نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
بنيامين نتنياهو يستقبل الرئيس الهندوراسي المنتخب آنذاك ناصري أسفورا في يناير/كانون الثاني 2026، خلال زيارة سبقت توليه الرئاسة
السلاح والمراقبة والنفوذ.. ماذا وراء الاتفاق الدفاعي بين هندوراس و”إسرائيل”؟
نون بوست
إسرائيل تدفع نحو انفجار انتفاضة قادمة
نون بوست
قضية التكريتي: اختراق وأزمة مكتومة بين لندن وأبوظبي
نون بوست
استهداف نتنياهو لمطار أبو الظهور السوري: رسالة ضلت طريقها إلى العنوان الخطأ
نون بوست
بعد 13 عامًا على كيماوي الغوطة.. هل تكشف أرشيفات النظام منفذي المجزرة؟
نون بوست
عبد الكريم زيدان.. فقيه التقنين وصاحب المدرسة القانونية الإسلامية
نون بوست
كيف تريد الصين تشكيل ما يعرفه الذكاء الاصطناعي عن العالم؟
تحميل شحنة فوسفات في مرفأ طرطوس على الساحل السوري الذي يرجح أن يشكل منفذًا بحريًا لسلسلة إنتاج ونقل الفوسفات التي تبحث تركيا الدخول فيها
من الكهرباء إلى المناجم والموانئ.. أين تتوسع تركيا اقتصاديًا في سوريا؟
نون بوست
صياغة النفوذ في غزة: هل يسترد محمد دحلان مفاتيح السيطرة؟
نون بوست
ما بعد معاهدة مكة: الضربات الإسرائيلية في سوريا تضع النفوذ التركي أمام اختبار حقيقي
نون بوست
المعارضة تعيد تشكيل نفسها.. هل تغير ولادة “الحزب الجديد” معادلة 2028؟
نون بوست
في سوريا… لماذا ننام على ترند ونصحو على آخر؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
بنيامين نتنياهو يستقبل الرئيس الهندوراسي المنتخب آنذاك ناصري أسفورا في يناير/كانون الثاني 2026، خلال زيارة سبقت توليه الرئاسة
السلاح والمراقبة والنفوذ.. ماذا وراء الاتفاق الدفاعي بين هندوراس و”إسرائيل”؟
نون بوست
إسرائيل تدفع نحو انفجار انتفاضة قادمة
نون بوست
قضية التكريتي: اختراق وأزمة مكتومة بين لندن وأبوظبي
نون بوست
استهداف نتنياهو لمطار أبو الظهور السوري: رسالة ضلت طريقها إلى العنوان الخطأ
نون بوست
بعد 13 عامًا على كيماوي الغوطة.. هل تكشف أرشيفات النظام منفذي المجزرة؟
نون بوست
عبد الكريم زيدان.. فقيه التقنين وصاحب المدرسة القانونية الإسلامية
نون بوست
كيف تريد الصين تشكيل ما يعرفه الذكاء الاصطناعي عن العالم؟
تحميل شحنة فوسفات في مرفأ طرطوس على الساحل السوري الذي يرجح أن يشكل منفذًا بحريًا لسلسلة إنتاج ونقل الفوسفات التي تبحث تركيا الدخول فيها
من الكهرباء إلى المناجم والموانئ.. أين تتوسع تركيا اقتصاديًا في سوريا؟
نون بوست
صياغة النفوذ في غزة: هل يسترد محمد دحلان مفاتيح السيطرة؟
نون بوست
ما بعد معاهدة مكة: الضربات الإسرائيلية في سوريا تضع النفوذ التركي أمام اختبار حقيقي
نون بوست
المعارضة تعيد تشكيل نفسها.. هل تغير ولادة “الحزب الجديد” معادلة 2028؟
نون بوست
في سوريا… لماذا ننام على ترند ونصحو على آخر؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

خبراء يجيبون: كيف صنعت إسرائيل سوقًا عالمية لعقارات المستوطنات؟

سندس بعيرات
سندس بعيرات نشر في ٢٢ أغسطس ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

مشروع عقاري في مستوطنة «جفعات زئيف» الإسرائيلية بالضفة الغربية، يظهر في صورة التُقطت عام 2023، وكان من بين المشروعات الواردة في منشورات الفعاليات. تصوير ـ أوهاد تسفايغنبرغ ـ أسوشيتد برس

عند سيطرة سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الأرض أو إقامة مستوطنة فوقها، تبدأ عملية تحويلها إلى مشروع سكني أو اقتصادي، ثم إلى عقار ذي قيمة سوقية يدخل دورة التطوير والتمويل والتسويق والتداول، وقد يصل إلى مشترين ومستثمرين في إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا.

وتصنع قيمة العقار منظومة تضم التخطيط الذي يمنح حقوق البناء، والبنية التحتية التي تزيد جاذبية الموقع، والحوافز الحكومية التي تخفّض كلفة الاستثمار، إلى جانب المطورين والبنوك وشركات التسويق.

ويخضع اختيار هذه المواقع لحسابات ترتبط بقربها من القدس والخط الأخضر والطرق الرئيسية وعقد المواصلات ومراكز العمل والخدمات، إضافة إلى القيمة الزراعية أو السياحية لبعض المناطق. كما تسهم حقوق البناء في رفع أسعار الأراضي، فتغدو الجغرافيا والتخطيط والبنية التحتية أدوات لصناعة السوق العقارية الاستيطانية.

