تتحرك الزراعة السورية بعد سقوط نظام الأسد كواحدة من أسرع بوابات العودة الاقتصادية إلى البلاد، لكنها تسير حتى الآن عبر مسار حذر، تكثر فيه الزيارات والمنتديات وخطابات النية، وتتقدم فيه مشاريع الري والبنية الزراعية على صفقات الأراضي الواسعة.
ويتركز الاهتمام الخارجي بهذا القطاع حتى الآن في أربع دول هي الإمارات والسعودية وتركيا والأردن، مع تباين واضح في درجة نضج التحركات وطبيعة المشاريع المطروحة.
تدخل هذه الدول إلى قطاع زراعي خرج من الحرب مثقلًا بخسائر إنتاجية وبنيوية عميقة، هبط خلالها الإنتاج إلى مستويات قياسية متدنية، فيما تراجع إنتاج القمح وحده إلى ربع مستوى ما قبل سنوات الثورة، حين كان يدور حول 4 ملايين طن سنويًا.
وفي أغسطس/آب 2025، قدّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن الجفاف خفّض إنتاج القمح بنحو 40 ٪، وإن سوريا واجهت عجزًا قدره 2.73 مليون طن من القمح، مع توقع إنتاج محلي لا يتجاوز 1.2 مليون طن، في بلد يستهلك نحو 4 ملايين طن سنويًا.
أمام هذا التراجع، أطلقت سوريا منتصف فبراير/شباط 2026 الاستراتيجية الزراعية السورية 2026-2030، واضعة إطارًا رسميًا للبذار المحسنة ورفع إنتاجية المحاصيل وتطوير سلاسل القيمة وتوسيع الاستثمار في الري والتجهيزات والخدمات.
خريطة الأرض والمياه والمحاصيل
تبدأ القراءة الجغرافية من الشرق والشمال الشرقي، حيث تشكل الحسكة والرقة ودير الزور وريف حلب الشرقي حزام الحبوب والأعلاف والقطن والخضار المروية.
في الحسكة، تعد الخضار الصيفية والقطن والحبوب من أبرز المحاصيل، ومع بدء تأهيل عدد من صوامع تخزين القمح في المحافظة أواخر أبريل/نيسان 2026، وتجهيز صوامع بلدة صباح الخير في مايو/أيار، ظهرت محاولة لاستعادة جزء من قدرة المحافظة على استلام المحصول وتخزينه قبل موسم القمح.
وتشير بيانات الفاو، عبر نظامها للإنذار المبكر ورصد الأمن الغذائي GIEWS، إلى أن الشمال الشرقي بقي من أكثر المناطق تأثرًا بجفاف 2025 رغم تحسن الأمطار في 2026، وهو ما يجعل الاستثمار هناك مرتبطًا بالري والوقود والصوامع والمطاحن بقدر ارتباطه بزراعة الحبوب نفسها.
في الرقة ودير الزور، ترتبط الفرصة الزراعية بعودة الفرات وشبكات الري إلى العمل المنتظم. ففي الرقة، جرت خلال 2026 أعمال صيانة وتأهيل لشبكات الري ومعالجة للقنوات والبوابات، بينما شهدت دير الزور إجراءات لحماية الحقول والمعدات من ارتفاع منسوب الفرات.
وتصلح محافظات الفرات والشمال الشرقي للحبوب والأعلاف والخضار والتمور ومحطات الضخ والخدمات الزراعية، مع حاجة واضحة إلى نموذج يقوم على التأهيل والتشغيل، فالأرض القريبة من النهر عالية الخصوبة ومكشوفة في الوقت نفسه أمام الفيضانات وتضرر القنوات والطرق الزراعية.

وتقدم حلب وإدلب صورة مختلفة داخل الشمال، ففي ريف حلب الشرقي، تعتمد مساحات واسعة على مشاريع الري الحكومية المرتبطة بالفرات وقنوات مشروع مسكنة، وقد ساعد تحسن الأمطار وعودة العمل في بعض منشآت الري على رفع قابلية المنطقة للحبوب والخضار والأعلاف والتصنيع الغذائي، بشرط استقرار القنوات والطاقة.
