في السياسة التركية، نادرا ما تبقى الأزمات الكبرى محصورة في نقطة انطلاقها الأولى. قد تبدأ من قاعة محكمة، ثم تتمدد إلى مقر حزبي، وتترك ارتداداتها في الشارع والأسواق، قبل أن تستقر داخل حسابات البرلمان وموازين السلطة.
من هذه الزاوية، تبدو الأزمة التي ضربت حزب الشعب الجمهوري بعد قرار إبطال مؤتمره العام الثامن والثلاثين، وإعادة كمال كليتشدار أوغلو مؤقتا إلى المشهد، أبعد من نزاع داخلي على قيادة أقدم حزب في الجمهورية. وتتشكل الأزمة عند تقاطع ثلاث معارك متداخلة، معركة السلطة مع المعارضة، ومعركة الأجنحة داخل حزب الشعب، ومعركة الدستور الجديد التي يصر الرئيس رجب طيب أردوغان وحلفاؤه على إبقائها مفتوحة في قلب النقاش السياسي التركي.
أزمة داخلية بارتدادات وطنية
في الحادي والعشرين من مايو/أيار الماضي، أصدرت محكمة الاستئناف التركية قرارا أحدث هزة واسعة في المشهد السياسي، إذ قضى بإلغاء انتخابات قيادة حزب الشعب الجمهوري التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وإقالة زعيمه الحالي أوزغور أوزال، وإعادة كليتشدار أوغلو إلى موقعه السابق. جاء القرار بعد ثلاثين شهرا من المؤتمر الذي أنهى حقبة كليتشدار أوغلو في رئاسة الحزب، عقب هزيمته أمام أردوغان في الانتخابات الرئاسية عام 2023، ومهد لصعود أوزال بوصفه عنوانا لمرحلة جديدة داخل المعارضة التركية.
تباينت القراءات حول القرار منذ لحظته الأولى، إذ رأت قيادة حزب الشعب الجمهوري وأنصاره فيه تدخلا قضائيا يطعن في الإرادة الداخلية للحزب ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل المعارضة من خارج صناديقها التنظيمية. في المقابل، تعاملت الأوساط الرسمية والقضائية مع المسألة بوصفها ملفا قانونيا يتعلق بادعاءات حول سلامة الإجراءات الداخلية للحزب، ونزاهة مؤتمراته، وما إذا كانت العملية الانتخابية قد جرت وفق الأطر المنصوص عليها في القانون واللوائح الحزبية. وبين هاتين الروايتين، اتسعت الأزمة من نطاقها القانوني إلى المجال السياسي العام.
لم يتأخر أثر القرار عن الظهور، حيث خرج آلاف الأتراك إلى محيط مقر الحزب في أنقرة، ورفعوا لافتات تندد بالحكم، بينما وصف أوزال القرار بأنه انقلاب قضائي يستهدف إرادة أعضاء الحزب. وفي المقابل، شددت الجهات الرسمية على أن استقلال القضاء يقتضي ترك المسار القانوني يأخذ مجراه، وأن الخلافات الحزبية الداخلية ينبغي أن تفصل داخل المؤسسات المختصة لا عبر الضغط السياسي أو الشارع. وفي موازاة ذلك، انتقلت الارتدادات إلى الأسواق، حيث شهدت بورصة إسطنبول انخفاضا حادا في جلسة التداول التالية لإعلان القرار، بما عكس حساسية الاقتصاد التركي تجاه أي تطور يزيد منسوب عدم اليقين السياسي.
حكم قضائي بإبطال مؤتمر حزب الشعب الجمهوري التركي وإعادة كليجدار أوغلو يفجر صراعًا حادًا على الشرعية مع أوزغور أوزيل، واضعًا عمود المعارضة أمام انقسام غير مسبوق يهدد مستقبلها السياسي.