وتتجاوز هذه السوق حدود الضفة الغربية والقدس، إذ تُسوَّق عقارات المستوطنات في دول مختلفة، باعتبارها فرصاً استثمارية أو عقارات قريبة من القدس والمواقع الدينية والتاريخية والسياحية. ووفق تتبّع أجراه التحقيق، شملت فعاليات التسويق الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وأستراليا وبنما والمكسيك، وبرزت فيها منصات مثل My Home in Israel وIMP Group.

يتتبع هذا التقرير رحلة الأرض الفلسطينية من المصادرة والتخطيط إلى الاستثمار والتسويق العالمي، ويفكك الشبكة التي تحولها إلى أصل اقتصادي قابل للبيع والتداول، ويكشف أطرافها ومصالحها وآثارها في ترسيخ المشروع الاستيطاني.

من الأرض إلى العقار

قال خليل التفكجي، خبير شؤون الاستيطان والمدير السابق لدائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية وعضو الوفد الفلسطيني للمفاوضات من عام 1993 إلى عام 2001، إن إسرائيل اعتبرت نفسها، بعد احتلال الضفة الغربية، الوريث الشرعي للحكومة الأردنية. وبناء على ذلك، وضعت يدها على أملاك الدولة المسجلة باسم خزينة المملكة الأردنية الهاشمية، إلى جانب الأراضي التي تصنفها “أراضي أميرية”، واعتبرت أكثر من 40% من مساحة الضفة الغربية “أراضي دولة”.

وأضاف أن هذه السياسة تجاهلت القانون الدولي، الذي يعد نقل السكان الإسرائيليين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة جريمة حرب، فيما تعاملت إسرائيل مع هذه الأراضي باعتبارها “متنازعاً عليها”. واستخدمت وسائل عدة للسيطرة عليها، فصنفت أجزاء منها “أملاك دولة”، وأخرى محميات طبيعية أو مناطق عسكرية، ثم حوّلتها إلى مواقع لإقامة المستوطنات الإسرائيلية.

نون بوست
منشورات تروّج لـ«الفعالية العقارية الكبرى» في لندن. تصوير ـ دانيا عقاد ـ ديكلاسيفايد يو كيه

وامتدت العملية من السيطرة على الأرض وإقامة المستوطنات إلى تسويق المشروعات والعقارات المرتبطة بها داخل الضفة الغربية والقدس وخارجهما. وتُعرض هذه المواقع على الإسرائيليين والأثرياء اليهود حول العالم لإقامة مستوطنات ومشروعات استثمارية، أو شراء منازل وعقارات فيها، مع تقديم امتيازات للراغبين في السكن أو الاستثمار.

وتابع التفكجي أن هذا التسويق يظهر أيضاً في العروض العقارية التي تُطرح في الخارج، إذ يجري الترويج لبعض المنازل والعقارات استناداً إلى موقعها وقربها من القدس أو المواقع الدينية والسياحية والتاريخية. وتشمل العروض عقارات يُشار إلى قربها من “جبل الهيكل” أو الأماكن المقدسة أو الشواطئ والمناطق السياحية أو المواقع المرتبطة بالرواية التوراتية، ولا سيما في أوساط المسيحية الصهيونية. وبهذه الطريقة، يصبح الموقع الجغرافي والديني والسياحي للعقار عنصراً أساسياً في تسويقه وجذب المشترين والمستثمرين في الخارج.

وأضاف أن هذه الاستثمارات تشمل بناء الوحدات السكنية، وإقامة مناطق صناعية ومصانع ومشروعات اقتصادية في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، لصالح المستوطنين أو المستثمرين الأجانب. وبهذا تدخل الأرض في نشاط استثماري يمتد من السكن إلى الصناعة والمشروعات الاقتصادية.

وفيما يتعلق بملكية هذه الأراضي، أوضح التفكجي أن رقبة الأرض المصنفة “أراضي دولة” تبقى باسم الدولة وتحت سيطرة الحكومة الإسرائيلية عند إقامة مشروع عليها، فيما تُؤجَّر أو تُستثمر لمدة تصل إلى 99 عاماً قابلة للتجديد. ويستطيع المستثمر أو الشركة امتلاك العقار أو المشروع المقام عليها وبيعه وشراءه وتداوله.

وبيّن أن هذه الآلية تُستخدم في القدس ومناطق مختلفة من الضفة الغربية، حيث تستأجر الشركات الأراضي من الحكومة الإسرائيلية لفترات قابلة للتجديد، ثم تستثمر فيها وتطور المشروعات المقامة عليها. وذكر شركة “وطن” مثالاً على ذلك، إلى جانب شركات أخرى تأسست داخل الضفة الغربية وتتعامل مع هذه الأراضي. وتستطيع هذه الشركات بيع العقارات وشراءها وتداول الحقوق المرتبطة بها، فيما تبقى رقبة الأرض بيد الحكومة الإسرائيلية.

ويرتبط اختيار مواقع هذه المشروعات، بحسب التفكجي، بعوامل جغرافية واقتصادية تزيد جاذبيتها الاستثمارية. فقد أُقيمت مستعمرات بالقرب من الخط الأخضر وعقد المواصلات، وفي مناطق ذات إمكانات زراعية أو سياحية، كما في الأغوار، أو علاجية وسياحية، كما في منطقة البحر الميت. وتزداد جاذبية هذه المواقع مع توافر بنية تحتية متكاملة تشمل الطرق والمياه والخدمات، ما يسهّل التنقل بين مكانَي السكن والعمل، وييسر الاستثمار وبيع العقارات وشراءها.