وتبدو إدلب أقوى في الزيتون والخضار والمشاتل، مدعومة بمشاريع تعزيل المصارف والعبّارات وإعادة تأهيل محطة البالعة في سهل الروج لري 50 ألف دونم. لذلك تميل فرصها إلى العصر والتخليل والتعبئة وإنتاج الغراس الزراعية، أكثر من الزراعة الواسعة كثيفة المياه.
في الوسط، تبدو حمص وحماة حزامًا قابلًا لاستعادة دوره مع تقدم مشاريع الري. ويوضح مشروع ري حمص-حماة ومشروع تلحوش، الذي يروي نحو 4 آلاف هكتار في ريفي حمص وطرطوس، أن فرصة المحافظتين مرتبطة بإعادة تشغيل شبكات الري التي تجعل الأعلاف والثروة الحيوانية والزراعة المتوسطة الكثافة والتصنيع الغذائي أقرب إلى التنفيذ.
وفي حماة، يبقى سهل الغاب وشبكات الري والمصارف المرتبطة به عنصرًا مركزيًا في أي تقدير استثماري للحبوب والأعلاف والصناعات الزراعية الوسطية، لكن هذه القنوات وخدمات التشغيل تحتاج إلى تحديث قبل أن تتحول الفرصة إلى إنتاج مستقر.
أما الساحل والجنوب فيقدمان فرصة مختلفة، إذ يتحرك الأول عبر الحمضيات والزيتون والتعبئة والتبريد والمرافئ، بينما يقترب الثاني من منطق السوق الأردنية والتصدير البري.
وفي اللاذقية، تكشف أرقام الري عن قاعدة زراعية أكثر جاهزية نسبيًا، إذ غطت دورات الري 43 ألف هكتار، بالتوازي مع تأهيل سد مشقيتا ومحطة الشلفاطية لضخ مياه الري، ما يعزز فرص الحمضيات والعصائر والتبريد والتصدير البحري.
وفي طرطوس، تمنح الحمضيات والزيتون والغراس المثمرة، مع القرب من المرفأ وارتباط جزء من ريفها بمشروع تلحوش للري، فرصة في الفرز والتوضيب والعصائر وسلاسل التبريد.
أما درعا فتبدو مناسبة للبندورة والبطيخ والعنب والخضار المروية ومعجون البندورة والتجفيف والتصدير عبر الأردن. وبدورها، تواجه السويداء والقنيطرة مشكلات كالجفاف والحساسية الأمنية والاعتماد الموسمي على المياه.
من يدخل السوق الزراعي السوري؟
تعد الإمارات صاحبة المسار الأكثر اكتمالًا في تحويل الزراعة إلى منصة غذاء وتصدير، ففي 2 أبريل/نيسان 2026، عقد اجتماع سوري إماراتي لمناقشة مشروع زراعي وصناعات تحويلية وتعزيز حضور السلع السورية في السوق الإماراتية، ثم جاء المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول في 12 مايو/أيار ليضع الزراعة والأمن الغذائي والخدمات اللوجستية ضمن سلة أوسع من الشراكات.
وفي 22 يونيو/حزيران، بحث وزير الزراعة السوري باسل حافظ السويدان مع وفد من مجموعة سلال الإماراتية الغذائية الزراعية فرص الاستثمار الزراعي والتحضير لتوقيع اتفاقيات للتعاون والاستثمار والتصدير، ما يعطي التحرك الإماراتي طابعًا متقدمًا داخل سلسلة القيمة، من الإنتاج إلى السوق.
ويبدو المسار السعودي أكبر في إطاره السياسي والمالي من تفاصيله الزراعية المعلنة، ففي المنتدى الاستثماري السوري السعودي، عُرضت حزمة من 47 اتفاقية واستثمارًا بقيمة تقارب 6 مليارات دولار في قطاعات متعددة، ووردت الزراعة ضمن مجالات المشاريع النوعية والمزارع النموذجية والصناعات التحويلية.
وجاء لقاء 8 مارس/آذار بين وزير الزراعة السوري ووفد شركة KDC السعودية ليضع القطن في موقع أكثر تحديدًا داخل هذا المسار، عبر بحث الاستثمار في إنتاجه وتصنيعه وتسويقه.
بدورها، تتحرك تركيا بطريقة أقل صخبًا وأكثر التصاقًا بالتشغيل اليومي، إذ أعلنت وزارة الزراعة والغابات التركية في 14 سبتمبر/أيلول 2025 توقيع بيان نوايا لتعزيز التعاون الزراعي مع سوريا، ثم عرضت في مارس/آذار 2026 برنامج تعاون فني شمل إنتاج البيانات الزراعية، وأنظمة التسجيل، وممارسات الزراعة الحديثة، وطرق جمع بيانات القمح والزيتون.