اقرأ المقال بالكامل من هنا: https://t.co/UXl3uI8Ass pic.twitter.com/fotPuNKWM5
— نون بوست (@NoonPost) May 26, 2026
تكتسب الأزمة أهميتها من توقيتها بقدر ما تكتسبها من مضمونها. فقد جاءت في مرحلة يتعرض فيها حزب الشعب الجمهوري لسلسلة من الملفات القانونية التي طالت عددا من رؤساء البلديات المنتمين إليه منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024، وشملت بلديات مؤثرة في إسطنبول ومناطق كبرى، بتهم تراوحت بين الفساد المالي، وإساءة استخدام السلطة، والارتباط بتنظيمات محظورة. وبينما ترى المعارضة في هذه الملفات مسارا ضاغطا يستهدف إضعافها بعد تقدمها في الانتخابات البلدية، تؤكد الحكومة ومؤسسات الدولة أن مكافحة الفساد وملاحقة المخالفات الأمنية والإدارية لا ينبغي أن تفسر تلقائيا بوصفها استهدافا سياسيا، وأن الانتماء الحزبي لا يمنح حصانة من المساءلة القانونية.
من هنا، تبدو قراءة إبطال مؤتمر حزب الشعب الجمهوري باعتباره واقعة قانونية معزولة قراءة غير مكتملة، كما أن التعامل معه بوصفه دليلا قاطعا على هندسة سياسية مسبقة يفتقر إلى الحذر اللازم. فالحزب يعيش منذ انتخابات 2023 مخاضا داخليا حقيقيا، يتصل بميراث كليتشدار أوغلو، وصعود أوزال، وتنامي نفوذ أكرم إمام أوغلو، والخلاف حول الطريقة الأنسب لمواجهة أردوغان واستعادة ثقة الناخبين. في الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أن أي اضطراب داخل الحزب الأكبر في المعارضة يترك أثرا مباشرا على توازنات السياسة التركية، وعلى قدرة المعارضة على خوض معاركها المقبلة بصف موحد.
تزداد حساسية هذه الأزمة مع عودة ملف الدستور الجديد إلى واجهة النقاش السياسي. فالرئيس أردوغان وحلفاؤه يطرحون منذ سنوات الحاجة إلى دستور مدني جديد يتجاوز إرث دستور 1982، ويرون أن تركيا بحاجة إلى نص يؤسس لمرحلة أكثر استقرارا وملاءمة للتحولات التي شهدها النظام السياسي بعد الانتقال إلى الرئاسية التنفيذية. في المقابل، تخشى المعارضة أن يتحول هذا المسار إلى فرصة لتثبيت مكاسب النظام الرئاسي القائم وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، خصوصا إذا جرى النقاش الدستوري في ظل معارضة منقسمة أو منشغلة بأزماتها الداخلية.
بهذا المعنى، تظل فرضية توظيف انقسام حزب الشعب الجمهوري في معركة الدستور قائمة بوصفها احتمالا سياسيا يحتاج إلى تدقيق، لا حكما نهائيا يمكن تبنيه دون دليل مباشر. فلا توجد وثيقة معلنة تثبت أن قرار المحكمة صُمم من أجل فتح الطريق أمام تعديلات دستورية بعينها، كما أن جذور الخلاف داخل الحزب أعمق من التدخل القضائي الأخير. غير أن تزامن الضغط القانوني على الحزب، وتصاعد الخلافات بين أجنحته، وإعادة طرح الدستور الجديد، يجعل من الضروري فحص العلاقة بين هذه المسارات، وقياس مدى تأثير كل منها في الآخر.
الفرضية الدستورية
تستمد فرضية توظيف أزمة حزب الشعب الجمهوري في مسار الدستور الجديد قوتها من تداخل ثلاثة عناصر رئيسية، حاجة التحالف الحاكم إلى توسيع قاعدته البرلمانية، وتزامن الإجراءات القانونية مع عودة النقاش الدستوري إلى الواجهة، وتقديرات عدد من المحللين الذين يرون أن اضطراب المعارضة الكبرى قد يفتح هامشا أوسع للمناورة السياسية. غير أن هذه الفرضية تظل في حاجة إلى قراءة حذرة، لأنها تقوم على تقاطع مؤشرات لا على دليل مباشر يثبت وجود خطة مكتملة لإعادة تشكيل المعارضة بما يخدم مشروع الدستور.
تبدأ المسألة من النص الدستوري نفسه، حيث يتكون البرلمان التركي من 600 نائب، وتحسب عتبات تعديل الدستور على هذا الأساس. وبموجب المادة 175، يحتاج اقتراح التعديل الدستوري إلى توقيع 200 نائب على الأقل، أي ثلث أعضاء البرلمان. أما إقرار التعديل فيحتاج إلى 360 صوتا لإحالته إلى استفتاء شعبي، بينما يمنح بلوغ 400 صوت البرلمان أغلبية أوسع تسمح بتمرير التعديل داخله، مع بقاء صلاحية رئيس الجمهورية في عرضه على الاستفتاء.