وأشار إلى أن إسرائيل تصنف هذه المناطق ضمن “مناطق الأفضلية القومية”، حيث تحصل الشركات والمستثمرون على امتيازات وحوافز حكومية. فعلى سبيل المثال، يمكن لمن يقيم مصنعاً فيها الاستفادة من إعفاءات ضريبية لمدة تصل إلى خمس سنوات، إلى جانب منح أخرى للمستثمرين. كما ذكر مستثمرين أثرياء في القدس، مثل إيرفين موسكوفيتش وأرنون سوفير، معتبراً أن الاستثمار في هذه المناطق قد يجمع بين الاعتبارات الاقتصادية والدينية.

كيف أصبح الاستيطان استثماراً؟

يقول التفكجي إن المشروع الاستيطاني بدأ استجابةً لمشكلة اجتماعية داخل إسرائيل، ارتبطت باحتجاجات الفئات المهمشة والمعدمة، ولا سيما حركة “الفهود السود” عام 1975. ومع وصول الليكود، اتسع المشروع ضمن برنامج استهدف محو الخط الأخضر، ومنع العودة إلى خطوط الهدنة، والسيطرة على المياه الجوفية وعقد المواصلات، إلى جانب الاستثمار في الأغوار.

ومر المشروع الاستيطاني، وفق هذا التسلسل، بثلاث مراحل رئيسية، بدأت بالبعد الاجتماعي، وانتقلت إلى مشروع سياسي وجغرافي، ثم أصبح الاستثمار العقاري والاقتصادي عنصراً أساسياً فيها. وفي هذا السياق، يستشهد التفكجي بمشروع “النجوم” الذي طرحه أرييل شارون عام 1990، بهدف إقامة مستعمرات داخل إسرائيل وفوق الخط الأخضر وداخل الضفة الغربية، من منطقة اللطرون إلى أم الفحم. وارتبط اختيار عدد من هذه المواقع بالمياه الجوفية وعقد المواصلات.

ومع مرور الوقت، أسهم قرب المستعمرات من الخط الأخضر، وتوافر الطرق والبنية التحتية، في جعلها، من وجهة النظر الإسرائيلية، أقرب إلى نمط الحياة داخل إسرائيل. وساعد على ذلك سهولة التنقل بين مكانَي السكن والعمل، وغياب القرى الفلسطينية في بعض المواقع التي أُقيمت فيها المستوطنات. وهكذا تطور المشروع تدريجياً حتى بلغ مرحلته الاستثمارية الحالية.

وفيما يتعلق بالمستثمرين الأجانب، يضع التفكجي دور الشركات الأجنبية الكبرى ضمن سياق أوسع من الاستثمار الأجنبي، يرتبط بسياسة إسرائيلية تسعى إلى الضم وإعادة هندسة الضفة الغربية. ويتزامن ذلك مع تهجير السكان الفلسطينيين، وهدم المباني، وإنشاء بنية تحتية تخدم المستعمرات، وأخرى منفصلة للفلسطينيين، بما يكرس واقعاً جغرافياً منفصلاً.

وأضاف أن المستثمر الأجنبي، بريطانياً كان أو من جنسية أخرى، يشتري العقار في الضفة الغربية ويستثمر أمواله وفق القانون الإسرائيلي، فيما تبقى الأرض باسم الدولة والسيادة عليها بيد الحكومة الإسرائيلية. ويمكن بيع العقار لاحقاً لمستثمر آخر، كما تستطيع الشركات شراء العقارات وإعادة بيعها لإسرائيليين، مع بقاء السيادة على الأرض كما هي.

ويختم التفكجي بالإشارة إلى وجود نظامين قانونيين في الضفة الغربية، يرتبط أحدهما بالتشريعات الإسرائيلية المطبقة على الفلسطينيين، فيما يتمثل الآخر في القانون المدني الإسرائيلي الذي يسري على المستوطنين والمستثمرين الأجانب. ويجري الاستثمار العقاري داخل المستعمرات ضمن منظومة قانونية إسرائيلية، بينما تبقى رقبة الأرض تحت سيطرة الحكومة الإسرائيلية.

ثلاث مراحل صنعت المشروع الاستيطاني

على مستوى التخطيط والقيمة العقارية، يوضح البروفيسور راسم خمايسي، المخطط المدني وأستاذ التخطيط الحضري في جامعة حيفا ورئيس مركز التخطيط ودراسات كفركنا، أن تحويل الأرض إلى موقع ذي قيمة عقارية واقتصادية يرتبط بعاملين أساسيين، هما ملكية الأرض أو رقبتها، وحقوق التخطيط الممنوحة عليها، فكلما اتسعت هذه الحقوق، ارتفعت قيمة الأرض العقارية.

وبيّن أن قيمة الأرض تختلف بحسب الاستخدام المخصص لها، إذ يكون سعر الأراضي الزراعية أقل من سعر الأراضي المخصصة للسكن أو التجارة أو الصناعة. وكلما توسعت عمليات التخطيط، وارتفعت نسبة البناء المسموح بها على قطعة الأرض، وتعددت استخداماتها المستقبلية، زادت قيمتها العقارية.

وأضاف أن القيمة ترتبط أيضاً بموقع الأرض، إلى جانب ملكيتها وحقوق التخطيط الممنوحة عليها. وتتحدد القيمة العقارية من خلال تفاعل الموقع ورقبة الأرض وحقوق البناء والاستخدام التي يقررها التخطيط، إذ يؤدي توسيع هذه الحقوق إلى رفع قيمتها الاقتصادية والعقارية.

نون بوست
روّجت شركة «عقارات القدس» (JRE)، في كتيّب وُزّع خلال الفعالية، لمشروعات في مستوطنتي «التلة الفرنسية» و«رمات إشكول» غير القانونيتين في القدس المحتلة. (ميدل إيست آي)

وشدد خمايسي على أن الموقع يمثل عاملاً حاسماً في تحديد قيمة الأرض وإمكانات تطويرها، مستنداً إلى القاعدة المعروفة في الجغرافيا والقائلة “الموقع، الموقع، الموقع”. فكلما اقتربت الأرض من مركز حضري أو طريق يؤدي إليه، واتصلت بشبكة مواصلات، ارتفعت قيمتها وإمكانات تطويرها.

