكل جمّة. حاولنا قبل الثورة الحصول على الجنسية، لكن قوبلت مطالبنا بالرفض. واليوم، مع صدور المرسوم الرئاسي 13 القاضي بمنح الجنسية للأكراد، نُمنّي النفس بإجراء مماثل يخصنا، ويمنحنا حقوقنا في المواطنة”.
وتندرج ضمن فئة “المكتومين” أو عديمي الجنسية في سوريا مجتمعات أخرى، مثل القُرباط والنَّوَر، وهي مجموعات عرقية تقوم حياتها على الترحال والتنقل داخل البلاد. ويشير عالم الأنثروبولوجيا الدكتور علي الجباوي، في كتابه “عشائر النَّوَر في بلاد الشام”، إلى أن النَّوَر والقُرباط ينحدرون من أصل واحد، وهم جماعة عرقية قدمت من الهند نحو دول البلقان، قبل أن تصل إلى المشرق العربي. ويشكّلون عشائر متعددة، لكل منها مهنتها الخاصة، ويدينون بالإسلام، ولديهم لغة خاصة تُسمّى “الضُّوم واري” أو “العصفورة”، وينتشرون في معظم مناطق سوريا.
ولا يزال وضعهم القانوني حتى اليوم فوضويًا؛ إذ حصل بعضهم على وثيقة “أجنبي”، كما في بعض عشائر النَّوَر في حمص والساحل وحلب، لكنهم ظلّوا غير مجنّسين. في المقابل، بقيت الغالبية منهم مصنّفة ضمن فئة المكتومين، من دون أي حقوق تُذكر، رغم أن وجود بعضهم في البلاد يعود إلى العهد العثماني. وفوق ذلك، يواجهون نظرة دونية من شريحة واسعة من المجتمع، تُلصق بهم تهمًا وقصصًا قد تصل في بعض الأحيان إلى حد الخيال.
مع صدور المرسوم الرئاسي رقم (13) القاضي بمنح الجنسية للأكراد، تعود قضية التجنيس إلى الواجهة مجددًا، وسط آمال لدى نسبة كبيرة من السكان المكتومين بمساواتهم مع الأكراد وبقية الشعب السوري في الحصول على الجنسية وما يرتبط بها من حقوق المواطنة، وهو حق مشروع.
ومع بدء المكتومين من الأكراد التقدم بطلبات تجنيسهم، لا تزال أعدادهم الفعلية غير واضحة حتى الآن. ووفقًا لتقارير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” (STJ)، والمصادر الحقوقية التي تابعت تنفيذ المرسوم 49 لعام 2011، فإن عدد الأكراد من فئة “مكتومي القيد” الذين تجنسوا مباشرةً بموجب هذا المرسوم بلغ صفرًا، وذلك لأن المرسوم نصّ صراحة على منح الجنسية لفئة “أجانب الحسكة” فقط.
ومع ذلك، جرت عملية تجنيس غير مباشرة لجزء من “مكتومي القيد” عبر مراحل لاحقة، حيث بلغ عدد الذين تمكنوا من تسوية أوضاعهم والحصول على الجنسية السورية بهذه الطريقة نحو 50,400 شخص، وذلك بين عامي 2011 و2018، فيما ظلّ القسم الأكبر من مكتومي القيد دون جنسية.
ونصّت آلية التجنيس حينها على أن يتقدم “مكتوم القيد” أولًا بطلب “تصحيح وضع” ليُسجّل كـ”أجنبي”، وبعد قبول هذا القيد، يصبح مؤهلًا للحصول على الجنسية السورية بموجب المرسوم 49.
وبحسب التقرير، فإنه حتى مطلع عام 2011 بلغ عدد فئة “أجانب الحسكة” (أصحاب البطاقة الحمراء) والمسجلين ضمن قيود المديرية (346,242) فردًا، ومع نهاية شهر أيار/مايو 2018، بلغ عدد الحاصلين على الجنسية السورية من هذه الفئة (326,489) فردًا، فيما لا يزال (19,753) فردًا منهم غير حاصلين على الجنسية السورية حتى الآن. ولا تزال دوائر الأحوال المدنية والسجلات في البلاد تستقبل طلبات التجنيس حتى اليوم، ضمن آلية مخصصة وضعتها وزارة الداخلية السورية.
المصادر:
– إسكندر داود، الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر، تقديم سامي الدهان
– نزار الكيالي، دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر، 1920-1950
– إبراهيم يامين، الدرباسية ماضياً وحاضراً
– أحمد وصفي زكريا، عشائر الشام، ط 3، ج 2
– محمد جمال باروت، التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية
– مذكرات أكرم الحوراني، 4 ج
– أمين حمد أبو عساف، ذكرياتي
– المواطنة السورية المفقودة، كيف دمر إحصاء عام 1962 حياة الكرد السوريين وهويتهم، تقرير لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” (STJ) 2018.