هذه الأرقام تجعل أي مشروع لدستور جديد محتاجا إلى تفاهمات تتجاوز حدود تحالف الجمهور الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وحلفاءهما. فالتحالف الحاكم لا يملك وحده عتبة الـ 360 صوتا، فضلا عن عتبة الـ 400، ما يجعل البحث عن أصوات من خارج كتلته ضرورة برلمانية إذا أراد تحويل مشروع الدستور من خطاب سياسي إلى مسار تشريعي فعلي. ويمكن أن تأتي هذه الأصوات نظريا، من أحزاب صغيرة، أو نواب مستقلين، أو من حزب الجيد، أو من حزب المساواة الشعبية والديمقراطية، أو من داخل حزب الشعب الجمهوري في حال حدوث انقسام فعلي داخل كتلته.
لا تعني هذه الحاجة البرلمانية بالضرورة وجود خطة واحدة تستهدف حزب الشعب الجمهوري. فقد قدم حزب العدالة والتنمية، خلال السنوات الماضية، مشروع الدستور الجديد بوصفه قضية وطنية تتجاوز الاصطفاف الحزبي، معتبرا أن تركيا تحتاج إلى دستور مدني يتجاوز إرث دستور عام 1982، المرتبط بمرحلة ما بعد انقلاب الثاني عشر من سبتمبر/أيلول 1980. ويرى أنصار هذا الطرح أن الدستور الحالي خضع لتعديلات كثيرة أفقدته تماسكه، وأن التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها تركيا تستدعي نصا جديدا أكثر انسجاما مع طبيعة النظام القائم.
في المقابل، تنظر المعارضة إلى المسار الدستوري من زاوية مختلفة. فهي لا ترفض مبدأ الدستور المدني من حيث الأصل، لكنها تبدي شكوكا عميقة في توقيت المشروع وفي الجهة التي تقوده، وترى أن فتح هذا الملف في ظل ميزان القوة الحالي قد يتحول إلى وسيلة لتثبيت النظام الرئاسي بصيغته الراهنة، أو إلى مدخل يسمح بإعادة ترتيب قواعد المنافسة السياسية قبل انتخابات 2028. وبذلك يتحول الخلاف حول الدستور إلى أزمة ثقة سياسية قبل أن يكون خلافا فنيا حول مواد قانونية.
مؤشرات الاستفادة
من هنا تأتي حساسية الأزمة داخل حزب الشعب الجمهوري. فالحزب يشغل موقعا مركزيا في معادلة المعارضة، ويمتلك كتلة برلمانية وازنة، كما خرج من الانتخابات البلدية الأخيرة بصورة عززت مكانته في مواجهة الحزب الحاكم. ولذلك فإن أي اضطراب داخلي في قيادته، أو أي انقسام بين أجنحته، يمكن أن ينعكس مباشرة على توازنات البرلمان، وعلى قدرة المعارضة على التفاوض أو الاعتراض أو التعبئة الشعبية في مواجهة مشروع الدستور.
ضمن هذا السياق، أعادت الأزمة القضائية المتعلقة بمؤتمرات الحزب اسم كمال كليتشدار أوغلو إلى واجهة النقاش. فالرجل الذي خسر الانتخابات الرئاسية أمام أردوغان عام 2023، وغادر قيادة الحزب بعد صعود أوزغور أوزال، لا يزال يمثل تيارا داخل حزب الشعب الجمهوري يرى أن المعارضة أخفقت بسبب سوء إدارة المرحلة السابقة بقدر ما أخفقت بسبب اختلال شروط المنافسة. وتتعامل قيادة أوزال مع عودة كليتشدار أوغلو المحتملة بوصفها تهديدا لوحدة الحزب ومشروع التجديد الداخلي، في حين يرى أنصاره أن الخلاف يدور حول شرعية المؤتمرات الداخلية وسلامة الإجراءات التنظيمية، لا حول خدمة أجندة خارجية.