وتتعزز قيمة الأرض عندما تقع ضمن مناطق يمنحها التخطيط حقوق بناء أعلى. كما يؤثر قربها من مراكز المدن أو المستوطنات والخدمات والمناطق الصناعية والتجارية في فرص تطويرها مستقبلاً.

ويشرح خمايسي أن الاستثمار داخل المستوطنات يرتبط بإعادة التخطيط والتجديد الحضري، من خلال الاستثمار في الأراضي المخططة، أو إعادة تخطيطها وزيادة حقوق البناء عليها، بما يتيح استغلالها على نطاق أوسع ويرفع قيمتها العقارية.

ويربط ذلك بوجود أعداد من المهاجرين، أو من يسمّيهم المفهوم الصهيوني الإسرائيلي “القادمين الجدد”، ممن يستوطنون في هذه البلدات، إلى جانب مستثمرين يرون في هذه المواقع فرصاً استثمارية. ويعزو ذلك جزئياً إلى سياسات الدعم الحكومي، التي تشمل خفض أسعار الأراضي، ومنح حقوق البناء، وتقديم التخفيضات والإعفاءات الضريبية.

وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة تجذب المستثمرين والمهاجرين والسكان الجدد إلى هذه المواقع لشراء العقارات فيها، خصوصاً عندما يكون سعرها الحالي منخفضاً نسبياً، مع توقع ارتفاع قيمتها مستقبلاً نتيجة موقعها، وحقوق البناء الممنوحة عليها، وحجم الطلب، وما قد تحققه العقارات من عائد مالي أو منفعي وفق استخدامات الأرض وخطط تطويرها.

وأشار إلى أن القرب من شبكات الطرق وسكك الحديد ومحطات القطارات يمثل عاملاً إضافياً في تحديد القيمة السوقية للأرض. وكلما ارتبط الموقع بشبكة مواصلات ومراكز حضرية واستيطانية وخدماتية واقتصادية، زادت قيمته في السوق الحرة، وارتفعت فرص تطويره واستثماره.

من يقف خلف سوق المستوطنات؟

فيما يتعلق بدور الجهات المختلفة في دعم الاستثمار العقاري داخل المستوطنات، يوزع البروفيسور خمايسي الأدوار بحسب طبيعة كل جهة ومصالحها، ويضع هيئات الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية في مقدمة الجهات الساعية إلى تكثيف الوجود اليهودي والصهيوني في الأراضي الفلسطينية، وزيادة أعداد المستوطنين، وتعزيز السيطرة الديموغرافية والجغرافية على الأرض، بما قد يؤدي إلى إحباط إمكان التوصل إلى حل سياسي قائم على دولتين أو إضعافه.

ويرتبط ذلك، وفق هذا التصور، بالاستفادة من الموقع الجغرافي للمستوطنات، خصوصاً القريبة من منطقة المركز وتل أبيب. فعلى سبيل المثال، تقع بعض البلدات القريبة من أريئيل، على محور قاطع السامرة، على مسافة نحو عشر دقائق من كفر سابا، ما يعزز أهميتها الجغرافية والجيوسياسية، ويسهم في زيادة مساحة ما وصفه بـ”الخاصرة” بالنسبة إلى دولة إسرائيل.

أما البنوك، فيوضح خمايسي أن الاعتبارات الاقتصادية تأتي في مقدمة حساباتها، باعتبارها مؤسسات تسعى إلى تحقيق الأرباح، وقد تتعامل مع هذه الاستثمارات أيضاً وفق اعتبارات معيارية وقيمية وجيوسياسية. ويظهر دورها في تمويل شراء الأراضي والعقارات، ومنح قروض الإسكان والاستثمار، إلى جانب قبول الأرض ضماناً أو رهناً.

وتحقق البنوك عائداً من حركة الاستثمار والتمويل، وتستفيد في الوقت نفسه من تنشيط الاقتصاد وجذب مستثمرين من الخارج، بما يوسع نطاق الاستثمار ويعزز الطابع العابر للحدود للاقتصاد الإسرائيلي.

وفيما يتعلق بالدولة والحكومة، يربط خمايسي دورهما بالسياسات التي تتبناها الحكومات الإسرائيلية، ولا سيما ذات التوجه اليميني الذي يدفع نحو زيادة الاستيطان والسيطرة على الأرض و”تهويد الحيز” وامتلاك المكان. ويرى أن إشغال الأرض بالسكان، خصوصاً المهاجرين اليهود الذين يستوطنون في هذه المواقع، يمثل إحدى وسائل تحقيق ذلك.

نون بوست
شاركت شركة «أفريكا إسرائيل» في عدد من المشروعات داخل مستوطنات بالضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة. (ميدل إيست آي)

وأكد أن الحكومة تستخدم مجموعة من الأدوات، من بينها تخصيص ما يسمى “أراضي الدولة” وطرحها في السوق الحرة للبيع أو الاستثمار، إلى جانب خفض أسعارها وتقديم الدعم والإعفاءات الضريبية. وتتداخل بذلك آليات السوق الحرة مع تدخل الحكومة في توجيه الاستثمار، بما يخدم، وفق هذا التصور، أهدافاً أيديولوجية وجيوسياسية تتمثل في زيادة الاستيطان، والسيطرة على الأرض، وتعزيز الوجود اليهودي فيها، بهدف منع إقامة دولة فلسطينية وتقليص مساحة الأراضي الفلسطينية.