وفي 7 أبريل/نيسان 2026، عقد الاجتماع الأول للجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة السورية التركية JETCO، وخرج بتفاهمات فنية حول المواصفات والجمارك والقياس والالتزام الفني.
وتمهد هذه الملفات عمليًا لحضور الشركات التركية في المدخلات الزراعية والمعدات والري والمطاحن والتخزين والتجارة الحدودية، خصوصًا في الشمال والشمال الشرقي.
ويتحرك الأردن من موقع الجار والممر التجاري أكثر من موقع المستثمر الباحث عن أراض واسعة، ففي 26 أبريل/نيسان 2026، بحث وزير الزراعة السوري باسل حافظ السويدان مع رئيس غرفة تجارة الأردن خليل الحاج توفيق إعداد مذكرة تفاهم زراعية وتشكيل فرق عمل مشتركة، مع تركيز أردني على دعم التصنيع الغذائي وربط المنتجات السورية بالسوق الأردنية وممرات التصدير.
وبعد يوم واحد، بحثت غرفة تجارة عمّان مع الجانب السوري تسهيل حركة الاستيراد والتصدير وتوحيد بعض الإجراءات الفنية والإدارية عبر المنافذ، ثم بحثت تجارة الأردن واتحاد غرف التجارة السورية في 28 أبريل/نيسان تحويل التفاهمات إلى مشاريع عملية وتشكيل مجلس أعمال مشترك. بهذا المعنى، تصبح درعا والجنوب السوري مساحة طبيعية لإنتاج وتصنيع وتصدير بري يرتبط بالسوق الأردنية والخليجية.
سلسلة القيمة.. من البذار إلى التصدير
تكمن الفرصة الأعلى جاذبية في سوريا الزراعية الجديدة في السلسلة التي تبدأ قبل الزراعة وتنتهي بعد الحصاد، إذ تركز الاستراتيجية الزراعية السورية 2026-2030 على أصناف محسنة عالية الغلة ومقاومة للجفاف والأمراض ورفع طاقة إكثار البذار، وهي نقطة دخول عملية لشركات المدخلات التركية والخليجية، لأنها تحتاج رأس مال أقل من صفقات الأرض وتواجه مخاطر ملكية أقل.
وفي بلد خرج من حرب طويلة وجفاف قاسٍ، يمكن للبذار والأسمدة والغراس والشتلات والخدمات الإرشادية والرقمنة الزراعية أن تتحول إلى استثمار أسرع من مشاريع المزارع الكبرى.
الري والطاقة هما الحلقة التي تحدد جدوى كل ما يليها، فمعظم التنفيذ القابل للقياس في 2026 يظهر في مشاريع صيانة القنوات ومحطات الضخ والبوابات، من حمص-حماة، ومسكنة والرقة واللاذقية والقنيطرة وتلحوش، مع حضور واضح لمنظمة الفاو في إعادة تأهيل شبكات الري.
لذلك يبدو الاستثمار في محطة ضخ أو طاقة شمسية للمضخات أو إدارة تشغيل وصيانة أقرب إلى مشروع قابل للتنفيذ من إعلان نية حول زراعة آلاف الهكتارات.
بعد الري يأتي الإنتاج التعاقدي، حيث يدخل المستثمر ممولًا للمدخلات أو ضامنًا لشراء المحصول أو شريكًا في إدارة الحصاد والتوريد، وهو نموذج يناسب الحبوب والأعلاف والقطن والخضار لأنه يربط المزارعين المحليين بسوق أوسع، ثم ينقل القيمة إلى التخزين والتصنيع والتصدير.
ويمنح التصنيع الغذائي رأس المال الخارجي مدخلًا أقل حساسية من حيازة الأرض مباشرة، لأنه ينقل الاستثمار إلى مرحلة ما بعد الحصاد، حيث يمكن تحويل البندورة إلى معجون، والحمضيات إلى عصائر، والزيتون إلى زيت ومنتجات معبأة، إضافة إلى المجمدات والتجفيف والمستخلصات الطبية والعطرية.