هذه النقطة تحديدا تمنع القراءة من الانزلاق إلى التبسيط. فالأزمة داخل حزب الشعب الجمهوري لها جذور فعلية سبقت التدخل القضائي، وارتبطت بنتائج انتخابات 2023، وبالصراع بين القيادة القديمة والقيادة الجديدة، وبموقع أكرم إمام أوغلو داخل الحزب، وبالخلاف على الاستراتيجية الأنسب لمواجهة أردوغان. غير أن البعد الداخلي للأزمة لا يلغي أثرها السياسي الأوسع، لأن انقسام الحزب الأكبر في المعارضة يمنح التحالف الحاكم فرصة لاختبار مسارات تفاوضية جديدة، سواء في ملف الدستور أو في ملفات أخرى ترتبط بتوازنات ما قبل الانتخابات المقبلة.
تزداد أهمية هذه الحسابات عند النظر إلى الخريطة البرلمانية، حيث يمتلك تحالف الجمهور ما يقارب 330 مقعدا، وهو رقم يبقيه دون عتبة 360 اللازمة لإحالة تعديل دستوري إلى الاستفتاء، ودون عتبة الـ 400 اللازمة لتمريره بأغلبية برلمانية واسعة، حتى في حال انضمام كتل صغيرة أو نواب مستقلين، يظل الوصول إلى الحد الأدنى أمرا صعبا من دون دعم أوسع من المعارضة أو حدوث تبدلات داخل كتلها البرلمانية.
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن انشقاق داخل حزب الشعب الجمهوري جزءا من الحساب السياسي، لا دليلا نهائيا على تحقق هذا السيناريو. فانتقال عدد محدود من النواب أو امتناعهم عن التصويت قد يغير جزئيا هامش الحركة لدى الحكومة، لكنه لا يكفي بالضرورة لبلوغ العتبات الدستورية المطلوبة. أما انشقاق واسع داخل الحزب فيبقى سيناريو بالغ الكلفة سياسيا، لأن نواب حزب الشعب الجمهوري يدركون أن أي اقتراب من مشروع دستوري تقوده الحكومة قد يضعهم في مواجهة مباشرة مع قاعدتهم الانتخابية، خصوصا إذا فُهمت الخطوة باعتبارها مساهمة في تمديد عمر النظام الرئاسي القائم.
مشادّات كلامية تحولت إلى شجارات بين أنصار أوزغور أوزال و كلتشدار أوغلو تطورت إلى مواجهات وشجارات أمام مقر حزب الشعب الجمهوري في أنقرة لمنع الأخير من الوصول لمقر الحزب pic.twitter.com/Ivg2usNbF7
— نون بوست (@NoonPost) May 24, 2026
إلى جانب حزب الشعب الجمهوري، تبقى أحزاب أخرى حاضرة في حسابات الدستور. فحزب الجيد يمتلك هامشا قد يجعله موضوعا لمحاولات استقطاب أو تفاوض، بينما يمثل حزب المساواة الشعبية والديمقراطية الكردي كتلة مؤثرة يصعب تجاوزها في أي مسار دستوري جاد، أما الأحزاب الوسطية المنضوية في تكتلات صغيرة، مثل السعادة والمستقبل وديفا، فيمكن أن تضيف أصواتا محدودة، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير المعادلة ما لم تترافق مع تفاهم أوسع داخل البرلمان.
بذلك لا يبدو الطريق إلى دستور جديد سهلا أمام الحكومة، حتى في حال استفادتها من اضطراب المعارضة. فبلوغ عتبة الـ 360 صوتا يحتاج إلى كتلة سياسية إضافية معتبرة، وبلوغ عتبة الـ 400 صوتا يبدو أكثر صعوبة في ظل الاستقطاب الحالي. وإذا أُحيل التعديل إلى استفتاء شعبي، ستتحول المعركة من البرلمان إلى الشارع، حيث لا تكفي الحسابات العددية وحدها، بل يصبح موقف الناخبين من الاقتصاد، والحريات، والنظام الرئاسي، والثقة بالمؤسسات، عوامل حاسمة في تحديد النتيجة.
من هنا، تبدو فرضية الربط بين أزمة حزب الشعب الجمهوري ومشروع الدستور الجديد معقولة من حيث الأثر السياسي المحتمل، لكنها لا ترقى وحدها إلى حكم قطعي. فالحكومة تمتلك مصلحة واضحة في معارضة أقل تماسكا وأكثر قابلية للتفاوض، والمعارضة تمتلك أسبابا مفهومة للقلق من توقيت الإجراءات القانونية واتساعها. في المقابل، تستند الدولة إلى خطاب قانوني يؤكد ضرورة التحقيق في مزاعم الفساد أو الخلل التنظيمي أو المخالفات الانتخابية داخل الأحزاب والبلديات، وترفض اعتبار كل مسار قضائي استهدافا سياسيا.