ويضع خمايسي خسائر الاقتصاد الفلسطيني في إطار وجود الفلسطينيين والإسرائيليين ضمن حيز اقتصادي واحد. ويوضح أن المنافع والعوائد المتحققة من الاستيطان الإسرائيلي تأتي بالضرورة على حساب الاقتصاد الفلسطيني، الذي يواجه منافسة غير متكافئة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية.

ويعزو ذلك إلى ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي وتبعيته له، ما يحد من قدرته على المنافسة وخلق فرص اقتصادية مستقلة. ويؤدي إخراج الأراضي ذات المواقع الاستراتيجية من الاستخدام الفلسطيني وتحويلها إلى مشروعات مرتبطة بالمستوطنات إلى تقليص المساحة المتاحة أمام الاقتصاد الفلسطيني للتوسع والاستثمار والاستفادة من هذه الأراضي.

ويلفت خمايسي، في ختام حديثه، إلى ارتباط هذا الاختلال بنظام التخطيط في المنطقة “ج”، حيث تقع معظم صلاحيات التخطيط بيد الجهات الإسرائيلية، التي تحدد حقوق البناء وإمكانات التطوير، بما في ذلك إقامة المشروعات الاقتصادية. وفي ظل هذه المعادلة، تصبح المنافسة في السوق الحرة غير متكافئة، ويجد الاقتصاد الفلسطيني نفسه في موقع الطرف الأضعف، ويتحمل الجزء الأكبر من الخسارة الاقتصادية.

أرباح استيطانية وخسائر فلسطينية

يرى الدكتور طارق صادق، أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت وعميد كلية الأعمال والاقتصاد، أن الاستثمار العقاري أصبح إحدى أدوات التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، مشيراً إلى تعدد مصادر تمويله.

ويضع في مقدمة هذه المصادر رأس المال الإسرائيلي المباشر، سواء من المطورين العقاريين أو البنوك الإسرائيلية، إلى جانب رأس المال الأجنبي. ويشمل الأخير اليهود الذين يشترون الشقق والمنازل، ورؤوس أموال أجنبية تدخل مباشرة في الاستثمار العقاري داخل المستوطنات.

ويستند صادق في ذلك إلى تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن تقريراً صدر عام 2025 تحدث عن 158 شركة، خصوصاً في أوروبا وأمريكا، متورطة في تمويل عملية الاستيطان.

ويبرز أيضاً دور الحكومة الإسرائيلية في مصادرة الأراضي وتوفير البنية التحتية للمستوطنات، إلى جانب تقديم حوافز لتشجيع المستوطنين على السكن فيها، تشمل قروضاً ميسرة للراغبين في الانتقال إليها. وبهذا تتعدد مصادر تمويل الاستثمار العقاري، فيما تؤدي الحكومة الإسرائيلية دور الضامن للعملية الاستثمارية عبر تقليل المخاطر المرتبطة بها.

ويعزو صادق جاذبية هذا الاستثمار للمستثمرين الإسرائيليين والأجانب إلى انخفاض كلفة الأرض، إذ تصل الأرض المصادرة إلى المستثمر بكلفة تقل عن أسعار الأراضي في السوق العقارية العادية، فيما يتيح تطويرها تحقيق عوائد مرتفعة. ويجتمع بذلك انخفاض كلفة الأرض مع الدعم الحكومي وتوفير البنية التحتية وارتفاع العائد المتوقع، ليصبح الاستثمار العقاري جزءاً من منظومة تمويل التوسع الاستيطاني.

نون بوست
قدّمت الكتيبات معلومات عن شراء منازل فيما وصفته بـ«قلب إسرائيل». مجموعة «العمل اليهودي المناهض للصهيونية»

ويوضح أن الأرباح الناتجة عن بيع العقار المقام على الأرض الفلسطينية المصادرة تذهب بصورة أساسية إلى المطور العقاري الإسرائيلي، وتتسع دائرة المستفيدين لتشمل الجهات التي توفر مواد البناء والمعدات والخدمات، إلى جانب البنوك الإسرائيلية وغير الإسرائيلية التي تمول هذه المشروعات بالقروض وتحصل على عوائد منها.

ويشير إلى استفادة أكثر من طرف إسرائيلي من هذه العملية، مع بقاء المطور العقاري المستفيد الرئيسي، ولا سيما كبار أصحاب رؤوس الأموال الإسرائيليين الذين يرتبط بعضهم بعلاقات مع الحكومة الإسرائيلية. وقد تستفيد بذلك أطراف مرتبطة بالحكومة بصورة غير مباشرة من النشاط الاستيطاني، إلى جانب المستثمرين الإسرائيليين والأجانب.

وتمتد الأرباح إلى ما بعد بيع العقار. فقد يشتري المستثمر شقة أو منزلاً بمليون شيكل، ثم ترتفع قيمته بعد عام نتيجة نمو النشاط في المستوطنة وزيادة الطلب على العقارات فيها. ويحقق المستثمر عندئذ أرباحاً من ارتفاع قيمة العقار، وقد يكون هدفه تحقيق عائد سريع من إعادة البيع عوضاً عن السكن فيه.

وينعكس ارتفاع القيمة العقارية أيضاً على الإيرادات الحكومية، إذ تؤدي زيادة أسعار العقارات وحركة البيع والشراء إلى توليد إيرادات ضريبية أكبر للحكومة الإسرائيلية. وهكذا تتحول الأرض المصادرة إلى مصدر لقيمة اقتصادية تتوزع عوائدها بين المطورين والمستثمرين والقطاع المصرفي والقطاعات المرتبطة بالبناء، وصولاً إلى الحكومة عبر الضرائب.