بهذا المعنى، تصبح القيمة في المصنع ومركز التعبئة وسلسلة التبريد بقدر ما هي في الحقل، وهو ما يجعل هذا المسار مناسبًا للإمارات والأردن وبعض الشركات السعودية الباحثة عن إنتاج قابل للتسويق والتصدير.
وتأتي مرافق التخزين والتبريد والمعابر في نهاية السلسلة التي ستحدد من يربح من الزراعة، فالساحل يحتاج مراكز فرز وتوضيب وتبريد وشاحنات مبردة للحمضيات والفواكه، والجنوب يحتاج مسارًا بريًا سريعًا عبر الأردن، والشرق يحتاج صوامع ومطاحن وتجفيفًا وطرقًا آمنة.
أما الأسواق الأولى فتبدو في الخليج والأردن والعراق وتركيا، فيما تصبح أوروبا مسارًا لاحقًا مشروطًا بالمختبرات والشهادات والتغليف ومعايير الجودة.
العقد التي تنتظر المستثمرين
العائق الأول أمام خريطة الاستثمار هو الألغام ومخلفات الحرب، إذ حذرت الأمم المتحدة عبر برامجها في سوريا من أن تلوث الأراضي بالذخائر غير المنفجرة يحد من الحركة الآمنة ويعطل العودة والتعافي.
وتركز مشاريع إزالة الألغام في 2026 على مناطق قريبة من الأراضي الزراعية في حلب وحماة وإدلب، والتي يشكل بقاءها كلفة مباشرة على الأرض والطرق والقنوات وأي مشروع زراعي واسع.
ويأتي الماء كعائق ثان، فقد أظهر جفاف 2025 هشاشة الإنتاج السوري، خصوصًا في الشمال الشرقي والسويداء، ومع تحسن أمطار 2026 بقي التعافي غير مكتمل.
ومن هنا ترتفع مخاطر الزراعة كثيفة المياه في المحافظات الأشد جفافًا، وتزداد قيمة الري الحديث والتخزين المائي والطاقة الشمسية للمضخات ومشاريع الصيانة التي تضمن وصول الماء إلى الحقول.
العقبة الثالثة تتعلق بالملكية والتمويل، فقانون الاستثمار الجديد يوسع مساحة الدخول للمستثمر، لكن الملكية العقارية وحقوق العائدين والوثائق والنزاعات المحلية تجعل نموذج شراء الأرض أو حيازتها واسع المخاطر.

وحذر معهد الشرق الأوسط MEI في قراءته لقانون الاستثمار الجديد من عودة “الوصول إلى السوق بوساطة الدولة” ومن الضبابية حول التفاصيل التنفيذية، وهي نقطة حساسة في الريف السوري حيث يمكن للاستثمار الخارجي أن يتحول إلى توتر إذا سبق تسوية الملكيات أو تجاهل المزارعين المحليين.
وتكتمل العقدة بالكهرباء والوقود والمعايير، فتشغيل الري والصوامع والتبريد والمطاحن والمعامل يحتاج طاقة مستقرة، فيما يحد التمويل والامتثال المصرفي والتأمين من سرعة دخول المستثمرين رغم تحسن بيئة العقوبات بعد خطوات أمريكية وأوروبية في 2025.
وتشدد هيئة المواصفات والمقاييس السورية على التعبئة والتغليف والتخزين والنقل بوصفها شروطًا للحصول على شهادات جودة في أسواق التصدير، وهي متطلبات ستحدد قدرة المنتج السوري على الانتقال من السوق القريبة إلى الخليج أو أوروبا.
وتخلص الخريطة إلى أن الاستثمار الزراعي في سوريا الجديدة يتوزع على أحزمة متمايزة، يحمل الشرق والفرات فيها ثقل الحبوب والأعلاف والقطن، ويراهن الوسط على عودة الري والتصنيع الزراعي، بينما يمنح الساحل والجنوب فرصة أسرع في الفاكهة والخضار والتبريد والتصدير عبر المرافئ والمعابر.
ويبدأ اختبار هذه الخريطة من قدرة المستثمرين والدولة على تحويل الوعود إلى بنية تعمل فعليًا، من مياه تصل إلى الحقول، ومحصول يجد من يشتريه، إلى مرافق تخزين وتبريد ومعابر قادرة على نقل الإنتاج السوري من فرصة مؤجلة إلى سلعة تصل إلى السوق.