معادلة دقيقة
الأقرب إلى القراءة المتوازنة أن الأزمة تمنح مشروع الدستور فرصة سياسية إضافية، من دون أن تفسر المشروع كله أو تضمن نجاحه. فإذا خرج حزب الشعب الجمهوري من أزمته موحدا، وقدم موقفا واضحا من الدستور، وامتلك قدرة على مخاطبة الناخبين خارج قاعدته التقليدية، فستبقى عتبة 360 صوتا صعبة، وسيظل الذهاب إلى الاستفتاء مغامرة مفتوحة على مخاطر سياسية كبيرة. أما إذا طال الانقسام، وتنازعت الشرعية بين قيادة قضائية أو مؤقتة وقيادة سياسية ذات حضور شعبي، فقد تجد الحكومة في هذا الارتباك فرصة لدفع مشروعها إلى مرحلة أكثر تقدما، أو على الأقل لاختبار حدود الانقسام داخل المعارضة.
لا يتوقف مستقبل الدستور الجديد على نيات الحكومة وحدها، ولا على أزمة حزب الشعب الجمهوري وحدها، لأن المسار سيحسمه تفاعل 3 عناصر مترابطة، قدرة الحزب الحاكم على بناء تفاهمات خارج تحالف الجمهور، وقدرة المعارضة على حماية وحدتها السياسية والتنظيمية، وطبيعة النص الدستوري الذي سيُطرح في نهاية المطاف.
فإذا جاء النص محدودا ومقنعا، وحمل ضمانات إصلاحية واضحة تتعلق بالحريات والفصل بين السلطات واستقلال القضاء، فقد يجد تأييدا خارج معسكر الحكومة. أما إذا بدا موجها لإعادة تثبيت النظام الرئاسي بصيغته الراهنة، فسيصعب تمريره من دون انقسام عميق داخل المعارضة أو استفتاء شديد الاستقطاب.
وتكمن حساسية اللحظة في أن الأزمة تتحرك داخل منطقة رمادية بين الاحتواء والارتباك. فالحكومة قد تستفيد من ضعف المعارضة، لكنها لا تملك حتى الآن طريقا برلمانيا مضمونا نحو الدستور. والمعارضة قد تستثمر الضغط القانوني والسياسي في تعبئة قواعدها، لكنها تخاطر بفقدان هذه الأفضلية إذا استنزفتها خلافات القيادة والشرعية. أما الناخب التركي، الذي يراقب المشهد في ظل ضغوط اقتصادية واستقطاب سياسي حاد، فقد يتحول إلى العامل الحاسم إذا انتقل النقاش الدستوري من البرلمان إلى صناديق الاستفتاء.
تكشف الأزمة عن اختبار صعب للديمقراطية التركية ومؤسساتها. فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب القانوني والقراءة السياسية للإجراءات القضائية، تراجعت الثقة العامة في حياد المؤسسات، وازدادت قابلية الشارع لتفسير كل قرار باعتباره امتدادا للصراع على السلطة. وفي المقابل، فإن أي مسار دستوري جاد يحتاج إلى حد أدنى من الثقة المتبادلة، ونص واضح، وضمانات مقنعة، ومشاركة سياسية واسعة تحول الدستور من مشروع فريق إلى عقد وطني قابل للاستمرار.
لذلك، يبقى احتمال أن يؤدي انقسام حزب الشعب الجمهوري إلى تسهيل تمرير دستور جديد احتمالا قائما من الناحية السياسية، لكنه لا يزال مشروطا بعوامل كثيرة. فالانقسام وحده لا يصنع أغلبية 360، ولا يضمن قبول الشارع، ولا يزيل حساسية العلاقة بين أحزاب التحالف الحاكم وبقية الكتل البرلمانية. كما أن التماسك وحده لا يكفي المعارضة إذا عجزت عن تقديم خطاب دستوري بديل يقنع الناخبين بأن رفض المشروع لا يعني رفض الإصلاح.