وبيّن صادق أن تسويق عقارات المستوطنات في الخارج، بما في ذلك الولايات المتحدة ومدن أوروبية مثل لندن، يوسع قاعدة المستثمرين المحتملين، ويزيد الطلب على العقارات وأسعارها. ويؤدي التسويق الخارجي بذلك دوراً في جذب رؤوس الأموال ودعم التوسع الاستيطاني عبر توسيع السوق المرتبطة به.

ويشمل الترويج مشروعات تتجاوز العقارات السكنية، إذ تسوق بعض المستوطنات، على سبيل المثال، مشروعات تضم مزرعة ومنزلاً صغيراً، وتستهدف اليهود المقيمين في الخارج. وتُقدَّم هذه المواقع باعتبارها جزءاً من “الأرض المقدسة” أو مما يسمى في الخطاب الإسرائيلي “يهودا والسامرة”، ما يجذب فئات تسعى إلى ممارسة طقوس دينية يهودية فيها.

ويتخذ الترويج شكلاً آخر يجمع الاستثمار العقاري بالسياحة الدينية، إذ يمكن استخدام بعض المواقع لممارسة الطقوس أو إقامة حفلات زفاف ليهود يقيمون في أوروبا أو الولايات المتحدة، ثم يأتون لإقامة مراسمهم في إحدى مستوطنات الضفة الغربية.

أين تبدأ مسؤولية الدول والشركات؟

على المستوى القانوني، يضع الدكتور لحبيب النعيمي، الباحث والأستاذ الزائر في جامعة برزغربي أكالير، والمتخصص في العدالة الجنائية الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وصاحب مؤلفات وأوراق بحثية في القانون الدولي وفلسطين، الأنشطة العقارية المرتبطة بالمستوطنات ضمن منظومة واسعة من المسؤولية الدولية، تشمل التزامات الدول ومسؤوليات الشركات والمستثمرين والجهات المالية المشاركة في هذه الأنشطة.

ويشير النعيمي إلى أن تحديد المسؤولية يقتضي أولاً التمييز بين نوعين من الالتزامات الدولية، هما التزامات السلوك والتزامات تحقيق النتيجة. وتستند هذه الالتزامات إلى قواعد القانون الدولي، وما صدر بشأنها من أحكام وآراء استشارية، إلى جانب جهود لجنة القانون الدولي واللجنة السادسة التابعة للأمم المتحدة في تقنين هذه القواعد وتفسيرها.

ويفرّق النعيمي كذلك بين الالتزامات الواقعة على إسرائيل، باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال، والتزامات الدول الثالثة التي تنطلق منها شركات أو مستثمرون للمشاركة في أنشطة اقتصادية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي هذا السياق، يستند إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024، بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ومسؤولية الدول تجاهها. ويختلف الرأي الاستشاري عن الأحكام الملزمة الصادرة في القضايا المتنازع عليها، لكنه يتمتع بقيمة قانونية تفسيرية مهمة، ويمكن للمحاكم الوطنية والإقليمية والدولية الاستناد إليه في فهم القواعد والالتزامات الدولية.

نون بوست
دعا متظاهرون مؤيدون لفلسطين ونواب وعدد من المنظمات الحقوقية بريطانيا إلى حظر فعالية بيع العقارات. [توبي شيبرد/رويترز]
ولتوضيح ذلك، يستشهد النعيمي بمثال يتعلق بدولة ثالثة سحبت، بعد صدور الرأي الاستشاري، سفينة ألمانية كانت متجهة من ألمانيا إلى إسرائيل وتحمل مواد خام تُستخدم في صناعة الصواريخ والذخائر الإسرائيلية. ويستخلص من هذه الحالة أن الالتزامات الدولية قد تنعكس عملياً على قرارات الدول وسلوكها تجاه الأنشطة التي تسهم في استمرار وضع غير مشروع أو دعمه.

ويشدد على أن القانون الدولي ينظم هذه المسائل ويحدد القواعد والالتزامات، فيما يظل تنفيذها مرتبطاً بإرادة الدول والجهات التي تتولى اتخاذ القرار السياسي والقانوني فيها. وتتمثل أبرز التزامات الدول في عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع الناشئ عن الاحتلال والاستيطان، والامتناع عن تقديم العون أو المساعدة على استمراره.

ويشرح أن مفهوم العون والمساعدة يرتبط بصور من المسؤولية قد تشمل التشجيع أو المساندة أو التواطؤ في أعمال يحظرها القانون الدولي. ويبرز أيضاً التزام الدول بالتمييز، في علاقاتها، بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يحول دون التعامل مع الوضع الناشئ عن الاحتلال باعتباره وضعاً قانونياً طبيعياً.

ويضيف أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية شدد على ضرورة اتخاذ خطوات تتعلق بالعلاقات التجارية والاستثمارية التي قد تسهم في تكريس الوضع غير المشروع. ووفق هذا التصور، ينبغي النظر إلى النشاط التجاري أو العقاري في سياقه، ومدى إسهامه في ترسيخ وضع قانوني غير مشروع نشأ عن الاحتلال ومصادرة الأراضي وضمها بالقوة. ولا تكتسب هذه الممارسات المشروعية استناداً إلى القوانين الإسرائيلية الداخلية.

ويقع القضاء على النشاط الاستيطاني ضمن مسؤوليات أوسع، فيما يتمثل التزام الدول في اتخاذ إجراءات تمنع الإسهام في ترسيخ الوضع غير المشروع أو المساعدة على استمراره. أما الالتزامات الواقعة على إسرائيل، فيوضح النعيمي أنها أكثر مباشرة، وتشمل إنهاء الوجود غير المشروع والنشاط الاستيطاني وإجلاء المستوطنين من الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويمثل ذلك، بحسب النعيمي، جوهر الالتزامات القانونية تجاه الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويحدد النعيمي الوضع القانوني للمعاملات المرتبطة بالعقارات المقامة على الأراضي الفلسطينية المصادرة، من خلال التمييز بين مسؤولية الدولة الإسرائيلية، ومسؤولية الدول الثالثة، ومسؤولية الشركات والأشخاص المشاركين في هذه الأنشطة. ويتطلب تحديد المسؤولية أكثر من مجرد وجود طرف في سلسلة البيع أو التسويق أو التمويل، إذ تُبحث طبيعة دوره، ومدى علمه بالسياق غير المشروع، والضرر الناتج عن نشاطه.

ويضيف أن مسؤولية الدول قد تقوم في إطار قواعد المسؤولية عن الأفعال غير المشروعة دولياً، ولا سيما فيما يتعلق بالتزامات السلوك. وقد تنشأ مسؤولية جنائية دولية للأفراد الطبيعيين أو الأشخاص الاعتباريين، ومن بينهم الشركات، عندما تشارك أنشطتهم في ارتكاب جرائم دولية أو تسهم فيها.

وفي هذا السياق، يمتد نطاق البحث من الفعل المباشر إلى أنشطة الشركات المتعلقة بالتسويق أو التمويل أو نقل الملكية وغيرها. وقد تدخل هذه الأنشطة في إطار المساهمة أو ما يُعرف قانونياً بالتواطؤ، متى توافرت شروطه. ويقوم التواطؤ، وفق هذا التصور، عندما يقدم طرف عوناً أو مساهمة مادية في أفعال مرتبطة بجريمة دولية، مع علمه بطبيعتها غير المشروعة.

ويستند الدكتور النعيمي إلى سوابق قضائية تتعلق بملاحقة شركات وأشخاص مسؤولين عنها بسبب مساهمتهم في جرائم دولية، باعتبارها مؤشرات إلى إمكان مساءلة الشركات عند توافر الشروط القانونية. وقد تمتد المسؤولية، وفق النظام القانوني والقضائي المختص، إلى الأشخاص الاعتباريين والطبيعيين.

وفي الوقت نفسه، يشدد على ضرورة التمييز بين أدوار الأطراف المشاركة في السوق العقارية الاستيطانية ودرجات مسؤوليتها الجنائية. ويخضع تقدير مسؤولية شخص يشتري شقة في مستوطنة، على سبيل المثال، لدوره الفعلي، ومدى علمه، وطبيعة مشاركته، وصلته بالفعل غير المشروع، ومدى إسهام نشاطه في وقوع الضرر أو استمرار الوضع غير المشروع.

وتكتسب هذه المعايير أهمية خاصة عند بحث مسؤولية الشركات. ويتطلب إثبات المسؤولية النظر في مدى علم الشركة أو المسؤولين عنها بعدم مشروعية النشاط، ومدى إسهامهم في تعزيز الفعل غير المشروع أو المساعدة على استمراره، والضرر المترتب على نشاطهم.

ويربط الدكتور النعيمي ذلك بالأساس القانوني لوضع الأراضي الفلسطينية، موضحاً أن الأرض الفلسطينية المصادرة تخضع لقواعد القانون الدولي الناظمة للاحتلال، بما في ذلك اتفاقية لاهاي لعام 1907، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وأحكام محكمة العدل الدولية وآراؤها، إضافة إلى نظام روما الأساسي الذي يجرّم الاستيطان في الأراضي المحتلة، بما يشمل صور النقل غير المباشر.

ويكتسب مفهوم النقل غير المباشر أهمية خاصة في الحالة الاستيطانية. ويفرّق النعيمي بينه وبين النقل القسري المباشر للسكان، موضحاً أنه قد يرتبط بسياسات تشجع على الاستقرار في المستوطنات، مثل الحوافز المالية والإعفاءات الضريبية وتطوير البنية التحتية التي تسهّل استقرار المستوطنين في الأراضي المحتلة.

وبناء على ذلك، ينبغي تقييم تسويق العقارات المقامة على أراضٍ فلسطينية مصادرة أو تمويلها أو تطويرها ضمن السياق الذي نشأت فيه. وكلما ثبت علم الشركة أو المستثمر أو الجهة المالية بطبيعة الأرض والسياق غير المشروع، وثبت إسهام النشاط في ترسيخ هذا الوضع أو استمرار آثاره، ازدادت أهمية بحث المسؤولية القانونية.

أما الدول، فيربط النعيمي مسؤوليتها أيضاً بواجب العناية الواجبة، بما يشمل توعية الشركات التابعة لها بالمخاطر القانونية المرتبطة بالعمل في مناطق النزاع والأراضي الفلسطينية المحتلة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الأنشطة التجارية التي تسهم في استمرار الوضع غير المشروع. وقد تشمل هذه الإجراءات وقف المشروعات أو ملاحقة الشركات أمام الجهات القضائية المختصة، بما في ذلك في القضايا المرتبطة بضحايا مصادرة الأراضي الفلسطينية.

متى تبدأ مسؤولية المستثمر؟

يذكر الدكتور النعيمي أن المسؤولية القانونية للمستثمر أو المواطن الأجنبي الذي يشتري عقاراً داخل مستوطنة تُحدَّد وفق ظروف كل حالة، ولا تترتب تلقائياً بمجرد الشراء. كما أن طبيعة الأرض والمشروع الاستيطاني لا تمنح المستثمر إعفاءً مطلقاً من المسؤولية، ما يستوجب دراسة مجموعة من العوامل لتحديد مركزه القانوني.

ويشرح أن المسؤولية قد تشمل، بحسب طبيعة الدور، المستثمر الذي يشتري العقار، والشركة التي تسهّل الاستثمار، والبنك الذي يموله، والجهة التي تحول عائداته إلى الخارج، والشركة التي تتولى تسويق العقارات. ويُنظر في كل حالة إلى مدى علم الطرف المعني بطبيعة النشاط، والتزامه بالعناية الواجبة، وإدراكه وجود انتهاك للقانون الدولي في الأراضي المحتلة.

ويشدد النعيمي على أن إثبات المسؤولية يتطلب إقامة صلة بين السلوك أو النشاط الاستثماري والضرر أو استمرار الوضع غير المشروع. ويقتضي ذلك التحقق من مساهمة الاستثمار أو النشاط التجاري في استدامة الاحتلال أو الاستيطان أو أي سلوك آخر غير مشروع بموجب القانون الدولي. ومن ثم، يستوجب تحديد المسؤولية فحص هذه العوامل مجتمعة، سواء تعلق الأمر بالشركات أو الأشخاص الطبيعيين، وأمام القضاء الوطني أو الجهات القضائية الدولية المختصة.

وفي السياق ذاته، يوضح أن الدول تتحمل التزامات بمنع الأنشطة الاستثمارية التي قد تربط شركاتها بالقوة القائمة بالاحتلال أو تسهم في استمرار الاستيطان. ويمكنها الوفاء بهذه الالتزامات عبر التشريعات الوطنية، والقواعد المالية والاستثمارية، والإعفاءات الجمركية، والآليات المنظمة لتعامل الشركات مع الخارج. ويبرز هنا واجب العناية الواجبة والتزام الشركات بمبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان.

ويلفت النعيمي إلى ضرورة وضع مسؤولية الشركات ضمن إطار أوسع، إذ يعتمد استمرار المشروع الاستيطاني أيضاً على الأموال والاستثمارات الخارجية، وعلى الشركات التي توفر المعدات والآليات والخبرات التقنية وخدمات الرقابة والتكنولوجيا وغيرها من الخدمات التجارية. ومن ثم، قد يسهم انخراط الشركات الأجنبية في هذه الأنشطة في استمرار الاستيطان والانتهاكات المرتبطة به.

ويرى أن هذا الإطار القانوني يضعف حجة بعض الشركات التي تستند إلى تقديم خدمات ذات استخدام مزدوج للتنصل من مسؤولية ما يفعله المستخدم النهائي، أي الجانب الإسرائيلي. ويؤكد أن مبدأ العناية الواجبة يفرض على الشركات تقييم مخاطر أنشطتها، والتحقق من مدى مساهمتها في استدامة وضع غير مشروع.

ومن هذا المنطلق، يدعو النعيمي، في ختام حديثه، إلى توسيع نطاق الاهتمام القانوني ليشمل الجهات الموجودة داخل الأراضي المحتلة والشركات الأجنبية العاملة في مجالات البناء والاتصالات والتكنولوجيا وغيرها. كما يدعو إلى بحث إمكان مساءلة هذه الشركات أمام محاكم الدول التي تتخذ منها مقراً، ومنها فرنسا والسويد وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، وفق قواعد الاختصاص القضائي المتاحة فيها.

الوسوم: اسرائيل دولة الاحتلال ، الأراضي الفلسطينية ، التوسع الاستيطاني ، السياسات الإسرائيلية ، المستوطنات الإسرائيلية
الوسوم: إسرائيل ، الاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان ، القضية الفلسطينية
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
سندس بعيرات
بواسطة سندس بعيرات صحفية فلسطينية من رام الله
متابعة:
صحفية فلسطينية من رام الله
المقال السابق بنيامين نتنياهو يستقبل الرئيس الهندوراسي المنتخب آنذاك ناصري أسفورا في يناير/كانون الثاني 2026، خلال زيارة سبقت توليه الرئاسة السلاح والمراقبة والنفوذ.. ماذا وراء الاتفاق الدفاعي بين هندوراس و”إسرائيل”؟

اقرأ المزيد

  • تاريخ الضفة الأخرى.. الأردن وخرائط "إسرائيل الكبرى" تاريخ الضفة الأخرى.. الأردن وخرائط "إسرائيل الكبرى"
  • جيل خارج السجل.. كيف تتحكم "إسرائيل" بالوجود القانوني للفلسطينيين؟
  • "التعاون الكامل": كيف تخدم جامعة تل أبيب الدولة الأمنية الإسرائيلية؟
  • لماذا تبدو رواية "نيويورك تايمز" عن أحمدي نجاد والموساد غير قابلة للتصديق؟
  • التدفق الكبير نحو سبتة.. هجرة جماعية أم عقاب سياسي لحكومة سانشيز؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

إسرائيل تدفع نحو انفجار انتفاضة قادمة

إسرائيل تدفع نحو انفجار انتفاضة قادمة

ذي إيكونوميست ذي إيكونوميست ٢٢ أغسطس ,٢٠٢٦
استهداف نتنياهو لمطار أبو الظهور السوري: رسالة ضلت طريقها إلى العنوان الخطأ

استهداف نتنياهو لمطار أبو الظهور السوري: رسالة ضلت طريقها إلى العنوان الخطأ

ليفنت كمال ليفنت كمال ٢١ أغسطس ,٢٠٢٦
صياغة النفوذ في غزة: هل يسترد محمد دحلان مفاتيح السيطرة؟

صياغة النفوذ في غزة: هل يسترد محمد دحلان مفاتيح السيطرة؟

ليزا جولدمان ليزا جولدمان ٢١ أغسطس ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version